الكتابة كفِعل مقاومة ..رحيل إسماعيل كادريه..صوت ألبانيا

إسماعيل كادريه
إسماعيل كادريه


فى خبر حزين توفى الإثنين الماضى الروائى والشاعر الألبانى إسماعيل كادرية، عن عمرٍ يناهز الثامنة والثمانين فى تيرانا، ألبانيا. قدم كادريه وطنه البلقانى المعزول للعالم ووضعه على خريطة الأدب العالمي، حيث ابتكر أعمالًا سوداوية تنتقد بشكل غير مباشر الدولة الشمولية التى تحكم وطنه.

وخلال مسيرته الأدبية التى امتدت لنصف القرن، ألَّف كادريه عشرات الكتب، منها: روايات ومجموعات شعرية وقصصية ومقالات، وحقق شهرة عالمية عام 1970 حين تُرجمت روايته الأولى «جنرال الجيش الميت» إلى الفرنسية.

وأشاد النقاد الأوروبيون بها ووصفوها بأنها عمل فريد. من أشهر أعماله: «الحصن» (١٩٧٠) «سِجل فى الحصى» (١٩٧١)؛ «الجسر» (١٩٧٨)؛ «ابنة أجاممنون» (١٩٨٥)، وتتمتها، «الخليفة» (٢٠٠٣)؛ و«الحادث» (٢٠١٠).

تُرجمت أعمال كادريه إلى أكثر من أربعين لغة وطُرح اسمه عدة مرات كمرشح بقوة للحصول على جائزة نوبل فى الآداب. فى عام 2005، حصل على جائزة مان بوكر الدولية عند إطلاقها لأول مرة (جائزة بوكر الدولية حاليًا)، لمُجمل إنجازه الأدبي، وكان من بين المتأهلين للقائمة النهائية عمالقة الأدب مثل: ماركيز وفيليب روث.

عند منح الجائزة، وصف جون كارى، الناقد البريطانى ورئيس اللجنة، كادريه بأنه «كاتب عالمى يتبع تقليدًا فى رواية القصص يعود إلى هوميروس»، وكثيراً ما قارنه النقاد بكافكا وكونديرا وأورويل وآخرين. عاش صاحب «قصر الأحلام» العقود الثلاثة الأولى من حياته ككاتب فى ألبانيا المحكومة بقبضة أحد أكثر الديكتاتوريين وحشية فى الكتلة الشرقية، أنور خوجة.

ولحماية نفسه من الاضطهاد فى بلدٍ أُعدِم فيه أكثر من ستة آلاف مُنشق وأُرسِل حوالى مائة وستين ألف ألبانى إلى السجون أو معسكرات العمل، سار كادريه على حبلٍ مشدود عند تناوله للشأن السياسى الداخلى لبلاده، وخدم لاثنى عشر عامًا كنائب فى مجلس الشعب الألباني، وكان عضوًا فى اتحاد الكُتاب الرسمي. مثَلَت روايته، «الشتاء العظيم»، الديكتاتور تمثيلًا إيجابيًا. وذكر قدرى فى وقت لاحق أنه كتبها فعلًا لكسب رضاه.

فى المقابل، هاجمت العديد من أعماله الديكتاتورية بشكل تفكيكي، متجنبة الرقابة من خلال عدسة الرمز والأسطورة والنقد الاجتماعي، كروايته «قصر الأحلام» (1981). ووصفه ريتشارد إيدر لصحيفة نيويورك تايمز فى عام 2002 بأنه «صاحب التطبيق الأدبى الأدق لعلم نفس وتحليل الاستبداد».



وُلد إسماعيل كادريه فى 28 يناير 1936 ببلدة جيروكاستر بجنوب ألبانيا وهى مدينة عثمانية حصينة ليست بعيدة عن الحدود اليونانية، نشأ فى الشارع الذى عاش فيه خوجة قبل جيل واحد. كان والده هاليت كادريه موظفًا حكوميًا ووالدته، هاتيكس دوبي، ربة منزل من عائلة ثرية. حين سيطر شيوعيو خوجة على ألبانيا فى عام 1944، كان إسماعيل فى الثامنة من عمره حين انغمس فى قراءة الأدب العالمي.

يتذكر فى مقابلة أجريت معه عام 1998 مع مجلة باريس ريفيو: «حين بلغتُ سن الحادية عشرة، كنت قد قرأت ماكبث، الذى صدمنى كالبرق، والكلاسيكيات اليونانية، بعدها لم يكن لأى شيء سلطةً على روحي».

انجذب كادريه للشيوعية فى مراهقته، وصف الأمر بأنه «يحمل جانبًا مثاليًا. يجعلك تعتقد بوجاهة بعض جوانب الشيوعية من الناحية النظرية، ثم تكتشف الممارسات الفظيعة». نشر مجموعته الشعرية الأولى وهو فى السابعة عشرة من عمره. وبعد إنهاء دراسته فى جامعة تيرانا، حصل على منحة حكومية لدراسة الأدب فى معهد جوركى للأدب العالمى بموسكو. عاد إلى تيرانا عام 1960 برواية عن طالبين يعيدان تأليف  نص ألبانى مفقود، وعند نشر مقتطف منها فى إحدى المجلات، حُظرت على الفور.

فى عام 1963، بعد عودته من موسكو بنحو عامين، نُشرت رواية «جنرال الجيش الميت» فى ألبانيا. فى الرواية، يعود جنرال إيطالى إلى جبال ألبانيا بعد مرور عشرين عامًا على انتهاء الحرب العالمية الثانية لنبش قبور جنوده وإعادة رفات جثامينهم إلى الوطن؛ إنها حكاية الغرب المتقدم الذى يتطفل على أرض غريبة، يحكمها ناموسٌ أزلى من الأحقاد الدموية.

وأدان النقاد المؤيدون للحكومة الرواية باعتبارها لا قومية ولا تعبر عن الكراهية الكافية للجنرال الإيطالي، وبعيدة كل البعد عن الواقعية الاشتراكية التى يتطلبها نظام خوجة، لكنها منحت كادرية شهرة واسعة على المستوى الوطني. وأشارت مجلة باريس ريفيو إلى أنها أحدثت ضجة كبرى بين الأوساط الأدبية فى باريس عندما نُشرت ترجمتها الفرنسية فى عام 1970.

لفت الظهور المفاجئ لكادريه انتباه الديكتاتور ذاته، ولتهدئة النظام، كتب رواية «الشتاء العظيم» (1977)، وهى رواية تحتفى بانفصال خوجة عن الاتحاد السوفييتى فى عام 1961. وذكر لاحقًا أنه كان أمام ثلاثة خيارات: «التوافق مع معتقداتى الخاصة، وهو ما يعنى الموت؛ الصمت التام، ما يعنى صنفًا آخر من الموت؛ أو دفع إتاوة أو رشوة». وأضاف أنه اختار الحل الثالث بكتابة «الشتاء العظيم».

فى عام 1975، نُفى كادريه إلى قرية نائية ومُنع من النشر لبعض الوقت بسبب قصيدة «الباشاوات الحُمر»، وهى قصيدة تنتقد أعضاء المكتب السياسي. جاء رده بعدها بنشر رواية «قصر الأحلام»، بنقدٍ لاذع للنظام، فى عام 1981.

وتدور أحداث الرواية فى عهد الإمبراطورية العثمانية، وتجسِد بيروقراطية ضخمة مُكرَّسة لجمع أحلام مواطنيها، والبحث عن دلائل الانشقاق. فى مراجعة لها نُشرت فى صحيفة التايمز، وُصفت الرواية بأنها «حكاية عن جنون السلطة – الفتاكة والانتحارية فى الوقت ذاته». حُظرت الرواية فى ألبانيا، لكن بعدما بِيعت جميع نُسخها.

نجاح كادريه فى الخارج منحه بعض الأمان فى الداخل، مع ذلك، قال إنه يعيش بخوفه من النظام الذى يستطيع أن «يقتلنى ثم يدعى أننى انتحرت». ولحماية أعماله من العبث بها فى حال وفاته، هرَّب مخطوطاتها من ألبانيا فى عام 1986، وسلمها لناشره الفرنسي، كلود دوراند، الذى هرَّب بدوره فى أثناء رحلاته الخاصة إلى تيرانا كتابات أخرى.

استمرت لعبة القط والفأر هذه، التى تناوب فيها النظام بين نشر أعمال كادريه وحظرها، بعد وفاة خوجة فى عام 1985، حتى فرَّ كادريه إلى باريس فى عام 1990. بعد انهيار النظام، تعرض كادريه لهجوم من النقاد المناهضين للشيوعية، سواء فى ألبانيا أو فى الغرب، الذين صوروه على أنه نفعى بل ومؤيد نشط للدولة الستالينية.

وفى عام 1997، عندما ورد اسمه ضمن توقعات الفوز بجائزة نوبل، طالب مقال فى صحيفة ويكلى ستاندرد المحافِظة اللجنة بعدم منحه الجائزة لتعاونه «الواعي» مع نظام خوجة.

وبعد انهيار الشيوعية، واصل كادريه تأليف رواياته التى تدور أحداثها فى أجواء تسودها الشكوك والرعب المميزان لفترة حكم خوجة، إلا أنها افتقرت لحضور الألبان ممن يعيشون فى أوروبا القرن الحادى والعشرين ولكنهم ما زالوا مسكونين بأساطير بلادهم.

فى عام 1997، أشاد نويل مالكولم، المؤرخ من جامعة أكسفورد، فى مجلة نيويورك ريفيو أوف بوكس، بثِقَل أجواء روايات كادريه والتوتر الشعرى فى سرده، لكنه انتقد أسلوبه الدفاعى مع النقاد. «إنه يحتج كثيرًا»، محذرًا من أن كتابته الذاتية التى يدافع فيها عن نفسه قد تضُر بسمعته أكثر من هجمات منتقديه. وأن أكثر كتب كادريه حيوية «على مستوى مختلف، وأشد إنسانية وأسطورية، فى الوقت ذاتِه، من كل الأدب الأيديولوجى الذى كتبه».

وفى رد لاذع، أرسله لمجلة نيويورك ريفيو أوف بوكس، اتهم كادريه مالكولم بإبداء غطرسة ثقافية ضد مؤلف من بلد صغير: «إن مهاجمة كاتب بهذه الأريحية لمجرد انتمائه لبلد صغير يكشف عن عقلية استعمارية».

ولتحصين نفسه ضد مثل هذه الانتقادات، على ما يبدو، نشر العديد من كتب السيرة الذاتية فى التسعينيات، أشار فيها إلى أنه قاوم النظام، روحيًا وفنيًا، من خلال أدبه، وصرَّح ذات مرة بأن: «فعل المقاومة الوحيد الممكن ممارسته ضد النظام الستالينى الكلاسيكى هو الكتابة. كلما ألفتُ كتابًا، تولد بداخلى شعور بأننى أغرس خنجرًا فى جحر الديكتاتورية».