د. حمزة قناوى
يمكن القول إن النظريات النقدية الحديثة من بنيوية وما بعدها، قد أدت إلى التساؤل حول ما أصبح متاحاً من أفقٍ للفيلسوف أو المفكر أن يقدمه، فالانضباط المنهجى الذى أصبح ملازماً لكل عمليات التحليل الإنسانى من أنثروبولوجيا أو علم اجتماع أو حتى عمليات لسانية أو ترجمة، كل ذلك أصبح يُنظَرُ له باعتبار أن به قدراً من المنهجية والانضباط الذى يُنَحِّى الذاتية ويعلى من الموضوعية بشكل قريب من أشكال العلوم التجريبية. ويمكن القول إن العُدَّة الأساسية للمفكر أو الفيلسوف هى «الذاتية»، فالمفكر أو الفيلسوف يطرح أفكاره الخاصة به والتى عادة ما يكون لها تميزها الخاص عن السائد والمألوف فى ساحة الأفكار، ومن ثم فإن هناك تناقضاً يواجه الوجود الفلسفى عقب اكتشاف النظريات العلمية، ألا وهو: كيف يمكن تحقيق الذاتية وفق أسس موضوعية؟ كيف يمكن للمفكر والفيلسوف أن يقدم نسقه الفكرى الخاص به دون أن يغفل ما وصلت إليه النظريات الحديثة؟
من جانبٍ آخر، ثمة نزعة إنسانوية أدت إليها النظريات البنيوية وما بعدها فيما أصبح يعرف بنظرية «ما بعد الكولونيالية»، وهى التى تهتم بتحليل مصادر القوة والهيمنة فى الخطابات الإنسانية، خاصة تلك التى مارستها الدول الاستعمارية تجاه الدول المستعمرَة، وطالما تعاملت الدول الاستعمارية مع الدول المستعمرَة وثقافاتِها باعتبارها قابلةً للخضوع والهيمنة عليها، باعتبارها شيئًا واحدًا، جوهراً لا يتغير، وأصبح كل نزوع علمى يكتشفه الغرب – رغم ادعاء موضوعيته – يصب فى صالح الهيمنة الغربية، والتخلف الشرق أوسطي، ومن ثم فإن علوماً مثل الاجتماع، والإنثروبولوجيا، والإثنوجرافيا، وغيرها، أصبحت وسيلةً من وسائل إخضاع الآخر، فالغرب عندما يبحث ويتفحص الشرق يحلله من خلال علوم المجتمعات، بينما حينما يريد أن يتأمل ذاته، فإنه يضع محاولاته البحثية فى ذلك فى إطار الفكر والفلسفة! وكأنّ البحث فى المجتمعات الغربية يولِّد فكراً وفلسفة، بينما البحث فى المجتمعات الشرقية، يولد إنثروبولوجيا وإثنوجرافيا وعلم اجتماع!
يجدر وضع هاتين النقطتين الجوهريتين فى خلفية تناول كتاب فكرى حسن المعنون بـ«المصريون بين ثقافة التكيف وآفاق التمكين»، الصادر عن دار الثقافة الجديدة؛ ذلك أنه كتاب يجمع بين عدة مرتكزات قلما تجتمع معًا فى كتاب واحد، وقلما يُلم بها مفكرٌ واحد فى الوقت نفسه، يمكن القول إنه كتاب صعب التناول فى ثقافتنا العربية، وتحتاج مقاربته إلى نمط خاص من أنماط التناول من ناحية، وانفتاح أفق المتلقى .
من ناحية أخرى، وهو ما أحاول تقديمه هنا فى هذا الكتاب الفريد والذى يبدو غريباً بعض الشيء، مع طرحه الذى ربما يختلف معه الكثيرون، لكننا سنتفق حول الجهد المبذول للطريقة المنهجية والكيفية التى يبنى بها فكرى حسن أفكاره.
إن الجوهر الذى ينطلق منه فى كتابه هذا هو التساؤل حول الفكرةِ التى بلغت حد التسليم المطلق بها، والتى بلغت ذروتها فيما طرحه من قبل جمال حمدان حول «شخصية مصر»؛ ففكرة وجود تجانس واحد وطغيان إقطاعى نتيجة المركزية الحضارية للدولة المهيمنة التى تحكم من أقصى الجنوب إلى الشمال، ورغم التعدد النسقى واختلاف أنماط الاحتكاك وتعدد الجوانب الجغرافية للدولة المصرية المترامية الأطراف، فإن فكرة وجود شخصية قومية وطنية واحدة يتبع لها المواطنون المصريون، هى الفكرة التى يعارضها فكرى حسن، ويحاول أن يقدم بديلًا- أو بدائل عنها- عبر وضعها فى سياق المناقشة والتمحيص العقلى والاجتماعى والتاريخى أيضًا.
يقول: « كما أن فكرة «الشخصية القومية» استُخدِمت فى إطار المحاولات الاستعلائية والاستعمارية لتفنيط الشعوب ولتمييزها بعضها عن البعض أو، كما حدث فى الحرب العالمية الثانية، لخدمة الأغراض العسكرية لفهم التركيبة النفسية للأعداء ، ومثال ذلك دراسة شخصية الشعب اليابانى فى «زهرة الكريزينثمم والسيف «لخدمة الجيش الأمريكى وسلطات الاحتلال، وبالتالى لم تستخدم فكرة الشخصية القومية بهدف إحلال السلام والتعايش بين الدول والمجتمعات.»
وتكمن أهم التحديات التى تواجه عادةً مفكراً ما، فى أنه إذا ما أراد أن ينقض فكرة سائدة، فإن عليه أن يسهم فى تقديم فكرةٍ بديلة، فإذا ما كنا سنتعارض مع فكرة الشخصية القومية، والوحدة النوعية للشعب المصرى رغم المساحات الشاسعة التى يعيش فيها، ورغم اختلاف خبرات المعايشة من مكان إلى آخر، فما السبيل الذى يمكن الاعتماد عليه كبديل لهذه الفكرة؟ ومع التأكيد أنه لا يمكن الوصول لفكرة بديلة على قدر من السهولة واليسر، فإن المناقشة والمحاججة هى السمة الغالبة على نمط الكتاب هنا.
وفى العصر الحديث أصبح أكثر ما تهتم به تحليلات الخطابات المتنوعة هى طريقة الخطاب ذاته، ربما أكثر مما تهتم بما توصل إليه من نتائج، لذا فإن طريقة المناقشة التى يقدمها فكرى حسن تبدو مهمة لنا بشدة، وعبر فصوله السبعةَ عشَر، يقدم نوعاً من المحاججة التى ربما لم تعتدها الثقافة العربية بهذا القدر، إنه نوع من النقاش الفوكوى الذى يذكرنا بما كان يقوم به إدوارد سعيد من خلخلة المفاهيم الغربية السائدة فى محاولة إنشاء سردية جديدة، فبينما يؤكد أن فكرة الحنين إلى الماضى مرتبطة بالهزيمة النفسية الواقعة على المجتمعات العربية، وأن المبالغة فى الاعتزاز بأمجاد الماضى على نحو ما هروب لا واعٍ من مواجهة متغيرات الواقع، فإن العملية الأصعب هى تحليل هذا الواقع وفهمه وفهم معطياته على نحو يستقيم معه البحث والتحليل، تبدو مهمة شائكة، خاصة أنها كثيراً ما ستتعارض مع المسلّماتِ السائدة.
وإذا ما كانت اللحظة الفارقة التى جعلت من سعيد يقدم منظورَهُ المغايرَ والمفارق من قلب الثقافة الغربية، هى تلك اللحظة التى تحدثت فيها جولدا مائير عن الشعب الفلسطينى وكأنه غير موجود، فإن اللحظة الفارقة بالنسبة لـ(فكرى حسن) والتى تجعله يقدم هذه الأفكار المغايرة هى ثورة الخامس والعشرين من يناير، يقول: «كان هناك تغير نوعى فى ثورات المصريين منذ اللحظة ألتى وقف فيها أحمد عرابى فى ميدان عابدين فى 9 سبتمبر 1881.
وكان هذا التغير نتيجة الانفتاح والتواصل مع روح الثورات الحديثة، كما كانت ثورة 25 يناير 2011 تعبيراً عن روح ثورية اندلعت فى طوائف الشعب تستلهم قوتها من الإيمان بالعيش الكريم والحرية والعدالة الاجتماعية من واقع تاريخ من الثورات ومخزون من ثقافة التحرر وإلمام بآليات التواصل فى عصر العولمة.»
هذا التغير الجذرى فى استخدام الآليات والأدوات فى ثورة الخامس والعشرين من يناير فى اعتقادى كانت دافعاً كبيراً لـ(فكرى حسن) لكى يقدم لنا هذه الدراسة الرصينة حول أوضاع الشعب المصرى وطريقة تعامله عبر التاريخ مع مجريات الأحداث، ويبدأ فى استعراضٍ تاريخيٍّ سَلِس فى التدقيق فى المسلمات التاريخية واحدة تلو الآخرى ليفككها عبر القرائن، وبالاستعانة بكم كبير من المراجع العربية والأجنبية والمترجمة، ليحاول أن يقدم رؤية تنتصر فى مجملها لإنسانية المجتمع المصري، ولكرامته، ولتنوعه وتعدده، لذا يمكن النظر لهذا الكتاب الضخم المقدم هنا، ولفصوله العديدة على أنها أول كتابة موضوعية هادئة عن ثورة يناير، بيد أنها كتابة اجتماعية علمية، تحلل فى هدوء، وتتعمق عبر منهج بنائى – تفكيكى – تقويضى، شبيه بالمنهج الفوكوى من وجهة نظري.
لماذا أشعر بأن المنهج الفوكوى هو المسيطر على الطريقة المنهجية لتحليل فكرى حسن؟ تقول الدكتورة ريسة الدوسرى: «ترتبط فكرة المقاومة فى فلسفة ميشيل فوكو بالسلطة وبالعدالة أيضاً، فالعدالة- وفقاً لفوكو- نشأت باعتبارها أداة للسلطة أو باعتبارها سلاحاً ضدها، وهو ما يمنح السلطة بعض الشرعية ، والإنسانية باعتبارها مفهوماً يتناول الطبيعة البشرية ، وهو مفهوم يؤثر بالسلب عبر تقييد القدرات البشرية وتهميش من يخرجون عن إطار هذه الطبيعة، فكل دلالات الشخص الطبيعى التى تأتى من الطب النفسى وعلم الجريمة هى دلالات غير صحيحة وفق فلسفة فوكو، ومن ثم يقرر ميشيل فوكو الثورة ضد المدارس باعتبار أنها تنقل الفكر التحفيظي، والثورة ضد الملاجئ؛ حيث يتم ممارسة نوع من القمع والأنشطة البوليسية باسم علم النفس، والثورة ضد النظام القضائى الذى يؤسس ويقرر التمييز المعنوى بين البراءة والذنب، وبين المعقول واللامعقول.»
لو دققنا النظر سنجد أن هذا الوصف لموضوعات واهتمامات ميشيل فوكو يتطابق إلى حد كبير مع موضوعات واهتمامات فكرى حسن فى كتابه المعروض هنا، الفارق أن فوكو يناقش من منظور الثقافة الغربية، أما فكرى حسن فيناقش من منظور الثقافة العربية، ودون أن يغفل ما كتب عن هذه الثقافة فى الدراسات المختلفة، حتى فى الكتب الاستشراقية وغيرها، كل السبل أمامه متاحة من أجل الحصول على معرفة تمكّنهُ من فهمِ الحقيقة حول متغيرات المجتمع المصري، الذى يرفض بداءةً النظر إليه كحقيقة كلية خاملة الوجود مرتبطة فقط بمركزية الدولة، أو بتأثير بيئى ضيق الأفق، إذ أن من أهم سمات البيئة المصرية أنها متنوعة ما بين الساحلية والنيلية والصحراوية، حتى أنه يتتبع مراحل نشأة التحكم فى النيل لمن يريد أن يعتبر مصر «هبة النيل»، وهبة الدولة المركزية التى تحكمت فى مجريات النيل، كل تلك المسلّمات يضعها قيد الفحص والتحقيق، تماماً مثلما وضع فوكو كل شىء، حتى تاريخ المرض والجنون والجنس، وضعها فوكو تحت مجهر الفحص والتحليل، أو إن شئنا الدقة، تحت معول «التقويض» لكل المسلّمات الخاطئة.
وتكمن ميزة الفصول السبعة عشر فى كتاب فكرى حسن أن كل منها يسلّم للآخر فى سلاسة ويسر، وأنها فى مجملها تتبعٌ دقيقٌ منذُ القِدم، وأعنى بالقِدم هنا منذ بدايات الدولة المصرية القديمة، حتى لحظة المفارقة الراهنة المتمثلة فيما تم فى ثورة الخامس والعشرين من يناير، فيحلل مفاهيم القومية، ونشأتها باعتبارها ضرورةً اقتصاديةً سعى إليها رجال الأعمال لكى يوجدوا لهم أسواقاً تنافسيةً مسيطرٌ فيها على الجمهور المستهدف، مروراً بالأصول الحضارية للدولة المصرية القديمة، ثم يناقش ويحلل مفهوم الشخصية القومية بين الأنثروبولوجيا وعلم النفس، وبعدما يضع كل هذا نصب التحليل، يخصص الفصل الرابع الذى تأتى عنونته بسؤال، هو: «ما هى «الشخصية المصرية»؟»، وهو سؤال أراه مفصلياً فى أطروحته المقدمة هنا، إذ يرى أننا فى الحقيقة أمام شخصيات متعددة، ربما يمكن إيجاد رابطة من حيث المهنة، أو من حيث الإقليمية الخاصة بكل منطقة وطبيعة أنشطتها الاقتصادية، أو حتى من حيث تعرضها للهجرة والإقامة، لكن الحديث عن شخصية واحدة موحدة هو أمر –فى تصوري- ينطوى على قدرٍ من التعميم غير الدقيق.يقول:
«ولتفادى مصيدة التعميم المُخل سنحاول أن نتعرف على الفئات المختلفة ألتى يتكون منها المجتمع المصرى، لنلقى الضوء على التنوع فى خصائص المصريين، وسنحتاج فى ذلك الصدد إلى أن نسترجع الأصول الحضارية ألتى تشكل من خلالها المصريون عبر العصور ، كما سنحتاج إلى أن نلقى نظرةً فاحصةً على العصر الحديث وما تمخض عنه من تغيير جوهرى فى تركيبة المجتمع الطبقية والفئوية.»
يولى فكرى حسن أهمية كبرى للريف والمزارعين، باعتبارهم النواة الأساسية لمصر، ثم يعرج فى تتبع تاريخى للعلاقة التى كانت سائدة بين الفلاحين والباشاوات، وما تلا ذلك من حراك ثقافى وانفتاح ثقافي، ثم يحلل طبيعة المجتمع المصرى السلطوى والبيروقراطية المصرية، ومنها ينطلق إلى ملف شائك جداً، هو التدين، وبعد تحليل مستفيض لظاهرة التدين فى المجتمع المصرى منذ العصور الأولى، مروراً بدخول الإسلام مصر، والعلاقة مع الوهابية، والجماعات الإسلامية، وحتى تحليل التدين الشعبى الذى يحل محل قلة الحيلة وعدم القدرة على مواجهة الوقائع، وكذلك تحليل الصوفية، ثم المقارنة بين استمرارية الأخذ من الحضارة الغربية، واستمرارية الأخذ بالتدين وتعدد مظاهره المختلفة، حتى يخلص من ذلك إلى ملحوظة فى غاية الأهمية، يقول:
« وإذا كان الهدف من دراسة الخصائص هو تغيير المجتمع إلى ما يعود عليه بالخير ، فعلينا أن نميز بين أسباب الخصيصةِ الدينية ودورِها فى الحفاظ على التوازن النفسى فى مواجهة ما نجهله، وفى مواجهة الشعور بالعجز وقلة الحيلة، وفى مواجهة غياب اليقين فى الأمور المصيرية وهى من الأسباب الرئيسية للإيمان، وهو مفهوم شائع عند الفلاحين إزاء ظروف القهر أو البؤس الذى لا يستطيعون التغلب عليه أو فهمه بصورة عقلانية وعجزهم عن التأكد مما سياتى به المستقبل. ولذلك يقترن الاستسلام باغتنام الفرص السانحة والاستمتاع بما يأتى به الزمان مما يدخل السرور على النفس فى التو واللحظة.»
هكذا يعالج قضية من أكثر القضايا حساسيةً فى المجتمع المصري، ولا يستطيع الخوض فيها أو الكلام عنها، إنه يعالج التدين ما بين كونه احتياجاً نفسياً، أو طريقةً وآليةً للسيطرة على الشعوب، وبين الاستخدام السياسى بالرغبة فى سيادة مذهب مثل الوهابية على باقى المذاهب، كل ذلك فى هدوء يحسب له، وبطريقة لا تستثير حفيظة القارئ، «الذى غالباً هو متأثر بقضية التدين أيضاً»، وهو ما يكشف عن وعى فى طريقة النقاش لأكثر القضايا حساسية، مما يعنى أن الصِدام ليس من أهداف فكرى حسن، بقدر ما أن هدفه تفعيل الوعي، والتعامل مع القضايا الشائكة بنوع من الحكمة التى تستخدم لغة موضوعية لا تستثير حساسية القارئ.
يخرج من هذا الفصل إلى الحديث عن المرأة والمجتمع، وهو حديث ذو شجون، فرغم الأهمية التى تحتلها المرأة المصرية فى المجتمع، إلا أن الإحصائيات التى تأتى من أرض الواقع عن الفرص المتاحة أو عن التعرض للعنف والتحرش وسيادة النظرة للمرأة بوصفها مصدرا للذة وأداة للغواية، توضح بجلاء أنها تظل دائماً فى مرتبة أدنى من الرجل مهما حققت من الإنجازات، ثم ينتقل من ذلك إلى العنف والمجتمع، ليستعرض الأصول الأركيولوجية للعنف «وها نحن ثانية أمام تأثير واضح جداً لميشيل فوكو» ثم آليات ضبط العنف، ثم يخلص من كل ذلك إلى فصل عنوانه كان يصلح أن يكون عنواناً بديلاً للكتاب أيضاً، إذ عنونه بـ« من التعايش السلمى والتكيف إلى التمكين والثورة»، ومن منظورى إذا ما اعتبرنا كل الفصول التى سبقت تمهيداً أصيلاً لهذا الفصل الذى يحاول أن يتأمل على نحو جذرى وعميق مسببات وكيفيات ومحكات ثورة 25 يناير، وبشكل علمى اجتماعى بعيد عن الأحاديث الحماسية فإن ذلك يبدو صواباً بالنسبة لي.
إن أهم القواعد التى يرسيها المؤلف فى كتابه هذا أنه لكى يمكننا فعلاً الانطلاق نحو المستقبل علينا أن نحفر عميقاً فى الماضي، نحفر بفهم ووعى وعقلانية وباستخدام أسس علمية، وعلينا أن نضع كافة المسلَّمَات التقليديةِ- وعلى رأسها مُسلّمةُ الشخصية الوطنية والوحدة الجغرافية والإقليمية- موضع التساؤل، ليس من أجل تمزيق هذه الوحدة أو التقليل من دورها، وإنما من أجل تبيان ثرائها الذى قد غفلنا عنه، وبيان تنوعها الهائل، وتعدديتها الضخمة، فاختزال كامل الشخصية المصرية تحت ركام شخصية واحدة يغفل ما لدينا من إمكانات هائلة يمكن أن نستفيد منها فى تحقيق بناء المستقبل، إن المعرفة والتبصر بالوقائع فى نصابها الواعى والأساسى هى ما يمكنها تحقيق انطلاقة مبنية على أسس علمية للمستقبل، ربما يمكن لنا أن نختلف معه فى نظرته بشأن الشخصية القومية، لكن سيبقى علينا أن نخوض مع سجالاته العلمية وتحليلاته الدقيقة بكل التفاصيل الهائلة التى يقدمها لنخرج منها برؤية تتفق أو تختلف معه، لذا فإن عمله يصنف من الأعمال الفكرية الكبيرة العَميقة والمؤسِّسة، والتى تحتاج إلى تعمقٍ وتدقيقٍ فى القراءةِ والتناول.
• شاعر وأكاديمى مصرى مقيم فى الخارج
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







