خالد عصام: الكتابة عملية اكتشاف تجرى داخل النص نفسه

خالد عصام
خالد عصام

حوار: أسامة فاروق

يقاوم بطل «تقاطعات»  أولى روايات خالد عصام، الموت بالكتابة. بها يرمم الجسور التى انقطعت بينه وبين والده الراحل، يستعيد حضوره، ويعيد اكتشافه، ويفكك علاقته الملتبسة معه، محاولاً فهمه والتصالح مع غيابه. وبالوسيلة نفسها ينقب «شيخون» ، بطل روايته الثانية، داخل ذاته؛ يسجل انتصاراته وعثراته، ويستخدم الكتابة أداة لفهم نفسه والعالم من حوله. فلا لذة لديه تفوق لذة الخلق والتحكم فى المصائر، حتى لو كانت على الورق، فما بالك وهو المختار المحمل برسالة؟

 يحلم «شيخون» بخلق عالم جديد يستحق العيش فيه، مبشراً بعودة الإنسان الحر فى مواجهة أنبياء عصر الاستهلاك والمتع اللحظية، أولئك المؤثرين اجتماعياً وسياسياً وثقافياً، والمبشرين بانعدام القيمة واختزال الوجود فى الاستهلاك واللذة العابرة. يؤمن بأنه ليس أول المختارين ولن يكون آخرهم، لكن وكأى صاحب رسالة يواجه بالخوف والإنكار والتشكيك، ثم بالعنف الذى يقضى على كل أمل.

يدور خالد عصام فى روايته الثانية فى عوالم الجريمة والاضطراب النفسى ووسائل التواصل، ليطرح أسئلة أوسع عن الوجود والوعى والإيمان والخرافة، وعن حدود قدرة الإنسان على فهم العالم وتغييره. خالد من مواليد الإسكندرية عام 1994. درس الهندسة ويعمل مهندس بترول. نُشرت له عدة قصص فى مجلات ومنصات مختلفة. صدرت روايته الأولى «تقاطعات»  عام 2024 بعد فوزها بجائزة خيرى شلبى للعمل الروائى الأول (الدورة الرابعة)، وحصولها على توصية بالنشر من لجنة التحكيم. أما «شيخون»  فهى روايته الثانية، وصدرت مؤخرا عن دار المحروسة. هنا نتعرف عليه بشكل أكبر..

متى بدأت علاقتك بالكتابة الإبداعية؟ أريد التحدث أيضا عن الفترة السابقة للكتابة، ما القراءات التى شكلت وعيك وأين موقعها منك الآن؟
فيما يخص القراءة، أشعر دائماً أن شيئاً ما فاتنى؛ فأنا لم أكن قارئاً فى طفولتي، لم أقرأ «رجل المستحيل»  مثلا أو «ما وراء الطبيعة»  أو غيرهما من السلاسل المخصصة لسن المراهقة. نقطة التحول جاءت مع ثورة يناير، وقتها كنت فى المرحلة الثانوية. طرح ذلك الحدث الكبير أسئلة كثيرة تتعلق بالسياسة والدين والحرية وطبيعة المجتمع. أفرزت الثورة هذه الأسئلة بوضوح، ودفعتنى إلى البحث عن إجابات لها، لذلك تمحورت قراءاتى فى البداية حول الشأن السياسي. تدريجياً بدأت تتكون لدى صورة أشمل عن الفنون والأدب ودورهما، وساعدنى فى ذلك عدد من الأصدقاء الذين وجهونى إلى قراءات فى الأدب والفلسفة والدين. أنا محظوظ فعلا بالناس المحيطين بى وبمن يقرؤون ما أكتبه. ومن بينهم الدكتور صلاح الجبيلي، الذى كانت نصائحه واضحة ومؤثرة، فى الكتابة، وفى القراءة أيضاً. فقد دلنى على فكرة القراءة المنهجية، التى لازمتنى حتى اليوم.

مع اتساع دائرة قراءاتى اكتشفت ميلاً خاصاً نحو الأدب. أتذكر أن أول عمل أدبى قرأته كان «الحرب والسلم»  لتولستوي! كانت تجربة صعبة طبعاً، لكنها فتحت أمامى باباً واسعاً. ومع الوقت أصبحت قراءتى أكثر انتظاماً ومنهجية. وبالطبع كان لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وغيرهما أثر مهم فى تكويني، لكن الحقيقة أن التأثير الأكبر جاء من أبناء الجيل السابق علىّ مباشرة، فقد تأثرت كثيراً بكتابات محمد ربيع، ومحمد عبد النبي، ونائل الطوخي، وأحمد الفخرانى.
أما لحظة الكتابة نفسها، فأستطيع أن أرجعها إلى اليوم الذى قرأ فيه والدى أحد نصوصى وأعجبه. كانت تلك لحظة فارقة بالنسبة إليّ. أنا مرتبط جداً بوالدي، رحمه الله، وهو ارتباط تتردد أصداؤه بوضوح فى عملى الأول «تقاطعات» .

عام واحد يفصل بين العملين على مستوى النشر. لكن كيف كان الأمر على مستوى الكتابة؟ كيف تولد أفكار نصوصك عادة؟ هل تأتيك مكتملة منذ البداية كإلهام أم تتشكل وتتبلور تدريجياً أثناء العمل عليها؟

بدأت كتابة «تقاطعات»  عام 2017 تقريباً، ولم يكن فى ذهنى آنذاك أنها ستكون رواية. كانت الكتابة بطيئة ومتقطعة وغير منتظمة. وفى نهاية ذلك العام توفى والدي، فكتبت بعد فترة قصيرة من رحيله المشهد الافتتاحى الذى افتتحت به الرواية لاحقاً. استمرت الكتابة على هذا النحو حتى عام 2021 تقريباً، حين قرأ بعض الأصدقاء النصوص وأشاروا إلى أنها يمكن أن تتطور إلى رواية، لكنها تحتاج إلى كثير من العمل. عندها أعدت كتابة النصوص وتنظيمها وفق هذا التصور، واستغرق الأمر نحو عام. ثم اقترح أحد الأصدقاء التقدم بها إلى جائزة خيرى شلبي، كاختبار لجودة العمل وفرصة للنشر فى الوقت نفسه. وحالفنى الحظ، فحظيت الرواية بقبول لجنة التحكيم ونُشرت بالفعل.

بعد «تقاطعات»  راودنى شعور بأننى استنفدت ما أريد قوله. كانت الرواية الأولى محملة بطاقة عاطفية كبيرة مرتبطة بعلاقتى بوالدي، وشعرت بعد الانتهاء منها أننى لم أعد أمتلك ذلك الدافع الملح للكتابة. وربما كان هذا الشعور نابعاً من تصورى آنذاك للكتابة نفسها بوصفها فعلاً قائماً على الإلهام الخالص كما تقول، يأتى مكتملاً من خارج النص. لكن رؤيتى تغيرت لاحقاً. أصبحت أؤمن بأن الكتابة عملية اكتشاف تجرى داخل النص نفسه، لا قبله. فالنص لا يكون حاضراً بصورة كاملة فى ذهن الكاتب، بل يتشكل ويتكشف أثناء الكتابة. والأدب فى جوهره وسيلة لطرح الأسئلة ومحاولة الاقتراب من إجاباتها. لا يقدم الكاتب إجابات نهائية أو ملزمة، وإنما يختبر أسئلته وإجاباته الخاصة من خلال العمل. لذلك تبدو الكتابة بالنسبة إليّ عملية مستمرة، يكتشف خلالها الكاتب العمل ويكتشف نفسه فى الوقت ذاته.

قدمت «تقاطعات»  إلى الجائزة عام 2022، وكانت لجنة التحكيم تضم الكاتب محمد عبد النبي، والدكتورة شيرين أبو النجا، والشاعر أحمد الشهاوي. وكان لهم بعض الملاحظات التحريرية التى اشتغلت عليها لاحقاً، ولم تكن كثيرة. وقتها كنت أشعر أن علاقتى بهذا النص قد اكتملت، وأن الطاقة التى كانت تربطنى به قد استُنفدت. وفى نهاية العام نفسه بدأت كتابة «شيخون» ، وانتهيت منها بعد نحو عام ونصف العام. كانت الكتابة هذه المرة أكثر انتظاماً وانضباطاً، ويمكننى القول إننى أصبحت أكثر احترافية.

الحقيقة أن الرواية الثانية تبدو أكثر نضجا من الأولى. على مستوى الموضوع والكتابة أيضا. ما الذى حدث خلال هذه الفترة القصيرة؟ 
كُتبت «تقاطعات»  على مدى زمنى طويل نسبياً، كما أن بناءها الفنى كان أكثر بساطة. أما فى «شيخون» ، فبعد الانتهاء من المسودة الأولى بدأت دراسة النقد الأدبى المتعلق بفن الرواية بصورة منهجية، قرأت عن المدارس الروائية المختلفة وتقنيات السرد وبناء الشخصيات والزمن الروائي. واستمرت هذه المرحلة قرابة عام كامل، وكان لها أثر كبير عندما عدت إلى الرواية لإعادة كتابتها تمهيداً لنشرها. أستطيع القول إن النسخة النهائية جاءت مختلفة تماماً عن المسودة الأولى؛ فقد تغير الترتيب الزمنى للأحداث، وتحول الحوار من العامية إلى الفصحى، كما أُعيد النظر فى طريقة عرض أفكار البطل. كنت حريصاً على ألا أقع فى فخ الخطابة أو تقديم أفكار مباشرة وتوجيهية. هناك أشياء كثيرة تعلمتها أثناء الكتابة ومن خلال القراءة والاحتكاك بتجارب الآخرين. وفى الرواية الثانية كانت لدى مساحة أكبر للتعلم، وامتصاص الخبرات المحيطة بى.

بالحديث عن الدراسة، هل كان لدراستك للهندسة أثر على كتابتك؟ 
أشعر أحيانا أنه تأثير لا واعي.. فالرواية، فى النهاية، تنطوى على قدر كبير من الهندسة، خصوصاً على مستوى البناء والتكوين، لكننى لا أستطيع أن أقول إن كتابتى متأثرة بدراستى بشكل واضح أو مقصود. ربما يظهر الأثر فى رغبتى الدائمة فى أن يكون العمل منضبطاً ومتماسكاً، أو فى بعض الأمور الشكلية، مثل طول الفصول وتقسيماتها. لكن مع الوقت أصبحت أقل تمسكاً حتى بهذه الاعتبارات.

جانب كبير من رواية «شيخون»  يدور فى مصحات العلاج النفسي. كيف حضرت نفسك للكتابة فى موضوع بعيد تماما عن تخصصك العملى ومسارك الدراسي؟ 

«شيخون»  معنية فى الأساس بالأسئلة الكبرى: سؤال المعنى، وسؤال الوجود. هكذا تصورت المشروع منذ البداية. وأثناء الكتابة اكتشفت أن المرض النفسى يمكن أن يكون مدخلاً مناسباً للتعامل مع هذه الأسئلة، ومن هنا بدأ اهتمامى بالبحث فى التشخيصات والحالات التى يمكن أن يتحرك من خلالها العمل. استفدت كثيراً فى هذا الجانب من زوجتي، وهى طبيبة نفسية، وقد سهل ذلك بطبيعة الحال جزءاً كبيراً من عملية البحث. كانت تشرح لى بتفصيل وصبر كل ما أحتاج إلى فهمه، وتجيب عن أسئلتى المتواصلة حول الاضطرابات النفسية وتشخيصاتها وتجلياتها المختلفة. كما ساعدتنى فى التواصل مع أحد أعضاء لجنة الطب الشرعى فى مستشفى المعمورة، الذى شرح لى تفاصيل التعامل مع المتهمين المشكوك فى قواهم العقلية، بدءاً من لحظة دخولهم وحتى انتهاء عملية التقييم والتشخيص. استمعوا لى جميعا وتقبلوا أسئلتى الكثيرة بصبر. وأثمرت هذه الرحلة قدراً كبيراً من المعلومات حاولت توظيفها داخل العمل. وشعرت أننى نجحت إلى حد ما فى ذلك عندما أخبرنى أحد القراء، أنه كان يظن أننى طبيب نفسي.

فى العملين هناك أم غائبة -أو شبه غائبة- وأب مهيمن. حتى وإن لم يكن الأب الحقيقى كما فى «شيخون» . هل كان هذا 
مقصوداً وواعياً منذ البداية؟

كانت العلاقة مع الأب هى المحور الأساسى فى «تقاطعات»  لذلك تعمدت حتى تغييب الأم، لأننى أردت التركيز فقط على العلاقة الثنائية بين أب وابنه. وهى علاقة مضطربة إلى حد بعيد، تكاد تخلو من مساحة حقيقية للحوار، بفعل ظروف اجتماعية واقتصادية ونفسية صنعت حاجزاً بين الشخصيتين. كان همى الأساسى أو السؤال الذى يشغلنى أثناء الكتابة هو كيف يمكن التعامل مع أزمة كهذه؟ كيف يمكن للإنسان أن يفهم علاقته بأقرب الناس إليه، وصعوبة التعامل مع ونيسك الوحيد فى الحياة! لذلك حرصت على أن يظل التركيز منصباً على هاتين الشخصيتين دون تشتيت كبير بأشخاص آخرين. وبالطبع لا أحتاج إلى التأكيد على أن الرواية ليست سيرة ذاتية، لكنها كانت بالنسبة إليّ محاولة لفهم علاقتى بوالدى وتفكيكها وتأملها من زوايا مختلفة. كان هذا أحد الدوافع الأساسية وراء الكتابة. وربما من هنا جاء إيمانى بأن الرواية وسيلة فعالة لفهم الأزمات الإنسانية، فهى تتيح لنا طرح الأسئلة وتفكيكها ومحاولة الاقتراب من إجاباتها.
المسألة مختلفة فى «شيخون» ، فلم تكن مسألة لا واعيه، فكل شخصية أخذت حظها من التفكير، بالأخص الشخصيات الثلاثة الأساسية: شيخون وعمرو الخطاط وعلى الزيني، تعمدت بالطبع تغييب والدة شيخون ووالده وإن لم يكن ذلك بدافع الانشغال بسؤال الأب كما حدث فى الرواية الأولى. ومع ذلك، يبدو أن هذا السؤال وجد طريقه إلى الرواية فى شخصيات أخرى. كان هدفى الأساسى أن أكشف مواطن الخلل والتناقض داخل هذه الشخصيات، وكيف يمكن لأشخاص يتبنون خطاباً يدعو إلى السلام والحرية والعقلانية أن ينتهوا إلى ممارسات قائمة على السيطرة والعنف والخرافة. هذا العوار الإنسانى كان جزءاً من رؤية أوسع تحاول الرواية استكشافها. أما فى «تقاطعات» فكان هذا العوار نفسه هو قلب الرواية ومحورها الرئيسي.

هل توجد صلة بين كل ذلك وبين المؤلف؟ نترك الإجابة للنقاد.

استخدمت فكرة الرسائل المنسية أو المخبأة فى الرواية الأولى وكررتها فى الثانية. ما الذى تتيحه لك تلك التقنية على مستوى السرد؟
فى الأولى لم يكن قد تشكل لدى هوى تجاه هذا الشكل من الكتابة، لكن استخدمته لأنه يكشف عمق الأزمة بين الأب وابنه، فالأزمة بينهما كانت عميقة إلى درجة أن ما كان ينبغى أن يُقال مباشرة لم يُقل أبداً، بل ظل مكتوباً ومؤجلاً حتى انكشف بعد رحيل الأب.. كما أن الرواية كانت تُروى بصوت الابن، فأتاحت هذه التقنية للأب مساحة ليتحدث عن نفسه. فى «شيخون» ، استخدمت تقنية الراوى العليم، لكننى كنت مقتنعاً بأن شخصية شيخون لا بد أن تتكلم، لابد أن تمتلك مساحة تعبر فيها عن نفسها مباشرة. كان من المهم بالنسبة إليّ أن نسمع صوته ونقترب من منطقه الداخلى وأفكاره، حتى لو حرص هو على إخفاء هذه الأفكار.

ينطلق كلا العملين من جريمة أيضا. هل كان هذا مقصودا؟

هذا السؤال يرتبط مباشرة بتطور نظرتى للكتابة. فى «تقاطعات»  كنت أتصور أن العمل يحتاج إلى محرك واضح يدفع القارئ إلى الاستمرار فى القراءة، لذلك ظهرت جريمة القتل مبكرا. لكننى اليوم أنظر إلى الأمر بصورة مختلفة. أعتقد أن العلاقة بين الأب والابن كانت كافية فى حد ذاتها لحمل الرواية ودفعها إلى الأمام، وأن العمل ربما كان فى غنى عن الجريمة. وأظن أن ذلك يظهر فى أن الجريمة لا تشغل مساحة كبيرة داخل النص، فهى تظهر فى البداية ثم تعود فى النهاية، بوصفها أحد تجليات تفكك العائلة أكثر من كونها محور الرواية الحقيقي. أما فى «شيخون»  فكانت ضرورية رغم أنى لم أكن أفكر فى كتابة رواية جريمة، ولم تكن الجريمة هدفاً فى حد ذاتها، لكنها بدت لى نتيجة منطقية للمسار الذى تسلكه الأحداث والشخصيات. فالعنف، فى النهاية، أحد الآثار الجانبية المحتملة لأى دعوة أو فكرة كبرى سواء كانت دعوة دينية أو سياسية أو حتى ثورية. لهذا السبب جاءت الجريمة متأخرة نسبياً فى الرواية. وكان يهمنى أيضا ألا يصبح الغموض أو البحث عن الجانى هو المحرك الأساسى للقراءة، لأن هذا النوع من الروايات يمتلك دوافع أخرى أكثر أهمية، بل إن التركيز المفرط على الجريمة كان يمكن أن يضر بالعمل.

فى الفيديو التقديمى قلت إنه يمكن الدخول للعمل عبر القراءة البوليسية، أو الفلسفية، التى تبحث عما وراء الحكاية. لكن هل يرضيك فعلا أن يتوقف القارئ عند الحكاية البوليسية فقط؟ بعض الكتّاب ينزعجون حين لا يلتقط القارئ المعانى التى أرادوها فى نصوصهم.

بالنسبة لى لن أنزعج. أرى أن تعدد الطبقات ومستويات القراءة أمر جيد، لكن ليس لدى أى مشكلة فى أن يتوقف قارئ عند مستوى معين من النص ويستمتع به، ولن أطالبه بأن يلتفت إلى مستويات أخرى. فهناك عدة تفسيرات لهذه المسألة من ضمنها مشاكل العمل نفسه، الكاتب قد يتصور أحياناً وجود طبقات ودلالات فى عمله لا تكون حاضرة بالوضوح الذى يتخيله. كما أن مسألة القراءة مرتبطة بالمتلقى أيضا. أتذكر أن المسودة الأولى من العمل قرأها ثلاثة أشخاص، وخرج كل منهم بقراءة مختلفة تماماً. أحدهم رأى أنها رواية عن حالة الفراغ التى يعيشها المجتمع، وكيف يمكن أن تدفع الناس إلى التعلق بشخصية مثل شيخون بحثاً عن معنى أو منفذ لتفريغ طاقاتهم. وقارئ آخر، بحكم اهتمامه بالفلسفة، تعامل معها بوصفها رواية تطرح سؤال الوجود وعلاقة الإنسان بالعالم من حوله بعيداً عن الأطر الدينية المباشرة. بينما انشغل قارئ ثالث بالجانب النفسى والعلمى، وبالأسئلة المتعلقة بتشخيص شخصية مثل شيخون: هل هو مريض نفسياً أم لا؟ هذا التنوع فى التلقى يؤكد أن جزءاً كبيراً من القراءة يعتمد على القارئ نفسه؛ اهتماماته وخلفيته المعرفية وتجربته الشخصية، بل وحتى على حالته المزاجية لحظة القراءة.

بالطبع أتمنى أن يثير العمل أسئلة متعددة وألا ينغلق على مستوى واحد من الفهم، لكن إذا لم يحدث ذلك فلن أعتبره تقصيراً من القارئ. يكفينى أن يجد فى العمل ما يشغله أو يمسّه أو يمنحه قدراً من المتعة.

كلا البطلين قارئ بشكل ما. هل كان هذا التوظيف مقصوداً منذ البداية، أم أنه جاء تلقائياً تبعاً لمقتضيات الشخصيات والسرد؟

فى «تقاطعات»  كان هناك قدر من الصدفة. فالبطل / الراوى يكتب حكايته بنفسه، ولذلك كان من الطبيعى أن يكون مهتماً بالثقافة والأدب إلى حد ما، كمخرج لمسألة الكتابة، لأن فعل الكتابة ذاته يقتضى هذا القدر من الوعي. لكن فى «شيخون»  كانت القراءة ضرورة. جزءاً أساسياً من بناء الشخصية. كان من الضرورى أن يكون شيخون قارئاً وشاعراً وصاحب معرفة، لأننى لم أكن أراه مجذوباً، بل يمتلك يقيناً كاملاً برسالته، ووعياً بما يطرحه على الآخرين. ولهذا السبب أيضاً لا أراه «مدعى نبوة»  بالمعنى التقليدى للكلمة. فهو لا يتصرف باعتباره محتالاً يعرف أنه يخدع الناس، ولا باعتباره شخصاً منفصلاً تماماً عن الواقع. بل هو مؤمن إيماناً حقيقياً بما يقوله، ومقتنع بأنه يحمل رسالة ما، وأن اختياره لهذه المهمة لم يكن عشوائياً. بل إنه يرى أن شخصيته نفسها، بما تمتلكه من وعى وثقافة وقدرة على الاحتمال، كانت جزءاً من أسباب هذا الاختيار.

بطل روايتك الأولى يرى فى الكتابة فعل مقاومة والثانى يراها فعل خلق. كل منهما يراها حسب موقعه من الأحداث وشخصيته فى العمل. وأنت ما هى رؤيتك باعتبارك مبتكر هذه الشخصيات؟
أنا أميل للرؤية الأولى، بأنها فعل مقاومة، مقاومة لكل شيء، الأزمة الحياتية أو اليومية. هى وسيلة لطرح أسئلة والبحث عن إجابات، وسيلة لمقاومة طغيان الحياة. الكتابة تتيح لنا مساءلة اختياراتنا ومساراتنا.

تدور أحداث العملين فى الإسكندرية. لكنها تظهر كمسرح عادي، ليس بالشكل المتوقع أو المعتاد للأعمال التى تدور فيها عادة.. 
أحب أن أكتب عن مكان أعرفه، ولذلك أكتب عن الإسكندرية التى عشت فيها وعرفتها عن قرب. وأنا بعيد تماماً عن الصورة التقليدية الشائعة للمدينة. فالإسكندرية بالنسبة إليّ مكان حى من لحم ودم، واقعها يتغير بشكل أقرب لما أطرحه فى النصوص. لهذا أحاول الاقتراب من واقعها اليومى أكثر مما أحاول استدعاء صورتها الراسخة فى الدراما أو السينما أو المخيلة العامة. أثناء كتابة «شيخون»  ذهبت إلى شارع السبع بنات لأحدد بدقة المكان الذى يسكن فيه البطل، وحتى القسم الذى يتبعه. كنت حريصاً على أن تكون التفاصيل المكانية دقيقة ومتصلة بالواقع. ما يهمنى هو مدينة الناس، الشوارع التى يسيرون فيها، والعمارات التى يعيشون داخلها، والأحياء والمستشفيات والعزب الموجودة بالفعل. لذلك بحثت فى طبيعة هذه الأماكن وتفاصيلها، لأننى لا أريد تقديم مكان خرافى أو متخيل أو مفارق للواقع، بل مكاناً حقيقياً يعبر عن العالم الذى تتحرك فيه الشخصيات وعن الأسئلة التى تطرحها الرواية.

بعض رسائل رواية «شيخون» موجهة بالأساس لعالم السوشيال ميديا وأمراضه إن صح التعبير. لكنك لا تبدو منخرطا فى هذا العالم رغم تأثيره الكبير حاليا على رواج الكاتب وكتابته؟
السوشيال ميديا وسيط مختلف، لكنه بالنسبة إليّ وسيط مزعج إلى حد ما. السرعة، وعدم التحكم فيما يظهر أمامك، كلها أمور لا أرتاح إليها. وفى المقابل، لا يمكن إنكار أنها منحت الناس مساحة واسعة للتعبير عن النفس ونشر الأفكار والنقاش. لكن هذا يحدث، للأسف، وسط قدر كبير من الصخب، تختلط فيه الأمور المهمة بالتفاهات والأشياء التى لا تحمل معنى حقيقياً. المؤسف أن الابتعاد عن هذا العالم يجعل الشخص أقل حضوراً، وكأن من لا يشارك فيه يصبح بعيداً أو غير مرئي. نجحت فى الابتعاد عنه لمدة ست سنوات كاملة، ولم أشعر خلالها أننى أفتقده. كانت الأحداث المهمة تصلنى على أى حال، أما التفاصيل الصغيرة فغالباً ما تخلق حول نفسها شعوراً زائفاً بالأهمية رغم تفاهتها، ولم أشعر يوماً أننى بحاجة إلى متابعتها. لكن بعد نشر «شيخون»  عدت إلى استخدامه، بوصفه وسيلة للتواصل ليس أكثر.

قائمة شكر حرصت على إضافتها فى ختام العملين. من أول من يقرأ مسودات أعمالك وكيف تتعامل مع وجهات النظر المختلفة. وما حدود التدخل الذى تقبل به؟
أول من يطّلع على المسودات عادة زوجتى مريم، والدكتور صلاح الجبيلي، وصديقى محمود القاضي. وهناك آخرون يقرؤون العمل فى مراحل أكثر تقدماً، مثل أحمد كامل، ونائل الطوخي، وأحمد الفخراني، الذى عرفنى بجائزة خيرى شلبى. أنا منفتح على مختلف وجهات النظر والنقاشات المتعلقة بالعمل. لا أتعامل مع كتابتى بوصفها شيئاً مقدساً أو غير قابل للمراجعة. على العكس، أحرص على عرضها على أشخاص أعرف أنهم سيمنحوننى آراء صادقة وحقيقية. وعندما أستمع إلى هذه الملاحظات أعود إلى النص فأراه من زوايا جديدة، ولا أجد صعوبة فى التعديل أو التغيير. وصلت «شيخون»  إلى ست مسودات مختلفة، وفى كل مرحلة كانت هناك أسئلة جديدة تظهر، وأجزاء تُضاف وأخرى تُحذف.

أخيرا، يقول بيسوا وآخرون أن كل ما ننجزه فى الفن هو نسخة ناقصة مما فكرنا فى إنجازه. كيف ترى هذه المسألة؟ إلى أى حد أنت راضٍ عن النتيجة النهائية التى وصلت إليها فى العملين؟ 
أنا متفق تماما مع هذه الرؤية. بعد فترة لابد أن ترى فى العمل أشياء ناقصة ربما تضيفها فى العمل التالي. والمسألة ربما تحدث على المدى القصير أيضا، أتذكر أنه بعد تسليم «شيخون»  للنشر شعرت فى البداية بالرضا، ثم بعد فترة بدأت أرى أشياء كنت أرغب فى تعديلها، وظهرت أمامى أسئلة جديدة، ولهذا استمرت المراجعات وتعددت المسودات. أما الآن فلدى أسئلة مختلفة، وربما تجد طريقها إلى عمل قادم. أعى أن الكتابة عملية تصحيح مستمرة، وفى الوقت نفسه لا أميل إلى جلد الذات، فكل عمل هو ابن لحظته، وابن خبرة كاتبه ومعرفته وأسئلته فى الفترة التى كُتب فيها.