فى ذكرى رحيله الثالثة والأربعين: قصيدة مجهولة لصلاح عبد الصبور

صلاح عبد الصبور
صلاح عبد الصبور


الموقف السياسى للشاعر صلاح عبد الصبور يحتاج بالفعل إلى كثير تأمل، وإلى إعادة قراءة، فهو شاعر مؤرَّق ومتألم، وقد كانت حياته كلها حلقات متشابكة فيما يمثل السلسلة المحكمة لمجموعة من المآزق السياسية، لم تبتديء بقبوله رئاسة تحرير مجلة «الكاتب» بعد مذبحة اليسار الثقافي، وإزاحة رئيس تحريرها أحمد عباس صالح ورفيقيه عبد العزيز الأهوانى وعبد المحسن طه بدر عام 1977، ولم تنته باشتراك إسرائيل فى معرض القاهرة الدولى للكتاب عام 1980، فترة رئاسته لهيئة الكتاب، حتى أن ميتته الدراماتيكية، كانت نتيجة لنقاش سياسى حاد، حول مواقفه السياسية.

يقول الدكتور أحمد مجاهد، أحد المرجعيات الباذخة عن شعر صلاح عبد الصبور ومسرحه: إنه لم يمدح الزعيم فى سلطانه.

والسؤال الذى سأحاول الإجابة عنه فى هذه السطور، هو: هل صحيح أن صلاح عبد الصبور لم يمدح الزعيم فى سلطانه؟
سألت الأستاذ أحمد عبد المعطى حجازي، مرة، عن شعراء عبد الناصر، فأجاب بأن غالبية الشعراء المصريين والعرب، امتدحوه، «فقد كان بالنسبة لنا يمثل الحلم الذى يتحقق أمام أعيننا».



سألته:

ولماذا لم يمتدحه صلاح عبد الصبور؟
أجاب، لقد فعل، ويمكنك الرجوع إلى دواوينه لتتأكد. وحكى لى كيف كتب صلاح عبد الصبور ممتدحاً عبد الناصر.

أنا من ناحيتى أعدت قراءة دواوين عبد الصبور، فلم أجد القصيدة، لكننى واصلت البحث، والاتصال بالرفاق الذين يدسون أنوفهم فى الأوراق الصفراء، واستطعت العثور عليها.

فى أواخر فبراير من عام 1965، اجتمع الدكتور لويس عوض المشرف على الملحق الأدبى بجريدة الأهرام، بثلاثة من الشعراء الشبان، هم: صلاح عبدالصبور وأحمد عبد المعطى حجازى وعبد الوهاب البياتي، كان ذلك فى مكتبه بالأهرام، أما الحدث الداعى لهذا الاجتماع، فهو اقتراب موعد الاستفتاء على رئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبد الناصر، لم يكن الأمر أمر انتخابات، فيها متنافسون عديدون على مقعد الرئيس، بل استفتاء على اسم واحد فقط، وهكذا خلع الدكتور لويس عوض نظارته السميكة، وحدق فى عيون شعراء الحداثة الجدد الذين بدأت اسماؤهم تلمع فى مجالس الأدب، كانوا تقريباً فى الثلاثينيات من عمرهم، لكنهم استطاعوا أن يكونوا رقماً صعباً فى معادلة الشعرية العربية الجديدة، وقال لهم:

أين قصائدكم فى مديح الزعيم؟ إن الاستفتاء على الأبواب، ولا بد أن يكون صوتكم الشعرى مؤازراً له، وللأمة العربية وهى تقرر مصيرها.

فى الأسبوع الأول من مارس عام 1965، كان على مكتب السيد المشرف على الملحق الأدبى لجريدة الأهرام، ثلاث قصائد، لثلاثة شعراء الحداثة الشبان:

الشاعر والبطل، لأحمد عبد المعطى حجازي، والتى ينهيها قائلاً:
يظلمك الشعر إذا غناك فى هذا الزمان
لأنه لا يستطيع أن يرى مجدك وحده،
بدون أن يري
ما فى الزمان من عذاب وهوان!
إلى عبد الناصر الإنسان، لعبد الوهاب البياتي، والتى ينهيها قائلاً:
فيا شعراءَ فجر الثورة المنجاب
قصائدكم له، لتكن بلا حُجّاب
فهذا المارد الثائر إنسان
يزحزح صخرة التاريخ،
يوقد شمعة فى الليل للإنسان.
الوطن والقائد، لصلاح عبد الصبور.
وهى القصائد التى ازدان بها الملحق الأدبى لجريدة الأهرام، فى العدد الصادر فى العاشر من مارس من العام 1965، أى قبل إجراء الاستفتاء السياسى بخمسة أيام.

الشاعر عبد الوهاب البياتى شاعر عروبي، وقد ظل طوال حياته مؤمناً بعبد الناصر وبموقفه السياسي، وقد كتب فيه أكثر من قصيدة، كلها منشورة فى دواوينه العديدة، كذلك الشاعر أحمد عبد المعطى حجازي، شاعر ناصرى صلب، وقد كان طوال حياته صريحاً فى إبداء انحيازه للزعيم الملهم، حتى انه كتب فى إحدى مدائحه له يقول:
يا شعراء يا مؤرخى الزمان
فلتكتبوا عن شاعر كان هنا
فى عهد عبد الناصر العظيم.
وقد كتب بإلهام منه، وعنه، وإليه، عدداً غير قليل من القصائد، كلها منشورة فى دواوينه، وكما كان أحمد عبد المعطى حجازي» صريحا فى إبداء انحيازه للزعيم الملهم، كان صريحاً أيضاً، عندما غير رأيه فيه، وأعلن ذلك صراحة فى الطبعة الكاملة لأعماله الشعرية الصادرة عن هيئة الكتاب منذ سنوات، حيث كتب يقول:
خمس قصائد نظمتها فى عبد الناصر بين سنة 1956 و1971. وقد تغير موقفى تماما من عبد الناصر حتى فكرت فى إسقاط هذه القصائد من شعري، لكننى قررت فى النهاية إثباتها، لأنها تعبر بصدق عن جانب من تاريخي، ولأن قيمتها الفنية لم تتغير فى نظري. ولا شك أننى سأعود لتوضيح هذا الموقف فى سيرتى الذاتية.
وهكذا، نرى أن البياتى وحجازى كانا واضحين جداً فى موقفهما من جمال عبد الناصر وفى شعرهما عنه، المشكلة الحقيقية كانت مع صلاح عبد الصبور، فقد أخفى هذه القصيدة تماماً، ولم يثبتها فى أى من دواوينه، للحقيقة، هو أثبت فى دواوينه، مرثيته عنه، «الحلم والأغنية» فى ديوانه «تأملات فى زمن جريح»، لكنه أثبت أيضاً فى ديوانه الأول «الناس فى بلادي» قصيدته الشهيرة «عودة ذى الوجه الكئيب»، التى يجمع دارسو الأدب على أنها فى هجاء عبد الناصر.
على جانب آخر، يبدو أن القصائد الثلاث لثلاثة الشعراء الشبان، قد أتت أكلها بالفعل، فهى بالرغم من التقريرية والمباشرة والخطابية، التى شاعت فى سطور قصائدهم، إلا أن السيد رئيس مجلس الأمة أعلن أن نتيجة الاستفتاء على منصب رئيس الجمهورية العربية المتحدة بلغ 99.99 فى المائة، وفى تفصيله لهذه النتيجة، قرر سيادته أن عدد من قال نعم بلغ سبعة ملايين مواطن، بينما عدد من قال لا، كان 65 مواطناً.
وهذا هو النص الكامل لقصيدة صلاح عبد الصبور:
والقائد
يا عبد الناصر
يا نجم الليل
ودليل القافلة الهادى نحو الفجر
قدنا لترى فى الصبح مدينتنا البيضاء
يا حادينا عبر الصحراء
انثرنا فوق الجدب عطاء فياضاً، ومحبة
تتفجر من سيقان الفلاحين البسطاء
والعمال الفقراء
أشجار الظل ونافورات الماء
يا ربان السارين على وجه البحر
ادفع عنا الأنواء
وأنلنا شطآن الشمس الرحبة.
***
هذا يوم يتحدث فيه
وطنى بلسان القدرة
هذا يوم لا يكتب فيه
وطنى إلا قدره
هذا يوم يتقدم فيه
وطنى للمجد
متكئاً فوق مناكب عبد الناصر
عملاقان يحثان الخطو إلى عين الشمس
عرفا أن الحب المبذول السمح هو القدرة
وهو الأس
لا، بل وطنى والقائد إنسانان صديقان
فى قريتنا إن صادق إنسان إنساناً أعطاه عمره
وطنى والقائد يعتنقان
لتعانق نورهما عينان
ما أحلى ما ينمو فى قلب محبين
إذ يبتسمان
***
يا عبد الناصر
يا أخلص أصحابي، أصحاب أبي
أصحاب الفلاحين بقريتنا
يا أشجعنا، أذكى أبناء العرب أرومتنا
يا أطيبنا نفساً
أعطيك العهد، فقدني
خذني، ذوبنى فى عينى وطني
خذ قلبى وأرشقه وردة
فى مفرقه تتألق ... يا عيني
انسج أيامى خيطاً فى راية
لترفرف فى قمة
تتنفس دخان المصنع
أو تتسمع
أنشودة حكمة
فى مدرسة أو مجمع
واجعل ما يبقى من عظمى صاري
فى كف محارب
من جند استرجاع المجد الغارب
وأذب شعرى وغنائي
أنداء فى شفتى وطني
...  ...  ...  
يا عبد الناصر ... قدني.