أسماء عبد اللطيف
وقف ميمون على ضفاف النهر. كانت عيناه معلقتين بالجسر المؤدى إلى القرية المقابلة على الضفة الأخرى، لقد سمع الكثير من الأساطير عن تلك القرية، يقول الناس إن سكانها أغراب أتوا من مكان بعيد لا أحد يعرف من أين تحديدا لكن الأرجح أنهم أتوا من صحراء بعيدة، قديما كانت تربطهم تجارة مع باقى القرى المجاورة لهم والمقابلة لهم كما قريته وإلا لماذا وجد هذا الجسر، كان يريد اجتيازه، كلما حاول أى شخص اجتياز الجسر أطلق عليه الناس لقب مجنون، لا يهم! هكذا قال لنفسه، المهم فقط هو استكشاف تلك القرية.
ظل يراقب الجسر لأيام وليال طويلة يلازمه التردد لم يقرر بعد متى سيجتاز الجسر، لا يربطه بالقرية سوى بيته، مات أبواه. ليس له زوجة ولا أولاد، يشعر بالملل فى قريته الكل مشغول بنفسه لا يسأل الناس عن بعضهم بل انهم من فرط همومهم وانشغالهم لا يسلمون على بعضهم، وفى صباح يوم مشمس تابع الناس من حوله كل منصرف فى عمله، فى العادة تخلو الضفة من الصيادين ومن الناس كافة فى وقت الظهر، على الضفة المقابلة لمح شيخاً كبيراً يرمى الحصى الصغير فى النهر من خلفه أشجار كثيفة عملاقة تبدو كأشجار الغابة، نادراً ما يلمح الناس أشخاصاً من تلك القرية الغريبة، تلفت ميمون لم يجد أحداً حوله قرر فى لحظتها أن يعبر الجسر، لكن طفلا فى سن الثانية عشرة يعمل صياداً وكان متوارياً خلف قارب كبير يرتب حصيلته من السمك بأمر من رب عمله فيفصل السمك الكبير عن الصغير لأن لكل منهم حسابا مختلفاً، رآه ذلك الطفل وهو يغامر ويتسلل خلسة كى لا يراه الناس الذين تواروا من أشعة الشمس الحارقة فى بيوتهم، نادى عليه بصوت عال عم ميمون عم ميمووون لا تذهب احذر تلك القرية خطيرة ارجع يا عم ميمون ارجع... من يذهب إلى هناك لا يعود.
لكن ميموناً لم يلتفت له، وصل إلى نهاية الجسر تحديداً عند الشيخ الكبير لقد كان وجهه خالياً من التعابير مد يده مصافحاً وقال: مرحب بضيفنا، هل تعلم أنه منذ مدة كبيرة جداً لم يزرنا أحد!
لم يبتسم ميمون، لم ينطق، اكتفى بهز رأسه فى إشارة منه باهتمامه بترحيب الشيخ، مشى الشيخ فمشى وراءه قال له أعجبتنى جرأتك لا أحد يود أن يعاملنا، هنا ستعرف الكثير من الحقائق، تملك ميمون شىء من الخوف، قال الشيخ وكأنه عرف ما يشعر به ميمون: لا تخف، ليس هناك داع لذلك، فقط استعد!
التفت ميمون إلى الجسر لقد ابتعد عنه كثيراً، هل سيعود إليه؟ لا يعرف، أى مشكلة تلك التى أوقع نفسه فيها.
بعد مدة وجيزة بدأ ميمون يعتاد حديث الشيخ. فيه شىء من الطمأنينة، راح يتلفت يميناً ويساراً ليستكشف أرجاء القرية، يبدو المشهد مخيفاً من بعيد، أشجار كثيفة ومثمرة تحيط بالقرية عند الحدود الخارجية لها، بعد مدة سير قاربت نصف الساعة انتهت صفوف الأشجار بدأت تظهر البيوت وظهرت معها الحياة، أطفال يلعبون هنا وهناك، نساء مدثرات بدثار طويل لا يظهر منهن شىء إلا عيونهن، تجار يجوبون القرية، رجال يجلسون أمام حوانيتهم وبيوتهم، لا شىء مختلفاً عن قريته.
مروا على ديار كثيرة، توقف الشيخ ليشترى قطعاً من الفاكهة، لاحظ ميمون أن العملة الورقية الخاصة بهم مكتوب عليها بعض النواهى، لكنه لم يستطع أن يقرأ الكلمات المكتوبة.
أعطى الشيخ لميمون تفاحة فإذا بميمون يلتقطها فى نهم ثم رفعها إلى فمه فى عجالة وقضم قضمة كبيرة، فى هذه اللحظة كان الشيخ يتابعه باستغراب. لم ينطق بكلمة واحدة. ظل يراقب تصرف ميمون الذى يُعتبر غريباً بالنسبة له، ما زال الشيخ يراقب ميمون الذى بدا سعيداً بطعم التفاحة اللذيذة لكن سرعان ما تغيرت ملامح ميمون لقد تغير الطعم فى فمه إلى مرارة ثم بصق ما فى فمه وقال للشيخ إنها مُرَّة! فرد الشيخ لأنك لم تحمد عليها الله، لم تسم بسم الله، لم تتفكر فى قدرة الله، فكان هذا جزاؤك... صمت الشيخ قليلا ثم أعطاه عملة ورقية وطلب منه الاحتفاظ بها كان قد كتب عليها، لا تنسى أبدا ذكر الله.
شعر ميمون بالتعب. طلب من الشيخ أن يستظل تحت شجرة قريبة، افترشوا الأرض كان الجو حارا، أراد ميمون شرب الماء فوجد رجلا يجلس على مقربة منهم يحمل قنينة مغطاة بالخيش المبلول يبدو أن الماء بارد، قام إليه وطلب منه أن يشرب لكن الرجل رفض وبشدة وأصابته نوبة جنون وصار يصدر أصواتا غريبة غير مفهومة، خاف ميمون عاد إلى الشيخ وجلس بجواره ثم ردد:
رجل غريب!
ضحك الشيخ وقال أنت متسرع جداً يا ميمون، نادى على صبى صغير وطلب منه أن يأتى لهم ببعض الماء من بيتهم فاستجاب الصبى لفوره ورجع مسرعاً بإبريق مياه بارد. شرب ميمون وبعد أن ارتوى، قال للشيخ لم تخبرنى قصة الرجل.
رد الشيخ فى أسف:
هذا رجل كان يتحدث كثيراً، يجوب القرية يتناقل أخبار الناس فى الطرقات والمجالس، لا يكف عن الحديث أبداً يشغل باله بكل الناس إلا نفسه، حذرته مراراً من عاقبة هذا الفعل لكنه لم يستجب، وفى يوم من الأيام مر على أرض زراعية فرأى رجلاً قتل رجلاً آخر خاف من المواجهة وخاف أن يساعد ذلك المسكين لكنه لم يخف من لسانه وراح يذيع الخبر لكل من قابله لم يصبر حتى يلقى مسئولو القرية القبض على الرجل ونقل الخبر بين كافة الناس، علم القاتل أن هذا الرجل هو من فضح سره فذهب إلى بيته فى منتصف الليل هجم عليه وقص لسانه، ومنذ ذلك الوقت وهو لا يتعامل مع أحد أبداً ولا يثق فى أحد ويظن دائماً أن كل من يقترب منه يريد أن يؤذيه فكان ما حدث للمسكين حصاد لسانه، أعطى الشيخ عملة أخرى لميمون كتب عليها احفظ لسانك!
هبت عليهم بعض الرياح المحملة بالغبار، ظهرت من بين الغبار امرأة مديرة كما هو معهود فى قريتهم كانت تبكى بل إنها لا تتوقف عن البكاء، تنتحب تارة وتسكت تارة أخرى ثم تعود لتنتحب ثانية، استغرب ميمون من عدم التفات الناس إليها لا أحد يسألها ما أصابها، التفت للشيخ فقال الشيخ قبل أن يسمع سؤال ميمون:
وهذه كانت زوجة لرجل يحبها اشترى لها كل ما تريد حاول إسعادها بكل الطرق لكنها لم تكتفِ، كانت تريد المزيد والمزيد، انتظرت أقرب خلاف بينها وبين زوجها، أعماها طمعها وغلبتها سذاجتها ونفذت خطة أخيها الذى أتى لها فى منزلها ناصحاً بأن تنتقم من زوجها بخطة ذكية، حيث اتفقا على أن يسرقا الذهب الخاص بها ومن بعدها يدعون أن سارقا دخل المنزل، وكانت الخطة أن أخيها بعد منتصف الليل وبعد أن يغط أهل القرية فى نوم عميق سيقف بالقرب من نافذة غرفتها المطلة على الشارع ويصفق لها ثلاث تصفيقات متتالية لتفهم أنه فى انتظارها فترمى له صرة معقودة بداخلها كل الذهب... وفى ليلة تأخر زوجها عن العودة للمنزل سمعت التصفيقات الثلاث فرمت الصرة وفى اليوم التالى ذهبت لزيارة أخيها لتبارك له تنفيذ الخطة بنجاح فما كان منه إلا أن أنكر أخذ الصرة فصارت تصرخ وتبكى وتقول: يا ويلى إذن من الذى التقفها منى فى الليلة الماضية؟!! فـ...
قاطعه ميمون سائلا:
- إذن من الذى أخذ الصرة؟
رد الشيخ:
- زوجها... سمع خطتهم ونفذها.
خذ هذه العملة أيضاً إنها الأخيرة، كُتب عليها إياك والخيانة.
مالت الشمس ناحية الغروب، قال الشيخ انتهى اليوم حان موعد عودتك إلى قريتك. سأله ميمون وهو فى طريق العودة إلى الجسر لماذا يحذر الناس بعضهم من التعامل مع قريتكم؟
تنهد الشيخ تنهيدة طويلة وهو يجيب:
آه... هنا نتعامل بإنسانية هنا يأخذ كل فرد حقه، توزع الأرزاق بعدل الله نعيش على خيرات قريتنا بعد أن رفضت القرى المحيطة التعامل معنا فالناس يا بنى لا يقبلون الحقيقة ولا العدل، قبل أن نتبادل العملات الورقية نكتب فعلا، ننهى الآخر عن الوقوع فيه، مبدأ التذكير مقبول من الجميع لا أحد يرفض النصيحة، نعلم بعضنا بعضا، نتفكر، نتعظ، نعيش بالفطرة ببساطة ما من شخص يخالف الفطرة إلا ونال جزاءه.
وصلوا إلى الجسر، تمنى الشيخ أن يرى ميمون مجددا، وقف ميمون ينظر فى شرود إلى قريته هل سيجتاز الجسر ويعود؟!
زاد
الحبُ
ناظم حكمت







