القاهرة ممزقة والحل فى يد المثقفين

المعمار ماهر استينو

الدكتور ماهر استينو
الدكتور ماهر استينو

شهاب طارق

فى منتصف عام 2020، جرى تكليف المعمارى الدكتور ماهر استينو بالعمل استشارياً لمشروع «التجلى الأعظم» بمدينة سانت كاترين وهو مشروع أثار نقاشات موسعة من جانب المهتمين بالحفظ والتراث، لما يرتبط به من تدخلات داخل موقع مصنف على قائمة التراث العالمى التابعة لمنظمة اليونسكو. وضع فيه استينو أستاذ تصميم وتنسيق البيئة بكلية التخطيط العمرانى والإقليمى بجامعة القاهرة وعضو اللجنة العليا للتخطيط بمجلس الوزراء، خلاصة خبرته المهنية والأكاديمية التى امتدت لعقود فى مجالات العمارة البيئية والتنسيق الحضرى والحفاظ على المواقع ذات القيمة التاريخية والطبيعية.
يعتبر استينو من أبرز المتخصصين فى عمارة البيئة والتنسيق الحضرى داخل مصر والعالم العربى،  قامت فلسفته التصميمية على تحقيق التوازن بين البيئة الطبيعية واحتياجات الإنسان، مع الاعتماد على النباتات المحلية المتكيفة مع الظروف المناخية المختلفة، والابتعاد عن النماذج المستوردة مرتفعة الاستهلاك للمياه والطاقة. وقد طبّق رؤيته فى عدد من البيئات القاسية والمتنوعة، خلال عمله على مشروع الجلالة وكورنيش العلمين، وأسوان، وصولاً لمشروع «التجلى الأعظم» بسانت كاترين، بهدف تقديم مشاريع حضرية أكثر ارتباطاً بخصوصية المكان وموارده.
وعلى المستوى المهنى شارك استينو رفقة شريكته وزوجته المعمارية الدكتورة ليلى المصرى فى تنفيذ عدد من أبرز المشروعات العمرانية والثقافية فى المنطقة، من بينها حديقة الأزهر بالقاهرة، وتنسيق موقع حرم الجامعة الأمريكية الجديد بالتجمع الخامس، ومتحف النوبة بأسوان الحائز على جائزة الأغاخان للعمارة عام 2001 عن تصميمه المعمارى. كما أشرف على تنسيق الموقع العام للمتحف القومى للحضارة المصرية بالفسطاط، وتصميم حديقة الأسرة، والمناظر الطبيعية والمتنزهات والساحات المفتوحة بالمتحف المصرى الكبير.
وامتدت أعماله خارج مصر لتشمل التصميم العمرانى للمنطقة التاريخية بالدرعية فى المملكة العربية السعودية، وتصميم المناظر الطبيعية لمدينة شمس فى أبوظبى، وحديقة باب قنسرين فى حلب، ومتنزه «جريتر إقبال بارك» فى مدينة لاهور الباكستانية، إلى جانب مشروعات أخرى من بينها الجامعة الإسلامية العالمية فى ماليزيا. وتقديرًا لإسهاماته فى مجالات العمارة والتخطيط العمرانى، حصل على عدد من الجوائز أبرزها: جائزة حسن فتحى للعمارة، وجائزة الجدارة العلمية من المجلس العربى للآثاريين العرب وجائزة الاتحاد الدولى للمعماريين (جائزة تخطيط المدن) عام ٢٠٠٨ ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى.
أما على المستوى الأكاديمى، فقد شغل منصب عميد كلية التخطيط الإقليمى والعمرانى بجامعة القاهرة، ودرّس فى عدد من الجامعات العربية والدولية، من بينها جامعة ميشيجان، وجامعة الملك سعود، والجامعة الأمريكية بالقاهرة، والجامعة الأمريكية فى دبى، كما عمل خبيرًا لتخطيط المدن فى بلدية دبى ضمن برامج الأمم المتحدة المعنية بالتنمية الحضرية.
فى هذا الحوار، يتحدث ماهر استينو عن رحلته الممتدة مع التخطيط والعمران، ورؤيته لمشروعى «التجلى الأعظم» و«إحياء حديقة الأزبكية»، وتجربته فى حديقة الأزهر. يكشف لنا عن آرائه وأفكاره حول مفهوم الحفاظ، والتخطيط، ورؤيته لمستقبل مدينة القاهرة. فى وقت تتزايد فيه النقاشات بين المتخصصين حول مشروعات إحياء المواقع التاريخية وتطوير المدن ذات القيمة التراثية. 
 

شكلت نشأة المعمارى الدكتور ماهر استينو داخل حى حدائق القبة بالقاهرة عام 1955 وعيه البصرى إلى حد بعيد، إذ عاش سنوات حياته الأولى رفقة أسرته فى شارع «ولى العهد» القريب من قصر القبة. كانت رحلته اليومية نحو مدرسته الثانوية «النقراشى باشا» بمثابة طقس تأملى فى مفهوم الجمال والخضرة.
يتذكر سنوات حياته الأولى داخل الحى الذى تبدل وصار جزءاً من الماضى، يتحدث عن ذكرياته، وعن المزارع والأشجار التى انتشرت على جانبى الطريق، وعن القاهرة التى كانت تحتفظ بجمالها، إذ لا يزال يتذكر رائحة شجر «دقن الباشا»، التى أحاطت بقصور وفيلات المنطقة. فهو يرى أن هذه الفترة هى الأجمل فى حياته إذ لا تزال ذاكرته عالقة بذاك الطفل الذى يركب دراجته يومياً نحو مدرسته مستمتعاً بجمال المعمار والطبيعة والأشجار العالية، وهى أمور ساهمت فى تكوينه المعرفى والوجداني.
يستدعى الدكتور ماهر استينو وجه القاهرة خلال خمسينيات القرن الماضى. يقول: «تعلمنا تعليمًا جيدًا، كان مدرس اللغة الإنجليزية حاصلًا على درجة الماجستير من جامعة أكسفورد، وبقية الأساتذة كانوا على قدر واسع من العلم، تشربنا منهم حب الجمال والرقى، وهى قيم أشعر أننا نفتقدها اليوم، بل أتحسر عليها فى كثير من الأحيان».
انتقل استينو رفقة عائلته إلى منطقة الجيزة فى مرحلة لاحقة، وهناك التحق بقسم الهندسة المعمارية بجامعة القاهرة. أحب المهنة من والده المعمارى محب استينو، الذى غرس فيه الشغف بالثقافة والنظريات الفلسفية العميقة، وهى أمور قادت استينو الابن لاحقاً إلى ربط هذه الفلسفة بالواقع العملي: «فى مرحلة التكوين الأولى، قرأت رفقة أصدقائى فى المدرسة لنجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وعبد الحليم عبد الله. كنت على دراية بروايات محفوظ التى عرفنا من خلالها منطقة الجمالية والقاهرة القديمة، ولم أكن قد تعلقت بالمنطقة بعد، باستثناء زياراتى المتكررة لشارع المعز ومنطقة الحسين والأزهر. لم يضغط عليّ والدى للالتحاق بكلية الهندسة، لكننى كنت محبًا للرسم، وترك لنا بدوره كامل الحرية فى اختيار ما يناسبنا».
عقب تخرجه من الجامعة قرر استينو بدء رحلة تعلم جديدة، سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1972، لنيل درجة الماجستير، وتخصص فى علم «اللاندسكيب» وتنسيق المواقع الطبيعية، وهو تخصص لم يكن موجوداً داخل مصر، ولم يسمع عنه الكثير قبل سفره. يوضح استينو المسألة: «لازلنا عالقين حتى اليوم لأنه لا يوجد مفهوم واضح للاندسكيب داخل مصر، أو ما يسمى بالتخطيط البيئى. دراسة العمارة لدينا ترتبط على الأغلب بالمبانى والكتل الخرسانية، بينما نعانى غياب مفاهيم التنمية والتخطيط البيئى. تعرفت على هذه العلوم خلال تواجدى فى أمريكا، وهو علم مبنى أساسًا على الفلسفة، وظهر فى نهاية ستينيات القرن الماضى بالتزامن مع هبوط سفينة الفضاء «أبولو» على سطح القمر. وقتها ولدت فلسفة جديدة فى أمريكا للتعامل مع التخطيط والبيئة، وبدأ العلماء إعداد دراساتهم حول المياه والحيوان والنبات، وتناقشوا مع المخططين العمرانيين لينتجوا علوماً جديدة، منها «العمارة البيئية» (Landscape Architecture)، وتخطيط المناظر الطبيعية  (Landscape Planning)، والتخطيط البيئى».
ويكمل: «هذه العلوم تدخل بشكل أساسى فى تخطيط المدن والأقاليم، وهى غير معنية بتزيين الفراغات أو تجميلها، بل بتخطيط وتصميم المناطق المفتوحة خارج المبانى؛ أى ما نطلق عليه بالإنجليزية مصطلح Design with nature (التصميم بالتوازى مع الحفاظ على البيئة)، وهو علم يتعامل بذكاء مع المكونات الطبيعية، ويعتبر الإنسان جزءاً أصيلاً من الاتزان البيئى وليس سيداً عليه».
استمرت رحلة استينو داخل الولايات المتحدة حتى نال درجتى الماجستير والدكتوراة، أسهم خلال تلك الفترة فى صياغة القوانين والتشريعات التخطيطية لأربع مدن أمريكية أثناء عمله فى مكتب التخطيط بجامعة جورجيا، بجانب عمله خبيرًا للأمم المتحدة فى تطوير المدن. كما أسهم فى تخطيط المناظر الطبيعية فى ولاية ميشيجان الأمريكية، ومدينة الرياض بالسعودية، إلى أن اتخذ قراره بالعودة إلى القاهرة.

دبى والقاهرة
عمل ماهر استينو خبيراً للتخطيط العمرانى وتخطيط المدن التابع للأمم المتحدة فى بلدية دبى لفترة طويلة امتدت من عام 1992 وحتى عام 2000. وخلال هذه المدة، أسهم فى وضع وتوجيه الرؤى التخطيطية للمدينة فى مرحلة هامة من نموها الحضرى المتسارع. ورغم تجربته داخل دبى، يرفض استينو التعامل مع القاهرة بنفس الأسلوب، إذ يرى أن دبى مدينة حديثة لم يكن لها نسيج عمرانى تاريخى قديم، وجرى إعادة تخطيطها بالكامل باستثناء أجزاء بسيطة تم حفظها مثل قرية الصيادين «فى دبى تعاملوا مع المدينة بذكاء شديد وأدركوا ضرورة تحسين حركة المشاة، لكننى أرفض محاولات فرض أسلوب مدينة دبى على القاهرة، القاهرة مدينة تراثية قديمة، وإذا أردنا مقارنتها فعلينا مقارنتها بمدن تاريخية كبرى مثل لندن أو باريس. أرفض مقارنتها بدبى، لأنها مدينة لا مثيل لها فى العالم، كونها تضم أكبر تجمع للتراث العمرانى الإسلامى».
حديقة الأزهر ودعم الآغا خان 
وضع الدكتور ماهر استينو رفقة زوجته المعمارية الدكتورة ليلى المصرى التصميم العام لحديقة الأزهر، والتى يعتبرها كثيرون واحدة ضمن أفضل حدائق العالم، بعد أن عانى موقعها فى سنوات سابقة من انتشار النفايات إذ عدت أكبر مكب للنفايات فى منطقة الشرق الأوسط بعمق يصل لنحو 40 متراً. «أراد الأمير كريم الحسينى (الآغا خان الرابع) منّا تنفيذ حديقة للفقراء، اعتمدت رؤيته على التخطيط الصحيح. وهو ما أردت تطبيقه مثلًا فى مشروع حديقة المنتزه بالإسكندرية، لكن فى النهاية لم يتم تنفيذ التصميمات التى قدمناها. المشكلة أنه عادة ما يُنظر إلى الحدائق العامة باعتبارها عبئاً مالياً، بالتوازى مع الرغبة فى تحقيق ربح سريع من المناطق المفتوحة، لذا يتم تحويلها إلى مناطق تجارية. هذا توجه خاطئ، فالهدف من الحدائق العامة تحقيق الاكتفاء الذاتى لخدمة المكان، لا الربح الاستثمارى، وهو ما نجحنا فى إثباته عند تنفيذ حديقة الأزهر، إذ صممنا مطعمين فقط بمساحة صغيرة جداً وعلى مسافات متباعدة، بالإضافة إلى موقف للسيارات، وهى أمور أدرت ربحاً كافياً لتشغيل الحديقة بجانب عوائد التذاكر. نجاح المشروع سببه أن وراءه مؤسسة غير هادفة للربح أرادت تقديم نموذج بيئى يتفاعل من خلاله الناس مع المسطحات الخضراء، بينما فى المقابل نجد أنه جرى تشويه نموذج حديقة الميرلاند بمصر الجديدة بسبب الرغبة فى تسليع المساحات الخضراء وهذا هو الفارق». 
يرى ماهر أن نجاح المشروع يعود فى الأساس لشخص «الآغا خان». «لولاه لكتب للمشروع الفشل، كان رجلاً يملك ثقافة ومعرفة وحساً رفيعاً نادراً. عندما بدأنا التخطيط للحديقة جلسنا سوياً قرابة 20 مرة، وتفاجأت باهتمامه بقراءة تفاصيل المشروع كاملة ومناقشتنا فى أدق التفاصيل عشرات المرات. وأبدى لى رغبة واضحة فى جعلها حديقة للفقراء، وتركز هدفه الثانى على رفض إقامة مبانٍ خرسانية. وبالمناسبة فرؤيته صائبة، لأن متوسط نصيب الفرد الواحد من المناطق المفتوحة والخضراء داخل مصر يقل عن نصف متر، وهى نسبة ضئيلة جداً مقارنة بأمريكا وألمانيا إذ يصل نصيب الفرد هناك نحو 40 متراً».
ويكمل: أردنا ربط الحديقة بالآثار الإسلامية المحيطة بها والمناطق التاريخية مثل السلطان حسن، والجامع الأزهر، والدرب الأحمر. صممناها وفقاً لمفاهيم العمارة الإسلامية، فالمسار الرئيسى يتخذ من الحديقة الإسلامية أساساً للتشكيلات الهندسية التى تتماس مع مجرى المياه، وكلها أمور تعبر عن الفن والحضارة الإسلامية لكن برؤية معاصرة. اعتمدنا كذلك على مواد صنع محلية. تعاقدنا مثلاً على رخام الحديقة من خلال ورش منطقة «شق التعبان»، أما أعمدة الإنارة والأشغال اليدوية فنفذها حرفيون محليون أغلبهم من منطقة الدرب الأحمر، أردنا أن يشعر السكان أن الحديقة ملك لهم وأنها ليست مكانا مفتعلا، وأظن أننا نجحنا فى ذلك».
مشروع التجلى الأعظم (سانت كاترين) 
فى منتصف عام 2020، جرى تكليف الدكتور ماهر استينو للعمل استشارياً لمشروع «التجلى الأعظم» المرتبط بمنطقة سانت كاترين، وهو المشروع الذى أثار نقاشات موسعة من جانب المهتمين بالحفظ والتراث. يطرح استينو فلسفته فى التعامل مع الموقع قائلاً: «من المهم إعادة تعريف الموقع الذى جرى تسميته خطأً بسانت كاترين، فالاسم الأصح هو «موقع التجلي» لأنه المكان الذى تجلى فيه الله وكلم موسى، أما الدير فقد شُيّد فى فترة لاحقة. أردت الحفاظ على القيم الروحية والبيئية الهشة للمكان».
يشرح ما يقصده بكلمة البيئة الهشة: «المنطقة ظلت مهملة لعقود، كانت تستقبل معدل 10 حافلات سياحية يومياً، يستقبلهم بدو المنطقة لصعود جبل موسى، ثم النزول بعد الفجر لزيارة الدير والانصراف. هذه الرحلة السريعة لم تفد المنطقة اقتصادياً أو سياحياً لضيق الوقت وغياب الخدمات، فالزوار يأتون ومعهم وجباتهم الخفيفة ويغادرون تاركين وراءهم كميات ضخمة من المخلفات التى دمرت بيئة المنطقة، فضلاً عن غياب البنية التحتية للمياه والكهرباء، وتدهور الزراعة نتيجة جفاف الوديان كوادى فيران بسبب انخفاض معدلات الأمطار، وعدم وجود نُزل بيئى واحد لإقامة الزوار. بناءً على ذلك، تلخص طرحنا في: كيف نحمى المدينة ونستفيد منها سياحياً مع إعادة تأهيلها لخدمة سكانها وبدو المنطقة المقيمين. وبالمناسبة لم أكن لأشارك فى المشروع إلا بشرط الحفاظ على طبوغرافية الموقع وعدم تغييره بصرياً. صممنا نُزلاً بيئياً جديداً يضم نحو 200 غرفة، وفندقاً جبلياً صغيراً يضم 150 غرفة، وراعينا تنفيذ المبانى بطريقة الدفن تحت الأرض عبر  فتحات صغيرة بحيث يصعب ملاحظتها بصرياً ولا تؤثر على بانوراما الجبل الطبيعية. ونفذنا أيضاً مركزاً للزوار، و«ساحة السلام»، وهى ساحة مفتوحة بديلة عن فكرة إنشاء مسجد وكنيسة متجاورين، تبلغ سعتها قرابة 420 شخصاً، ومدفونة بالكامل تحت الأرض أيضاً، ومنها يستطيع الزائر من الديانات الثلاث الوقوف والتأمل فى قيم المنطقة الروحانية». 

التعامل مع السكان المحليين
خلال السنوات السابقة ظهرت تخوفات كبيرة من إمكانية تدمير المناطق المسجلة كمحميات طبيعية والمرتبطة بالمشروع، يدافع ماهر استينو عن المشروع وخاصة التدخلات البيئية والتخطيطية فى الوادى إذ يرى أن المشروع أنقذ المنطقة بالكامل: «ألغينا طريقاً إسفلتياً داخل «وادى الأربعين» بطول 3 كيلومترات، واستبدلنا به ممشى ترابياً للسكان والزوار ومساراً آخر للجمال، وزرعنا 7 آلاف شجرة زيتون، ونفذنا 11 كيلومتراً من ممرات المشاة، وحولنا الطريق الإسفلتى الرئيسى فى المنطقة التراثية القديمة لطريق مشاة مع الحفاظ على الأسواق القديمة. ستدار المنطقة بالكامل بواسطة السيارات الكهربائية، كما وفرنا شبكات صرف ومياه شرب عبر خط مياه جديد لخدمة المزارعين بقدرة 5 آلاف متر مكعب يومياً بدلاً من الخط القديم الذى كان يستوعب 800 متر مكعب فقط». 
ويضيف: «أقمنا محطة لتحلية المياه، وأزلنا 800 عمود إنارة تقليدى واستبدلناها بأعمدة قصيرة لا يتجاوز طول الواحد منها متراً واحداً، رغبة منا فى تقليل التلوث الضوئى، وتحسين المشهد البصرى، وتحفيز سياحة مراقبة النجوم، وهو نمط جديد من السياحة نحاول إضافته للمنطقة». 
وحول التنسيق مع إدارة الدير والسكان المحليين يوضح: «ناقشنا رهبان الدير وجلسنا معهم ومع السكان المحليين عشرات المرات، ووافقوا على المشروع وأثنوا عليه. الموقع لن يتحول إلى متحف جامد، ولن تُبنى داخل فنادق تستوعب آلاف الغرف، هذا غير مطروح أصلًا ولم أكن لأضحى بسمعتى إذ كان هذا هو الهدف من المشروع، فالطاقة الاستيعابية للنزل الجديدة لن تزيد عن 500 غرفة تتسع لنحو 700 شخص، وإذا استمرت إقامتهم لثلاثة أيام، فهذا يعنى أن الدير سيستقبل متوسط 200 شخص يومياً، وهى نسبة معقولة لن تضر بطبيعة الحياة الرهبانية للدير». 

وضع عمرانى متدهور
يرد استينو على الانتقادات الموجهة للمشروع بشأن استخدام الخرسانة قائلًا: «التكامل مع البيئة لا يعنى بناء القباب الطينية بشكل تقليدى، بل يمكن تحقيقه عبر إخفاء الكتلة المعمارية ومراعاة التضاريس. مركز الزوار، على سبيل المثال، مبنى على التشكيل الطبيعى للمنطقة، ويمكن للزائر المرور أعلاه أو أسفله بمنتهى الحرية دون أن يلمحه من بعيد لأنه موجود داخل الأرض، وهذا التصميم الفلسفى لم يكن ممكناً تحقيقه بالبناء الحجرى التقليدى. أما بخصوص الجزء الأثرى من الدير وحرمه، والمناطق التابعة لوزارة البيئة فى الوديان المغلقة، فلم تُمس نهائياً، عملنا فقط داخل النطاق العمرانى المتدهور للمدينة، ولم نبنِ طوبة واحدة داخل محيط الدير الأثرى». 
ويختتم استينو حديثه حول المنطقة مشيراً للعائد المجتمعى والمخاوف المستقبلية: «أسندنا رعاية 7 آلاف شجرة زيتون التى زرعناها للقائمين على الدير، واتفقنا مع الحرفيين المحليين لتسويق منتجاتهم من سجاد وأعشاب طبيعية. كما نجهز حالياً مركز تأهيل للعلاج بالأعشاب سيديره الشيخ أحمد منصور، أحد كبار مشايخ البدو، وسيكون ربحه بالكامل للسكان. واتفقنا مع سيدة بدوية تدعى «سليمة» تعمل فى الحرف اليدوية لاستخدام منتجاتها فى الديكورات الداخلية للنزل البيئى، وسوف نعتمد على الفاكهة المجففة كالمشمش والخوخ والفستق التى ينتجها المزارعون هناك لتكون جزءاً أساسياً من قائمة طعام النزل. ووضعنا خطة لإرسال شباب البدو الصغار إلى إنجلترا وأوروبا للتدريب على أعمال إدارة الوديان والحدائق الطبيعية ليعودوا بخبرات بيئية تدير موقع التجلى الأعظم».

تفاؤل حذر 
رغم تفاؤله بالمشروع إلا أنه يبدى تخوفاً يتعلق بمرحلة ما بعد التسليم: «الإشكالية الأساسية يمكن أن تظهر فى طريقة الإدارة اللاحقة، يجب إسناد إدارة المشروع لشركات عالمية لضمان تشغيله باحترافية، وتوفير ضمانات صارمة تمنع تحويل المساحات المفتوحة إلى أكشاك ونماذج تجارية عشوائية لا تراعى البعد البيئى للمنطقة. الأمل الوحيد للحفاظ على هذا المكان هو إدارته بطريقة صحيحة، وربما يتم ذلك بالتعاون والإشراف المشترك مع منظمة اليونسكو». 

إعادة إحياء حديقة الأزبكية
عقب تكليفه بمشروع التجلى الأعظم جرى إسناد مشروع إحياء حديقة الأزبكية لأستاذ الهندسة المعمارية، الدكتور ماهر استينو. يشرح رؤيته فى التعامل مع الحديقة والتى من المفترض افتتاحها خلال الفترة المقبلة فيقول: «فى الماضى بلغت مساحة الحديقة نحو 22 فداناً، وتميزت بالجبلاية والعناصر المائية والتشجير الكثيف، إلى جانب احتوائها على نحو خمس برجولات خشبية؛ لذلك عملنا على إحياء هذه العناصر استناداً للصور الفوتوغرافية القديمة. مشاكل الحديقة تفاقمت عند تنفيذ مشروع مترو الأنفاق، هذا المشروع تم دون أدنى اعتبار للقيمة التاريخية للمكان، إذ اقتُطع نحو عشرة أفدنة من مساحة الحديقة، ودمرت المبانى القائمة، واقتلعت الأشجار التاريخية، وأنشئت فتحات تهوية للمترو بطريقة عشوائية أفسدت المشهد تماما، لم تتم مشورة المتخصصين فى تنسيق المواقع وجرى تجاهلهم تماماً، على عكس ما يحدث فى دول أخرى، فمدينة شيكاغو، التى شيدت واجهتها فوق جراج يستوعب ثلاثة آلاف سيارة، بينما تعلوه واحدة من أهم الحدائق فى الولايات المتحدة، وللأسف، تم تدمير كل ما يحيط بالحديقة، فدار الأوبرا التى كانت معلما تاريخيا احترقت، ثم تحولت لاحقاً إلى جراج للسيارات، بينما المسرح القومى تحول إلى ما يشبه «الخرابة»، بعد إنشاء مسرحين إضافيين بصورة غير مدروسة، ما تسبب فى إغلاق المدخل الرئيسى للمسرح، وأصبح الزوار يدخلون من أبواب خلفية ضيقة للوصول. كما استقطع مبنى السنترال خمسة أفدنة أخرى من مساحة الحديقة؛ لذلك عندما بدأنا العمل على المشروع، لم نجد من الحديقة سوى مساحة ضئيلة تتراوح بين فدانين ونصف إلى ثلاثة أفدنة، وكانت عبارة عن أرض فضاء، إذ اختفت معالم الحديقة تمامًا». 
ويكمل: لو كانت لدى الصلاحية، لقمت بهدم مبنى السنترال والجراج، وأنشأت منطقة مدروسة تضم مكاتب تتماشى مع الطابع المعمارى للمنطقة، مع توفير جراج سيارات تحت سطح الأرض، وإعادة بناء دار الأوبرا القديمة، ويمكن تنفيذ ذلك عبر توفير التمويل من خلال اكتتاب دولى من جانب الاتحاد الأوروبى، وخاصة من إيطاليا وفرنسا، بهدف إعادة بناء حديقة الأزبكية والأوبرا، وإنقاذ محيط المسرح القومى من التشوهات المعمارية، وربطه بالحديقة عبر ساحة عمرانية كبرى تعيد الحياة والتفاعل إلى المنطقة.
يرى استينو أن موقع حديقة الأزبكية يمثل جزءاً حيوياً من نسيج القاهرة، كونه حلقة وصل بين القاهرة الخديوية والفاطمية. «أتمنى أن نتبنى فى المستقبل نظرة أكثر شمولا لهذه العلاقة، تشمل شارع الأزهر والموسكى ومنطقة المعز وشارع محمد علي».

حلول مستقبلية
ما الحل؟ سؤال طرحناه على الدكتور ماهر حول الطرق المثلى للتعامل مع مدينة القاهرة، إذ يؤمن بضرورة الجمع بين المتخصصين فى الهندسة، والاقتصاد، والبيئة، والعمران، والثقافة، والمواصلات والطرق، وفتح نقاشات جادة حول ما تحتاجه المدن. يقول: طبقنا الأمر عندما تم إسناد مشروع تنفيذ كورنيش أسوان الجديدة إليّ، حينها جلست مع الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، واتفقنا أن تكون وجهة النيل بالكامل عبارة عن حديقة عامة طولها 8 كيلومترات، وهو ما سمح بتحويل المدينة بالكامل لمدينة مشاة. كان هدفى تحويل أسوان الجديدة لمدينة خضراء، لكن ما أخشاه فى المستقبل أن تتحول هذه الحدائق لأكشاك عشوائية لبيع المأكولات وغيرها من أنشطة لابد من اختيارها بعناية شديدة. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما ننتهى من المشروع ويتم تسليمه لأنه «مبقاش له صاحب»، وهذا يحدث فى كثير من المشروعات التى يريد بعض الأشخاص استغلالها لصالحهم والانتفاع منها على حساب التخطيط الرئيسى للمشروع. 

إدارة العمران 
يرى استينو أن علم التنسيق واللاندسكيب يختلف تماماً عما جرى فى فترات سابقة خلال عصر النهضة الذى بدأه الخديوى إسماعيل عندما فكر فى تنفيذ المناطق المفتوحة داخل القاهرة. يقول: «اللاندسكيب يمكن تقسيمه لمرحلتين، فهو علم بدأ من خلال تنفيذ حدائق لمجرد الاستمتاع والزينة، لكن بمرور الوقت دخلت اعتبارات بيئية على التخصص، مثلاً نراعى اليوم التأثير البيئى وارتفاع درجة الحرارة، وسطح البحر والتغيرات المناخية، ونركز على إدارة الموارد المائية، وهو ما راعيناه خلال الإعداد لمشروع سانت كاترين، إذ حاولنا تجنب التأثير بصرياً أو روحانياً أو بيئياً على البيئة الطبيعية للموقع، وراعينا المفاهيم».
ويكمل: «مع الأسف حتى اللحظة لا يوجد دعم لهذه النوعية من الأفكار التى تبناها العالم منذ سنوات، لذلك أرى أن نسبة الوعى البيئى «صفر»، حاولت منذ سبعينيات القرن الماضى خلخلة الوضع، لكن فى النهاية نحن متأخرون بنحو 55 عاماً عن دول العالم.  جميع الدول تحاول الآن إزالة الطرق السريعة الموجودة داخل المدن وتحويل المسارات لمناطق مفتوحة للمشاة، بينما نتبنى فكرة التوسع فى الحارات المرورية والتضحية بالأشجار، وهى نقاط قادتنا لارتفاع درجات الحرارة داخل القاهرة، فضلًا عن ارتفاع نسب التلوث، بجانب غياب المناطق الخضراء والتى من المفترض أن تكون ضمن الخدمات العامة المجانية، بينما الواقع يقول أنه لم يعد لدينا سوى النوادى الخاصة، والتى لا يملك الكثير حق الوصول إليها».

غياب السيطرة على الحدائق العامة
وعن مشكلات إدارة الحدائق العامة داخل مصر. يقول: تسألنى مرة أخرى عن الحل؟ الحل استبعاد وزارة الزراعة، والمحافظة، وهيئة التجميل والنظافة، لأنهم لم يتمكنوا من السيطرة أو الرقابة على الحدائق. لابد من إعادة التذكير بالمفاهيم الأساسية لأن تجاهلها قادنا لكوارث، فالحدائق والأنهار ملكية عامة وليست ملكية خاصة، والعالم كله يحاول فتحها بالمجان لكل الناس. كما أن هناك خلل متراكم فى منظومة التخطيط العمرانى لابد من علاجه. فقد حى مصر الجديدة هويته بسبب التوسعات المرورية التى جرت داخله، واستبدال معظم شوارعه بالإسفلت - وفى رأيى - فالخطأ بدأ عندما جرى تجاهل مهندسى اللاندسكيب، وقت تنفيذ المشروع. وهو ما ينطبق على مدينة الإسكندرية التى جرى تشويهها بسبب التوسع فى إنشاء الجراجات، فضلاً عن اقتطاع مساحات واسعة من البحيرات الشمالية، كالبردويل والمنزلة، وهى كارثة بيئية، لأن البحيرات لها دور بيئى فى التعامل مع الثروة السمكية، وضبط حركة الأمواج، وامتصاص العواصف، والحل ليس ردمها وتحويلها لأسفلت، للأسف نتعامل مع التخطيط البيئى وكأنه علم على ورق، التخطيط البيئى يتطلب إنشاء قواعد بيانات بيئية للحفاظ على السواحل وارتفاع منسوب سطح البحر، وهى أمور أتمنى أن تحدث، لهذا أتمنى الرجوع للمخططين العمرانيين والاستفادة من خبراتهم».

عشوائية العمران
وبالعودة للحديث عن مدينة القاهرة، والتحولات العمرانية داخل الجزء التاريخى من المدينة وبخاصة مع التكدس المرورى، والرغبة المستمرة فى فتح مسارات لتخفيف العبء على حركة المواصلات يضرب استينو نموذج بمنطقة عرب آل يسار الواقعة أسفل القلعة، إذ يرى أنه تم التضحية بالتراكم التاريخى داخلها «لم يراعى حرم القلعة الأثرى، وهى تصميمات لا تتكامل من الناحية البصرية والتاريخية مع القلعة، وبالمناسبة ليس شرطاً تحويل المناطق لمساحات خضراء، بل يمكن تركها بدون أى تدخلات تشوه من منظر المنطقة، فهناك ثلاثة أشياء يجب وضعها فى الاعتبار عند التخطيط وتصميم اللاندسكيب، منها التصميم البيئى، والنظام البيئى، والصورة البصرية للمكان، وهويته البصرية، وهى أمور يتم وضعها فى الاعتبار عند التخطيط، ولا نلتفت إليها، وعموما هناك أزمة تتعلق بإدارة العمران والمدن داخل مصر، فإدارة العمران تتم بعشوائية شديدة وعلينا إعادة النظر فى الأمر».
 يضيف: منطقة حدائق الأهرام بنيت منذ فترة ليست ببعيدة، وكان يفترض تحويلها لمدينة خضراء بالكامل، لكن فى النهاية غرقت فى العشوائية، وتحولت بالكامل لمنطقة عشوائية طاردة للسكان والناس، وهى ظاهرة لا تحدث فى مدن العالم. ليس من المنطقى ترك حرية التصرف داخل المدن للناس، لأنه بمرور الوقت تشوهت معالم المدينة وتحول الدور الأول داخل كل «عمارة» سكنية لمحال تجارية، وهو أسوأ تدهور عمرانى حدث خلال العقد الماضى، كان من الأولى إدارة المنطقة بالكامل، ومراعاة الارتفاعات، وصيانة الشوارع، والاهتمام بالنظافة، وهى مأساة حقيقية يجب الالتفات إليها».

مدن ممزقة
يرفض استينو ربط مفهوم اللاندسكيب بالتشجير، إذ يؤمن أن التعامل مع الفراغ العام يختلف من مدينة لأخرى «أرى أن الحفاظ على نسيج المدن أمر بالغ الأهمية، وليس رفاهية، كان من الضرورى الحفاظ على النسيج العمرانى لشارع الأزهر واستبدال حركة مرور السيارات بنفق، ومن ثم يتحول شارع الأزهر لقصبة القاهرة، مع إعادة ربط شارع المعز». لكنه فى المقابل يرى أن أحد أهم المشكلات المزمنة التى تعانى منها مصر منذ وقت طويل تعود لتحكم غير المتخصصين فى دراسات المرور. «واجهت هذه الأمة عندما أردت تغيير بعض الأمور ناحية ميدان الأوبرا خلال عملى على حديقة الأزبكية، وهى مشكلات سببها أساتذة ومهندسو الطرق، لأنهم أهانوا علاقة الطريق بالمدينة، فالعملية جرى إدارتها بالكامل بعشوائية، ووصلنا الآن إلى نقطة شديدة التعقيد. اليوم نعانى من فوضى حقيقية، فالقاهرة والإسكندرية مدن تمزقت وتفتت بالكامل، الحل ليس زيادة عدد الحارات المرورية بل يبدأ حين يتم الاهتمام باحتياجات السكان والمشاة، والمفترض أن يكون مهندسو المدن على علم بالتاريخ والثقافة والعادات الاجتماعية، وأن يتم العمل بالتوازى مع أستاذ متخصص فى الدراسات السكانية والاجتماعية، وآخر فى الاقتصاد، وآخر فى التعبئة؛ أى أن العملية من المفترض أن تتم وفقا لمفهوم العمل الجماعى. 
ويكمل:«اللاندسكيب» يعنى تخطيط وتصميم المناطق المفتوحة خارج المبانى، مع الالتزام بمعايير احترام البيئة ومتطلبات الإنسان، وفهم حركته وعلاقته بالمحيط الطبيعى، فى أمريكا، نقوم بدراسات سيكولوجية متكاملة حول علاقة الإنسان بالطبيعة، كطريقة مشيه واستخدامه للمساحات المفتوحة. لكن مع الأسف، لا تنفذ هذه النوعية من المشروعات، ومثال على ذلك مشروع «ممشى أهل مصر» الذى لم تراعَ فيه واجهة نهر النيل عند تنفيذه، إذ جرى إنشاء مسارات خرسانية ومبانٍ، وكان الأولى تخصيص مناطق خضراء مفتوحة وتحويلها لحدائق عامة مع عمل توسيعات للكورنيش نفسه، وهذا سببه افتقادنا لأساسيات علم التخطيط».

تحلل العمران 
فى المقابل يرى ماهر استينو أن انهيار العمران بدأ بسبب قانون الإيجار القديم خلال فترة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر «تحلل العمران سببه قانون الإيجار القديم، لأن أصحاب المنازل لم يهتموا بصيانتها أو الإشراف عليها، كونهم غير مستفيدين. فى المقابل رفض المستأجرون صيانتها، وهنا حدثت الكارثة. الأمر الثانى أن عملية إدارة العمران جرت بصورة سيئة، فى الماضى كان المجلس البلدى يضم مجموعة المهندسين ذوى الكفاءة العالية، منهم أعيان المدينة، والنخبة المثقفة وكانوا يتخذون القرارات الصحيحة تجاه المدينة، لكن بمرور الوقت تبدلت الأدوار وأصبحت المحافظة هى المسئولة عن المدن، وجرى إسناد الإدارات لغير المتخصصين، وبمرور الوقت تعقدت الحياة داخل المدن، لم يعد أحد يستطيع إيجاد مكان داخل المدينة، وخاصة الجيل الجديد، وهنا ظهرت العشوائيات، وهى مشكلة قائمة منذ 70 عامًا، وأرى أنها ستتفاقم وتتمدد خلال السنوات المقبلة، وظنى أننا مقدمون على فترة انهيار بعض البنايات، خاصة وأن مفهوم الصيانة غير موجود، وهو أمر حدث بالفعل داخل منطقة وسط البلد عندما انهار عقار قصر النيل عام 2020».
يقدم استينو حلاً لعلاج مشكلة المدن التاريخية إذ يرى ضرورة التعامل مع كل حى بشكل منفرد عن الآخر «الطريقة التى تصلح لمدينة قد لا تصلح للأخرى، منذ سنوات طويلة زرت سوريا، وجدتهم يتعاملون بذكاء شديد مع المدن القديمة، فمدينة حلب القديمة، أنشئت جهاز بلدية صغيرة لإدارة الجزء التاريخى تحت مسمى «بلدية المدينة القديمة»، وهو ما نحتاجه اليوم داخل منطقة وسط البلد، هذا الجهاز لابد أن يضم فى عضويته المثقفين والمهتمين بتاريخ المدينة، وألا يترك الموضوع فقط للمستثمرين الذين يريدون تحقيق الأرباح بغض النظر عن هوية المدينة، مع ترك بعض المبانى لهؤلاء المستثمرين لكن وفقا لاشتراطات محددة بحيث لا تفقد المناطق التاريخية نسيجها العمرانى. أزمة القاهرة هى غياب العمل الجماعى وتفتت إداراته، وهو ما يجب تجاوزه فى اللحظة الراهنة».