الرمال غطت ١٤ سفينة «محجوزة» داخل المجرى بعد الحرب.. وركابها أقاموا مجتمعا داخليا 8 سنوات

7 سنوات إعـجاز| حكاية الأسطول الأصفر داخل القناة

السلطات المصرية سمحت بإقامة كنيسة على إحدى السفن وقاعة سينما وملعب كرة
السلطات المصرية سمحت بإقامة كنيسة على إحدى السفن وقاعة سينما وملعب كرة
Advertisements

أنقذوا 200 جندى مصرى مصابين أثناء عودتهم من سيناء.. وقدموا لهم العلاج والطعام

السلطات المصرية سمحت بإقامة كنيسة على إحدى السفن وقاعة سينما وملعب كرة

 

فى مارس قبل الماضى توقفت حركة الملاحة فى قناة السويس 6 أيام بسبب تعطل سفينة إيفرجيفن وأصيبت موانئ أوروبا بالشلل، وتكدست مئات السفن أمام المدخل الجنوبى فى السويس وعلى مرمى بصر أهل بورسعيد، تنتظر العبور، وظن الكثيرون أنها المدة الأطول التى تتوقف فيها القناة، ولكن لم يعلموا بأمر الجمهورية الصفراء، وحكاية التوقف الأطول فى تاريخ قناة السويس وقصة 14 سفينة بقيت فى البحيرات المرة الكبرى 8 سنوات من 1967 وحتى إعادة فتح القناة للملاحة فى 5 يونيو 1975 عقب حرب أكتوبر..

«الأخبار» فى هذا التحقيق تنشر حكاية الجمهورية الصفراء داخل قناة السويس والمدة الأطول لتوقف السفن فى القناة.

فجر 5 يونيو 1967 تحركت قافلة السفن القادمة من الجنوب لتعبر قناة السويس، بينما رست سفن أخرى فى منطقة البحيراتالمرة قادمة من أوروبا، لحين عبور القافلة الأخرى، ومع قرب وصول سفن الجنوب للبحيرة المرة تحركت طائرات العدو الإسرائيلى لتوجيه ضربة لقواعد ومطارات الجيش المصرى فى سيناء ومدن القناة لتبدأ نكبة 5 يونيو أو حرب الأيام الستة وتحتل إسرائيل سيناء.

كان التصعيد بين مصر وإسرائيل قد وصل لأقصاه، مما جعل بعض قباطين السفن قبل دخول البحر الأحمر يفكرون جديا فى تغيير مسار الرحلة والالتفاف حول أفريقيا، لكن تصريحات من الجانبين بثتها موجات الإذاعات العالمية حملت رسالة طمأنة، زاد من ثقتهم بها طول المسافة واقتصاديات تشغيل الرحلة إذا ما قرروا الإبحار فى طريق رأس الرجاء الصالح.

مع وقع صوت الانفجارات ظن أطقم السفن وركابها أن الأمر لا يعدو تدريبات للجيش المصرى فى سيناء، لكن عبور الطائرات فوقهم بمستوى منخفض وتلاحق صوت الانفجارات وأعمدة الدخان الضخمة المتصاعدة من عمق سيناء والضفة الغربية كشف بوضوح عن المشهد، بدأت الحرب وما يخشونه وجعل بعضهم يتردد فى عبور القناة وتفضيل طريق رأس الرجاء الصالح قد حدث.

سارعت هيئة قناة السويس بتحريك وقطر سفن الركاب وناقلات النفط وإخراجها من منطقة البحيرات والمجرى الملاحى للقناة حتى لا تتعرض للقصف الإسرائيلى، ولتلك السفن الأولوية يتبعها سفن الشحن التى تحمل عددا أقل من الأطقم وبضائع أقل خطورة، لكن بسبب القصف المستمر أصيبت بعض القطع البحرية والعائمات وبدأت فى غلق المجرى الملاحى من الاتجاهين.

15 سفينة

يقول المهندس وائل قدور الخبير الملاحى وعضو مجلس إدارة هيئة قناة السويس الأسبق، إن 15 سفينة بقيت موجودة فى القناة 14 منها فى منطقة البحيرة المرة أكبر البحيرات فى قناة السويس، وواحدة كانت ببحيرة التمساح ولم تصل للبحيرات المرة، وبسبب القصف المتواصل غرقت بعض قطع الهيئة مثل الكراكة كاسر التى كانت بمواجهة النادى الاجتماعى المطل على القناة فى مدينة السويس، وتعيق الحركة فى تلك المنطقة بالقطاع الجنوبى.

وأضاف المهندس وائل قدور أن الرئيس جمال عبد الناصر قرر غلق المجرى الملاحى بشكل تام حتى لا تسيطر عليه قوات العدو، وكانت خطة الغلق معدة مسبقا مثلما جرى تنفيذها عقب العدوان الثلاثى 1956 حينها جرى إغراق السفينتين النيل وسوريا فى المدخل الجنوبى والشمالى لمنع دخول أى قوات وإجهاض أى محاولة للسيطرة على القناة.

8 دول

وفقا للسجلات التاريخية وما رصده المعاصرون لتلك الفترة فإن السفن المحتجزة بالبحيرة المرة هى: 14 سفينة تتبع 8 دول، هى: «جاكرتا وبوليسلوف بيروت» تحملان الجنسية البولندية وترفعان علمها، و»أفريكان جلين» أمريكية، و»بورت إنفركارجيل وميلامبس وأجابنور سكوتش ستار» سفن بريطانية، و»كيلارا ونيبون» ترفعان علم السويد، و»مونستيرلاند ونوردويند» سفن ألمانية وترفع علمها، وسفينة «سيند» الفرنسية، و»فاسيل ليفسكى» بلغارية وسفينة «لدنيتسا» التشيكسلوفاكية، بينما السفينة الصغيرة رقم 15 والمحتجزة ببحيرة التمساح فكانت « أوبزرفر» أمريكية وعلى متنها القبطان ومساعده فقط.

لم يختلف المشهد فى منطقة انتظار السفن العالقة، حين شاهد أطقم السفن الجنود على الضفة الشرقية للقناة، وهم يحاولون السباحة وعبور البحيرة الأكبر والتى يتجاوز عرضها 10 كيلو مترات، تدخلوا وانزلوا القوارب واللنشات الصغيرة الملحقة بالسفن وساعدوا الجنود وقدموا لهم الطعام والعلاج ونقلوهم إلى الضفة الغربية للقناة عند مدينة الإسماعيلية.
الإنسانية تنتصر

ويقول الدكتور محمد التهامى الباحث بجامعة قناة السويس: إن التعليمات كانت بالتزام الصمت طوال أيام الحرب، وعدم التواصل عبر الراديو فيما بين السفن، إلا أنهم خالفوا ذلك وتعاونوا وقدموا مشهدا متحضرا يجسد معنى عظيما للإنسانية.

وتابع: أن اطقم السفن التى تحمل جنسيات وأعلام 8 دول مختلفة بعضها ينتمى للاتحاد السوفيتى والمعسكر الشرقى وأخرى تنتمى للمعسكر الأمريكى وذلك فى أتون الحرب الباردة والحرب بالوكالة الجارية على أرض دولة فيتنام، أكد على فكرة التعايش السلمى فى ظل وجود جنسيات مختلفة كانت بعضها تتقاتل قبل عقدين.

السماح بالتجول

وأضاف الدكتور محمد التهامى، أن اطقم السفن أنقذت ما يقرب من 200 جندى مصرى عائدين من سيناء، ذلك الموقف جعل منهم خصما غير مباشر للعدو، لكن الأثر الإيجابى كان فى تغيير نظرة وتعامل السلطات المصرية معهم، وبدأت السلطات تستمع لمطالبهم وتستجيب لها، وكان من بينها طلب السماح لهم بتحويل عنبر إحدى السفن لكنيسة وأداء الصلاة عليها.

كان ذلك المطلب مجرد غطاء دينى يسمح لهم بالتحرك بين السفن والتجمع، حتى ذلك الوقت كان أكثر البحارة تشاؤما يظن أن بقاءهم لن يتجاوز شهورا، القصف الجوى انتهى والسفن والقطع الغارقة سترفع وتعود حركة الملاحة للقناة ويغادرون لكنهم لم يعلموا أنهم سيحضرون حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر من قلب المانع المائى الفاصل بين الجانبين.

واستطرد تهامى: لاحقا سمحت السلطات المصرية بتخصيص سفينة كقاعة سينما، وأخرى ملعب كرة قدم، للترفيه عنهم، كان الأطقم يتبادلون الزيارات على متن السفن يمارسون الألعاب ويقضون وقتا معا غير مهتمين بما يدور فى أروقة الحكم فى بلادهم والصراعات المستمرة فى خضم الحرب الباردة.

تبدل الأطقم

ويروى الدكتور التهامى: أنه بعد 6 أشهر سمحت السلطات المصرية للأطقم بالمغادرة وترك السفن فى موقعها كما هى، على أن يحل مكانهم أطقم أخرى رغبة من ملاك السفن للحفاظ على عملية التشغيل وضمان استمرار عمل المحركات والوحدات حفاظا على السفن وحمولتها من البضائع.

فى ذلك الوقت غادر بعض الأطقم عائدين إلى بلادهم فى أوروبا، ثم عادوا مرة أخرى للسفن بعد 6 أشهر وهم يعلمون أنهم لن يغادروا إلا بعد نفس المدة.
الأسطول الأصفر

تقع منطقة البحيرات فى منطقة صحراوية، جرى حفرها عام 1955، كانت بمثابة توسيع جديد للقناة يضم عدة تفريعات تسمح بانتظار عدد أكبر من السفن مما كانت تستوعبه القناة من قبل، خاصة مع زيادة أطوال السفن وتضاعف حمولتها.

بسبب طبيعة المنطقة التى تقع جغرافيا فى الصحراء، ومناخيا وسط تيارات هوائية تغيرت لون السفن الراسية فى البحيرات، صبغتها الرمال بالأصفر وغطت أسطح بعضها، فأطلقت الصحف على ذلك تجمع السفن اسم «الأسطول الأصفر» والبعض أطلق عليها الجمهورية الصفراء.

علم ونشيد وطنى

داخل ذلك المجتمع اختار أطقم السفن علما واحدا للتعبير عن هويتهم التى فرضتها عليهم ظروف الحرب، بجانب قوانين تحكم بينهم، ونشيد وطنى
توافرت الخدمات الطبية والاجتماعية، وبرامج ترفيهية للأطقم وأماكن للعبادة، وأماكن مخصصة للطعام وأخرى للاجتماعات وبحث القرارات الخاصة بهم، كان الأمان والدفء الاجتماعى دافعهم للاستمرار والبقاء على متن السفن دون أن يعلموا متى تنتهى الحرب ويُسمح لهم بالمغادرة.

يكشف التهامى عن أنه فى عام 1968 جرى تنظيم دورة الألعاب الأوليمبية فى المكسيك، والدول الثمانية الممثلة فى مجتمع البحيرة المرة كانت مشاركة فى الأوليمبياد، فى ذلك الوقت كانت تلك الفعالية العالمية تتخطى كونها حدثا رياضيا فحسب بل كانت حدثا سياسيا مهما أيضا، الصراع بين الاتحاد السوفيتى وحلفائه وأمريكا وحلفائها ينعكس بشكل واضح على التنافس الرياضى فى المسابقات.

تطهير القناة وخروج الأسطول

فى كتابه «قناة السويس.. المشروع والصراع» يتحدث الكاتب الصحفى عبده مباشر شيخ المحررين العسكريين عن تطهير القناة ويقول: «بدأت عمليات التطهير يوم 11 أبريل 1974 بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من غرب القناة تنفيذا لاتفاقية الفصل الأول للقوات، وتواصلت عمليات التطهير حتى يوم 21 ديسمبر عام 1974.

وللتأكد من نظافة المجرى الملاحى تقرر عودة فرق التطهير الأمريكية والإنجليزية والفرنسية مرة أخرى للعمل يوم 8 مارس، وخلال هذه المرحلة جرى إخراج السفن التى كانت محتجزة وعددها 15 سفينة اعتبارا من يوم الأحد 7 مايو 1975 وتم إخراج آخر سفينة يوم 30 مايو 1975.

اقرأ أيضاً|7 سنوات إعـجاز| ممر النصر.. شرارة حرب أكتوبر انطلقت من مجرى القناة

 

 

 

Advertisements