فورير

صورة موضوعية
صورة موضوعية


نزار عبد الستار

«مساء الخير.. أنا صابر عفيف.. الفورير السواريه الشنشيلا البيج الذى أهدته السيدة جيهان السادات لجلالة الإمبراطورة سنة 1979 يعود لأمى، مونولوجست كباريه مولان روج فى بغداد: وحيدة جميل». 

هذا كل ما قُلته لسكرتير الشهبانو فرح ديبا بهلوى قبل أن يغلق الهاتف بوجهى فى الثامنةِ مساءً، وتطردنى دار مزادات كريستيز فى التاسعةِ من صباح اليوم التالى.

أجريتُ المكالمة أمس الإثنين من هاتفٍ عمومى بالقرب من سانت جيمس سكوير، وسط لندن، وكنتُ قبلها بأسبوع قد أخبرتُ مديرة المستشارين لافير موريس، بعد اجتماع الساعة العاشرة صباحاً، أننى أملك انفعالاتٍ جارفةً تدفعنى للتصرف بحماقة. أعطتنى نظرةً باردةً فيها ندمٌ وتفكير، ولم تقلْ شيئاً. غادرتُ كريستيز بخطواتٍ رخوة، وقبل متجر تبغ جيمس جى فوكس بمسافةٍ قصيرةٍ خطرَ ببالى إجراء تلك المكالمة الشريرة.

كانت خطّة حثّ زوجة شاه إيران على التنازل عن بعض مقتنياتها الشخصية لمزادٍ خيرى، قد تعثرت بتلوّث الجراح، لذلك أخبرتُ السكرتير بالحقيقة كى تتخلى الشهبانو فرح ديبا عن فورير أمى الشنشيلا، ولا تتمسك برماد أيامها البهلويّة، ولكنّى لم أتوقعْ أن يشوا بى، بهذه السرعة، عند مالك دار كريستيز فرانسوا بينو، وتنهار سمعتى الفنية اليوم الثلاثاء 15 سبتمبر 2015.



قضيت ربع ساعةٍ فى الحديقة، أتأمل كبرياء الملك ويليام الثالث البرونزى، وهو على حصانه الرشيق. وخزتنى ثقوب عملية المرارة، وشعرتُ بقدمى اليسرى تنتفخ. اعتقدتُ أننى إذا سبقتُ سقوط المطر، وقطعت المسافة القصيرة إلى 8 شارع كينغ، فسأتجنّب إحراج عدم حملى مظلة.

وصلتُ مبللاً. اتصلوا بى هاتفياً ما إن ظهرتُ لهم فى الكاميرا، وطلبوا تأخير دخولى المبنى خمس دقائق بحجة انشغال مديرتى لافير موريس. رجل التشريفات العجوز الذى أغلق بوقفته الطريق إلى الباب الزجاجى يرتدى بدلةً رماديةً بياقةٍ أرجوانية، وربطة عنقٍ باللون نفسه. أزرار جاكيته فضيةٌ لامعة، مع قبّعة طيارين أصغر من قياس رأسه، ويضع يديه فى قفازين أبيضين، وعندما سألته «كيف حالك بول؟» بقى متصلّباً ولم يردْ على الذبابة التى كلّمتهُ.

علينا، نحن الذين نتاجر فى الأعمال الفنية التى يقل سعرها عن 100 ألف باوند، تقبّل سفالة السكرتاريات، وعدم التأثر إذا ما أغلق أحدهم الهاتف بوجوهنا، أو بصق بين أعيننا، ولأن ملابسنا رثةٌ على الدوام، وملامحنا كالحةٌ كوجوه عصابات الكوكايين الألبانية، لهذا أنا طفيلى بالنسبة لدار كريستيز، ووضيعٌ بنظر مدراء معارض تيت.

فى الأوقات الحرجة تدفع دار كريستيز مستخدميها غير الإنكليز لتبليغنا بالقرارات المؤلمة. لأننى مبلّلٌ بالمطر، أرجعنى بول بإشارةٍ من يده إلى الخلف كيلا أؤثر على برستيج وقفته.

رفعت رأسى متأملاً علم كريستيز الأحمر المتدلّى من ساريةِ بيضاء مائلة، والمشدود بحبلٍ من زاويته حتى يبقى مفروداً، وبلا رفرفةٍ تلفّه على نفسه. علمٌ كبيرٌ على ضلعه العريض العلوى كُتب اسم كريستيز بحروفٍ بيضاء وتحته طبعةٌ رماديةٌ مموهةٌ لرأس المؤسس الأول السيد جيمس كريستى. المبنى من خمسة طوابقٍ على الطراز الجورجى. أحبّ النوافذ الكثيرة والأفاريز التى تقدّس أمجاد الآلهة. لم يشفقْ بول على وقتى الفائض، وبقى يمدُّ بصره باستقامةٍ وهو فى المنتصف على أعلى الدرجات الثلاث التى تنزل إلى عامودين مضلّعين يحملان قوساً غير مكتملٍ تعترضه فى المنتصف بيضةٌ حجريةٌ مكللةٌ بنحتٍ عشبى.

فى سانت جيمس يوجد كل ما تعتزّ به لندن. بعد 23 سنة قضيتها تاجر أعمالٍ فنية، ووكيلاً لأجيالٍ من الرسامين المُخنّثين، جمعت أربعة ملايين باوند. أحبُّ نطقَ هذا الرقم بفخامة. وصلنى صباح الأمس إشعارٌ وتهنئةٌ من مدير بنك لويدز بعد إيداعى خمسة آلاف باوند. رصيدى فى البنك لا يتيح لى دخول مبنى كريستيز وأنا مُبلّل، ولكنه يقوّى أملى فى استعادة فورير أمى وحيدة جميل إذا ما عُرض للبيع فى المزاد الخيرى.

أعطيتُ ظهرى لبول، وتظاهرت بأننى نبتةُ زينةٍ سعيدةٍ بالمطر. أرصفة شارع كينغ لها رائحة بلّورات السكّر الأبيض، وفيها مَيَلانٌ طفيف. سيلين تنصحنى دائماً بشراء حذاءٍ من تشينى وتقول إنه أمينٌ مع الذين يكلّمون أنفسهم أثناء المشى. تعجبنى ماركة لوك. فى كلّ مرةٍ أكرّر لها هذا.

طقس لندن كوجه السكرتير الشبيه بتيسٍ من سلالة الأنجلونوبيان، يتأثر بمزاج المحيط الأطلسى، لذلك يجب أن يكون حذائى جيداً إذا ما أردت إعفاء نفسى من حمل مظلّة.

أحبُّ سيلين لأنها مكتفيةٌ بمعارفها وفهمها. لا تتقبل أى تعديلٍ على حياتها اليومية. ترى التقدم العلمى والتقنى ابتزازاً، وسرقة أموال، ومؤامرةً ضد الطبقة الوسطى، وتعتقد أن الربَّ قدّم كلّ ما فى وسعه حين جعل لها دخلاً ثابتاً، لذلك عليها العمل بلا تحسّبات مرهقة.

حين درستُ الفن التشكيلى فى كلية كامبرويل علّمونا أن الرسم يساعد على إدراك علوم الحياة، لكنّ سيلين تعتقد أنّ تنظيف غرف الأوتيلات يهب الحكمة، وينجّى من الطمع. عملنا معاً فى شركة ويست غيت فى بروملى. أخذونا فى التوقيت نفسه إلى أوتيل ذا لانغهام فى شارع ريغينت. حصل ذلك فى سنة 1992.

كنتُ وقتها قد دفنتُ خالتى بدرية ببيروت وعدت إلى لندن. أنفقت كلّ مدخراتى على الذكريات، وموجوعٌ من مصير أمى الخائبة، ولا أملَ لى فى استعادة نفسى. لأننى أكبرُ من سيلين كان أجرى فى الساعة 6.53 باوند، لذلك استطعتُ دعوتها لشرب البيرة بعد الساعة الخامسة مساءً. فى ذلك الأوتيل عرفنا أن الأحذية ليست كما كنا نظن مطلقاً. سيلين تمتلك قوام أمى وتشبهها من الخلف، وما تزال كذلك حتى وهى بسن 46، تسمعنى جيداً، لكن من أنفها، وتتعامل مع كلماتى على أنها فقاعاتٌ ترتفع من حنجرتى وتنفجر فى فمى. حياتها سهلةٌ مثل إعلانٍ لمعجون أسنانٍ لا يحتاج سوى ضحكة. ولأنها لا تؤمن بوجود زيفٍ فى تحركاتها المنبسطة، فهى تثق بصلاحيتى للحب، وترانى مفيداً كشرب الحليب.

خمس سنواتٍ مضت وأنا أخطّط لاسترجاع فورير أمى السواريه. السكرتير الحقير استهان بسرّى، وأغلق الهاتف بوجهى. حين عملتُ بسوق السجاد فى الشورجة ببغداد، وأنا بعمر 12 سنة، كنت أسمعهم يقولون «سنشترى منك السجادة إن أردت بيعها». هذه عبارةٌ ذهبية، وجدتها رائجةً فى لندن لكن بعاطفةٍ واقعية. دور كريستيز، وسوذبى، وبونهامز، يعملون بهذا المبدأ أيضاً، لكن بثقةِ أشد، وبمكاسب أعلى، فنسبة 17% ستكون رائعةً إذا نزلت مطرقة الأوكشنر عند مليون باوند.

لقد انتظرتُ حتى تتقدم دار كريستيز فى المفاوضات إلى الحدّ الذى لا تستطيع بعده الشهبانو فرح التراجع عن اتفاق التبرع للمزاد، ولكن مديرتى لافير موريس صدمتنى صباح الخميس الماضى فى اجتماع الساعة العاشرة، فبعد حديثى لثلاث دقائقٍ عن استعدادات الدار لإقامة المزاد الخيرى فى كريستيز دبى، قالت بخبثٍ جارح «يبدو يا سيد عفيف أنك لا تعلم أن سكرتير الشهبانو أبلغنا بعدم رغبة الإمبراطورة المشاركة فى المزاد الخيرى، وإنها لن تتخلّى عن الفورير الشنشيلا البيج الذى أهدته إليها السيدة جيهان السادات». قلت لها ونحن نغادر قاعة الاجتماع إننى أملك انفعالاتٍ جارفةً تدفعنى للتصرف بحماقة. كنتُ أتقطّر حزناً على أمى بينما قلب لافير خراءٌ متحجّر.

رغبتُ بتهديد ذلك الجرذ وإخباره أننى دفعت 25 ألف باوند من أجل نشر أخبارٍ فى الصحافة، وتضخيمها إلى درجةٍ لزجة، وأن الشهبانو لن تكون بمنأى عن أساليبى الخسيسة. هى تعرف الآن أن الفورير الشنشيلا يعود لمونولوجست كانت تعمل بكباريه مولان روج فى بغداد، فإما أن تعيده إلىَّ، أو ترجع عن قرارها وتتبرّع به ليُباع فى مزاد كريستيز دبى. كرّرت الاتصال بالسكرتير القذر بعد أن سخن وجهى، وتفاعلت الإهانة مع أيونات دمى، لكنهم أخبرونى فى أوتيل كيمبتون فيتزورى أن ابن العاهرة غادر تواً.

فى دار كريستيز، بدءاً من موزّع البريد، وانتهاءً بالأوكشنر لديهم اعتقاداتٌ موحدةٌ يصعب اختراقها. لا يمكن لأحدهم مجاملتى «صدريتك المنقوشة جميلة يا سيد عفيف». أظنهم يتلقّون صباحاً تعليماتٍ يوميةً تنظّم مواقفهم العاطفية. الآن كلهم يروننى كاذباً، وتصرّفت بطيشٍ مع سكرتير الشهبانو، وكأننى تاجر أنتيك فى سوق بورتوبيللو. حتى تنتبه دار كريستيز لشطارتى كان على أن أكون مفيداً لبونهامز.

منذ الثورة الفرنسية والمزادات تعيش على انكسارات الطبقة الأرستقراطية. حصلتُ من سياسى غواتيمالى لجأ إلى لندن هرباً من الحرب الأهلية على وكالةٍ لبيع تسعة تماثيل بحجم الكف من حضارة المايا لكهنةٍ ينتمون إلى أسرةٍ واحدة. بونهامز التقطتنى ما إن تركتُ العمل فى التنظيف مع شركة ويست غيت، واشتغلت لصالح الإيطالى سانتينو. كلّ لندن تعرف أن انتهاء الحرب الأهلية الجواتيمالية سيعنى الكثير لكننى خشيتُ التورط بالآثار كى لا توقعنى فى مساءلاتٍ قانونيةٍ لاحقة، فاكتفيتُ بالتوسط لقاءَ عمولاتٍ بسيطة.

الندم، فى عملنا، يعلق بالكبد مثل صمغ. لو أننى تعمّقتُ أكثر مع بونهامز لحصلت على قروضٍ من آرت كابيتال لشراء الأعمال الفنية، ولكانت دار كريستيز استقبلتنى بترحابٍ حتى لو كنتُ بلا مظلّة. أحبّ التوقف والاختباء، لذلك المطر ليس سيئاً كما يعتقد أصحاب المظلات. لدى العديد من المعارف فى غرين لاينز، وغولدز غرين، لهذا كسبت الكثير من الدعم عندما التزمت بما أجمع عليه تجار الفن فى لندن. إنه درس الألوان البرية يا كريستيز، وهزيمة التقاليد المتعالية.

فى سنة 2000 كان على اللوحات التى ترسم الخذلان البشرى، وتعبّر عن القتل والتشوّهات الجسدية، وتستعمل اللون الأسود والأحمر أن تكون مرغوبةً. هكذا قرّر الجميع. اشتريتُ أعمالاً من فنزويليين، ومكسيكيين، وكوبيين، وانتظرت 16 شهراً كى أظهر بها. صار اسمى بعلو برج نات ويست لأننى تجرأت وسرقت قطعة الجبن من مصيدة الإسبان والإيطاليين، وجعلت كريستيز تخلع نظّارتها الشمسية. لافير موريس ترانى أسوأ ما مرّ بها فى تلك السنة. كلّ ما فى الأمر إن الحظ يسير معى على الرصيف المقابل، ويرفع لى يده قائلاً: .Hello  

مديرتى الفرنسية تتملّكها هزّات حقد، ويتصاعد البخار من زاويتى عينيها لأننى أنال تطلعاتى دون التقيّد بالأعراف. بول البواب هو الآخر يكرهنى. تجّار غولدز غرين وفّروا لى الحماية، مقابل المبالغة فى الميل للرسامين الأميركان، ولكنهم رفضوا مساعدتى فى الترويج لفنانى أوروبا الشرقية إلاّ بعد دوران الأرض لسنواتٍ طويلة.

الإنكليز لديهم استعداداتٌ جينيةٌ لتحويل القضايا المصيرية إلى تفاصيل تافهة. يعشقون الكلمات السلسة، لكنهم يريدون من الذى يستمعون إليه أن يكون مسلّياً، ولذيذاً مثل حلوى الخنادق. لو أننى حدّثتهم عن فورير أمى لنظروا إلىَّ طويلاً وقال أحدهم بملل: «من فضلك سيد عفيف.. ما علاقتنا بهذه القصة، ولماذا أنت مهتم بإخبارنا إلى هذا القدر؟». عندما يكون العالم هادئاً، ومسالماً، وأمواله كثيرة يكون لزاماً إحداث انقلابٍ فى الذوق والرؤية الفنية. تموت مواهب ويظهر صابر عفيف. أعتقد أن المكالمة الهاتفية التى أجريتها مع السكرتير اللعين ستجعلنى لا أمزج اللون الأحمر مع الأبيض أبداً.

كانت تقضى ربع يومها بمواجهة المرآة. تضع الفورير الشنشيلا على كتفيها وهى بالأندروير بينما أنا أقف خلفها منتصباً كمسمار، متأملاً جمال ساقيها، ومأخوذاً بهلال إلبتها عند مطلع الفخذ، وبغمازتى باطن الركبة اللتين تشبهان طبعة التقعّر فى جبنة الشيدر المطبوخة التى تظهر عند فتح غطاء العلبة المعدنية. سيلين تجعلنى أقلق من انطفاءات الهوس فيها. هى امرأةٌ لا تتقبل التعديل، ولا يمكن التخلى عن شىءٍ منها. أفادنى تماسكنا العاطفى فى مواجهة أصلب الرؤوس، وبيع اللوحات لميكانيكيين، ولرابطة مديرى خدمات الجنازات. الحبُّ هو المعاهدة الوحيدة التى لا تحتاج إلى توثيق بيانات.

سيلين مثل أمى وحيدة جميل تمتلك قدمين صغيرتين تتميزان بوترى أخيل بديعين ونادرين. على الأمهات أن يمتن وهنّ يافعات. الموت الطبيعى للأم يجب أن يحدث قبل أن يتكوّن المنى فى خصيتى الابن.

استدرتُ كالحمقى الذين يعتقدون أنهم غير مرئيين. كثيراً ما تنجح خدعةٌ كهذه فى الحصول على قليلٍ من الرحمة، لكن حتى لو أوحى شكلى البائس، للذى سيقابلنى، بأنى مستعدٌّ للندم، إلا أن ذلك لن يغيّر نهايتى، فدار كريستيز شرسة جداً مع الخطأ، ولن تهمّها خدماتى الوفيّة التى قدمتها طوال 15 سنة. تقدمتُ خطوةً متطلعاً إلى إفريز وجوه آلهة الإغريق السبعة الذين يتوزعون أعلى أطر النوافذ على اليمين واليسار وفوق الباب.


أنا متذمّرٌ مثل قطّ شوارع. ضيق خلقى سببه نقص المغنيسيوم. أتشنّج سريعاً وأتورّط بأفعالٍ حمقاء بدل التعكّز بمظلة. عمرى 65 سنة. لا فائدة من الاتكال على الوقار للنجاة من الرثاء. هناك طرقٌ عدة لتغطية العيوب وممارسة الاحتيال، لهذا نحن لا نتشابه فى سوق الفن. كثيراً ما يكررون طلبهم منا، نحن كبار السن، أن يكون مظهرنا متكافئاً مع التقاليد العريقة لدار مزادات كريستيز. لا أملك رقبةً طويلةً لذلك لا خيار أمامى سوى البشاشة. صدريتى المُطرّزة لا تعجبهم، وكذلك قبعتى الفيدورا المُسطحة من الأعلى، ومعطفى البوليستر الأسود الذى كنت أظنّه يجعلنى محترماً كمحققى سكوتلاند يارد.

مديرتى لافير موريس ترى أنه يظهرنى متورطاً بشىءٍ ما وأشبهُ جاك السفاح. نحن فى العادة لا نغيّر تصاميم ملابسنا. يمكن تمييزنا بسهولة فى الشوارع المزدحمة، وفى محطات القطارات. عندما أكون بين الناس فإن أحدهم سيصرخ: «هذا هو صابر عفيف» حتى لو كنت أجلس فى ملعب ويمبلى وبجوارى 82 ألف متفرج. الأناقة لا تفيدنى، لأنها لا تجعلنى أشترى اللوحات بسعرٍ وضيع، ولا أبيعها بربحٍ معقول. حين أتكلّم يقلقون على وقت الاجتماع، ويسكتونى بعبارة «من فضلك سيد عفيف.. لا أحد منا يملك حظك الحسن». مهذّبون جداً فى الإهانات. هم يترقبون منى العثور بالمصادفة على كنزٍ ما، وإذا بقيتُ لأسبوعِ غير قادرِ على شدّ انتباههم يجاملوننى فى السؤال عن تقلّبات الذوق الفنى خارج شارع بول مول.

قبل التاسعة بدقيقتين، خرج رجلٌ أسمر، يبدأ شعره من قمة رأسه. وقف بجوار بول ثم نزل درجةً ممسكاً بالدرابزين الخشبى. حيّانى بلهجةٍ مصريةٍ مكتئبة، وقال إن فاكساً من السيد فرانسوا هنرى بينو وصل الآنسة لافير موريس يقضى، من اليوم، بعدم إشراكى فى اجتماع الساعة العاشرة صباحاً، وإننى، من الآن، شخصٌ غير مرغوبٍ بتواجده فى المزادات، وإن دار كريستيز تخلّت عن خدماتى بكلّ ما يخصّ الشهبانو فرح ديبا بهلوى. وحتى لا يوجعه ضميره إذا ما وقعتُ مشلولاً من شدّة المصيبة، قال لى بوجهٍ شمعى:

ـ سيد عفيف.. ما كان عليك إجراء تلك المكالمة.

نظرتُ فى عينيه، وقلت بفكٍ مرتجف:
وما كان على مريم فخر الدين بعد أن غنّى لها عبد الحليم حافظ بتلومونى ليه فى فيلم «حكاية حب»، أن تركب سيارتها وتخرج من ستوديو مصر وعلى كتفيها فورير أمى وحيدة جميل.
ـــــــــــــــــــــــ
فصل من رواية بعنوان «فورير» تصدر قريباً فى بيروت عن دار هاشيت أنطوان