تلك العفوية التى تصنع عالمنا أحيانًا

حجاج أدول
حجاج أدول


أميمة عبد الشافي

أبوقير، مدرسة ابتدائية أزهرية مشتركة كائنة أمام سور محطة القطار، الأمور هادئة وعادية مع بداية العام المدرسى 1988- 1989، حدث واحد جديد؛ وافدة من مدرسة فى العطارين تنضم إلى فصلنا المشترك. هيئة غير اعتيادية لطفلة ذات ملامح نوبية وضفائر متعددة وتوك ملونة، تطلب منى المدرسة أن تجلس الوافدة بجوارى فيحدث. وتنفتح أمامى فرص لاكتشافات كثيرة ومبكرة جدًا، سيشكل أحدها لاحقًا مدخل علاقتى ب الأديب النوبى السكندرى حجاج أدول.

ما زلتُ أذكر غلاف «ليالى المسك العتيقة»، الكتاب الذى أعارته لى صديقتى عندما وصلنا للمرحلة الإعدادية، كتاب حصل على جائزة الدولة التشجيعية، وانبهرت تمامًا أن تعرف واحدة منا كاتبًا يتصدر اسمه غلاف كتاب، ويحصل على الجوائز أيضًا!

كانت الدراسة فى الأزهر تكرس لعقولنا الصغيرة أن زمان الإبداع والتفوق قد فاتنا، توقفت الحياة عن الإنتاج والإضافة عندما انتهى عصر العظماء. حتى الأدب ودراسته توقفت مع انقضاء مدارس الإحيائيين فى 1932 بوفاة أبرز شعرائها. ولم يعترف الأدب الأزهرى لا بالرومانسيين ولا الواقعيين ولن نتكلم عن الشعر الحر ومن بعده النثر طبعًا، ناهيك عن الكلام عن السرد بأشكاله الحديثة!

تلقائية غيرت شكل المدينة
أن تكتب بتلقائية وعن حياة حقيقية، ألا تتبنى هوية عربية وقومية عامة تخص كل ناطقى العربية الفصيحة، كان هذا شكلًا من الكتابة استغربته ووقعت فى هواه عندما قرأت «ليالى المسك العتيقة» فى عمر الثانية عشرة أو الحادية عشرة ربما، لست أذكر التاريخ الدقيق. لكننى أعرف أننى لم أنتبه إلى أهمية هذه التلقائية إلا بعد سنوات عندما تحولت علاقتى بحجاج حسن أدول من اسم على غلاف المجموعة القصصية، ومن بعدها رواية «الكشـِّر» إلى علاقة إنسانية حقيقية؛ عرفته وتصافحنا، دخلت بيته وأكلت من طعامه وجلست على كراسى بيته هو وزوجته، وتبادلنا الكلام والحكايات والنكات. كنتُ واحدة من كثيرين مروا بهذا البيت، والذى يتغير مكانه لكنه يظل البيت نفسه لأنه فعليًا يتكون من هدى وحجاج أدول؛ ليس من المنطقة ولا شكل الحوائط.

شغلتنى التلقائية وتساءلت أكثر بخصوصها بعدما أخذتنى الحياة من الكتابة أيضًا، ووضعتنى فى أدوار أخرى منها الفعل الثقافي، وأيضًا هناك استطعت تمييز إيجابيات هذه التلقائية على ما اختبرناه فى تسعينات القرن الماضى وعلى مدار نصف قرن إلا قليل من الزمن حرك فيها حجاج أدول جزءًا من القشرة المزيفة لغلاف الثقافة فى الإسكندرية، ومد يده بتلقائية وأسرية فى حفرة الكتاب والأدباء الشباب ليترك أثرًا على حركتهم غيـَّر شكل المدينة حسبما أراها من موقعى الآن.

حتى مساره فى الكتابة، والذى بدأه متأخرًا فى أربعينياته وبدا لى كشابة عشرينية ساعتها يطمح فيه إلى ما يطمح إليه الفنانون فى كل مكان، الانتشار والشهرة وربما نوبل. لكننى حين أعيد تقييم ذلك لاحقًا أراه مسارًا مخلصًا للتلقائية والكتابة أكثر من أى شيء آخر. يظهر لى السعى إلى النشر والقاهرة ومنح التفرغ والجوائز كان فقط لتحقيق حياة عادية؛ كى لا يضطر حجاج للعودة إلى وظيفة حكومية مثلًا ليطبع رواياته.

بدأت تجربة الكتابة عند أدول من القص والمسرح؛ ولم تبدأ من الشعر كمقدمة كلاسيكية لاستخدام اللغة كما يحدث عادة، سنلاحظ أن تجربة حجاج الأدبية لم تكن اللغة بطلتها أبدًا؛ بل السرد، الحكى والتدفق هم أبطال الكتابة والتجربة عند حجاج، ربما يلاحظ ناقد حاذق أن هذا الإهمال غير المتعمد للغة الفصحى التى يستخدمها حجاج بشكل أساسى جاءت لاهتمامه بمزج الكتابة بالثقافة النوبية والهوية السكندرية اللتان تشكلان فى ظنى مناطق ارتكازه الأساسية. لكننى سأدعى بجرأة أن التلقائية فى عرض تجربته الإنسانية الخاصة وبناء مشروع الكتابة عليها هو العامل الأهم الذى يجب ملاحظته فى هذا المشروع الذى انتقل بعد القص والمسرح إلى الرواية التى بدأت تكبر وتكبر حجمًا، وأخذت تنبش فى التاريخ وتتخلق من جنبات الحكى نفسه، فتفتح حكايات جديدة - أجد هذا بوضوح مثلا فى «معتوق الخير» ثم «خوند حمرا» – ثم تتشعب الكتابة لتنتج كل الأشكال السردية تقريبًا، روايات لليافعين، كتب عن السينما، محكيات روائية متصلة ومنفصلة، وغيرها الكثير.

قبول الجميع كمحرك
لكننى أقف أمام السؤال: كيف خلقت التلقائية حراكًا أدبيًا وثقافيًا فى مدينة رطبة وراكدة؛ مدينة ذات سردية سحرية، لا يقبل مريدوها الحقيقة الكئيبة لكونهم على الهامش، فى إقليم أيضًا ينطبق عليه ما ينطبق على الأقاليم غير أنه ممنوع التصريح بهذا.

بعد أكثر من 20 عامًا على لقاءاتنا الأولى فى بيت حجاج أدول ومقاهى وسط المدينة، سوف نسأل أنفسنا ما الذى يحرك النقاش، وسنجيب فى بساطة عادية إنه التجمع، تلك العزومات المفتوحة التى يمتزج فيها النقد بالمناقشات، تختلط روائح الأكل بالثقافات المتنوعة، تصفُّح المكتبة جزء أصيل من حركة كل فرد فينا بين الصالة وغرفة المكتب. نكتشف أنفسنا ونملأ الفراغ باختلافاتنا بدلًا من الأوكسجين الذى استهلكناه من هواء الشقة.

هذه التجمعات والتى هى ثقافة قبلية وجماعية تنتمى بشدة إلى مجتمعنا الشرقي، الدعوات المفتوحة المملوءة بالطعام والشراب وصنوف الحلويات المنزلية كانت تغييرًا تلقائيًا أضافه حجاج وزوجته على نمط الزيارات العائلية، كانا يبنيان عائلة بديلة وموازية لعائلتهما الأصلية، يخصصون وقتا للأقارب، ووقتًا مضاعفًا للكتاب والفنانين ومحبى الفنون. كثير من هؤلاء لا يهم أن يكونوا مشهورين أو متحققين، بل الأهم دائمًا ان يكونوا شبابًا واعدين، مشتبكين وغاضبين، يملكون آراءً مختلفة؛ صادمة فى الأغلب منها.

وهنا سوف نتعلم ربما أن المحرك الأساسى لأى ركود هو قبول الجميع، فتح المساحة للكل أن يشاركوا، أن يشعروا بالاستقبال والحفاوة. ولا أخلق بهذا تصورًا يوتوبيًا عن هذه الدعوات. بل بالعكس كانت ككل تجمع عائلى تملك أفرادًا مفضلين تراهم فى كل لقاء، وآخرين منبوذين يتم دعوتهم قليلًا بين الحين والآخر. لكنها عكس كل الممارسات المنهجية والمؤسسية التى يمكننا نقدها ببساطة وحِدّة كانت لفتات إنسانية وطبيعية، تأتى تلقائية وعفوية، لا تنتبه للحساسيات أحيانًا، وتفيض بالحساسية أحيانًا أخرى.

هذه الخلطة التى أنقذت حجاج من أن يوصم بأن له شلة ما، أو أنه يحارب على زعامة جيل المثقفين السكندريين، كان هو يرى فيما يفعله تمهيدًا لمسارات الكتابة، ثقافة حية تأتى من معايشة البشر، من الجلوس والحكايات، من المقاهى والناس، تأتى ببساطة من الآخرين.

كما أظن أنه كان ينسج عالمه الخاص واقعيًا أمام زوجته، فهى تقبل بكل هذه المغامرات راضية لكنه دائمًا ما يبدو وكأنه يحتل جزءًا من عالمها أيضًا بربطها إنسانيًا بكل هؤلاء الضيوف، والذين تتقاطع عوالمهم مع الكتابة والفن أيضا، فيشعر -ربما- بأنها قد اقتنعت بما يفعله أخيرًا وليست المحبة فقط هى ما يجعلها توافق على شطوطه عن النمط المألوف والسائد.


أظن أن حجاج أدول يدين للتلقائية والبساطة فى مسيرته؛ كما يدين لهدى أدول واحتمالها لعالمه الواقعى الذى أخذ يجرجره معه حتى وصل إلى عامه الثمانين مصرًا على دعوة الأصدقاء – كما يحب حجاج أن يلقبهم – إلى بيتهما. 

نتمنى له عمرًا مديدًا يستكمل فيها التحرك والكتابة بنفس التلقائية مؤكدًا أن الجوزاء برج عفوى واجتماعى يحب الحياة المليئة بالمتعة وثانى أكسيد الكربون، كما سأدين وندين جميعنا ربما لهذه التلقائية والإخلاص لصناعة الكتابة، وتحريك الحياة من حولنا.

وهنا لا أرى فى الفعل الثقافى أجمل ولا أنقى من خلق المساحات للآخرين ليكتشفوا أنفسهم. لم أعد أقلق كثيرًا حيال الموضوعية والعدل؛ أرى أن ما لا نقصده أحيانًا يخلق الكثير؛ تخلق الكتابة الإنسان ويدين العالم للثقافة الجماعية التى فطرنا عليها حتى لا نشعر بالوحدة.