حوار : علجية حسينى
لم تكن حياته مفروشةً بالورود، ولا طريقاً ممهداً بالحرير؛ فقد خاض تجارب قاسية لا تزال تسكن وجدانه. فمنذ إصابته بحروق بالغة أثناء خدمته العسكرية -وهى الحادثة التى ما زال يعجز عن البوح بتفاصيلها- وحتى اضطراره لمغادرة وطنه بسبب الحرب ليعرف مرارة العيش فى خيام اللاجئين ببريطانيا، كانت حياته سلسلة من الاختبارات الكبرى.
غير أن هذه المحن لم تكسر عزيمته، بل زادته إصراراً على مواصلة الحياة والبحث عن النجاح. نحاور الكاتب السورى الكردى هيثم حسين؛ الإنسان الذى تحدى «الشظايا» التى تملأ ذاكرته وحولها إلى مصدر للتأمل فى الوجود الإنسانى وفهم الذات فى علاقتها مع الآخر. وقد نجح ببراعة فى التوفيق بين الثقافتين العربية والكردية فى أعماله الإبداعية.
من أبرز مؤلفاته: «عشبة ضارة فى الفردوس»، «هكذا عشت الجحيم»، «العنصرى فى غربته»، و«كريستال إفريقي».
فى أعمالك السيرية هكذا عشتُ الجحيم «والعنصرى فى غربته» و«قد لا يبقى أحد..» أغاثا كريستى تعالى أقل لك كيف أعيش تستعيد محطات شخصية قاسية من حياتك. كيف تتحول التجربة الفردية المؤلمة إلى نص قابل للقراءة والتأمل الأدبي؟
التجربة القاسية حين تقع لا تأتى على هيئة قصة واضحة. يعيشها الإنسان فى لحظة ارتباك كامل؛ الألم يسبق اللغة، والذاكرة تحتفظ ببقايا الحدث على هيئة شظايا؛ صورة عابرة، خوف مفاجئ، إحساس حادّ بقرب النهاية. بعد ذلك بسنوات يبدأ فعل الكتابة. ما تفعله اللغة فى تلك اللحظة يشبه محاولة جمع قطع متناثرة من حياة عاشها الإنسان دون أن يملك القدرة على فهمها فى وقتها. حين يواجه الإنسان احتمال الفناء المباشر تتغير نظرته إلى الحياة وإلى الزمن وإلى معنى البقاء. الكتابة جاءت محاولة لفهم تلك اللحظة الفاصلة التى يتحول فيها الجسد من مساحة عادية للعيش إلى ساحة مواجهة مع الألم، فى تلك اللحظة تتغير طبيعة الألم نفسه؛ يتراجع كحدث شخصى ضيق، ويظهر كخبرة إنسانية قابلة للفهم والمشاركة. القارئ حين يقترب من النص يواجه أسئلة تتعلق بالإنسان فى لحظاته الأكثر هشاشة.
يرى بعض النقاد أن كتابة السيرة الذاتية تحتاج مسافة زمنية طويلة كى تتضح معانى التجربة. لماذا قررت نشر سيرتك عبر هذه الكتب فى مرحلة مبكرة نسبياً من مسارك الأدبي؟
مَن يضمن للكاتب زمناً طويلاً قادماً كى يتفرّغ لكتابة سيرته ومذكراته ويوميّاته! الزمن يمنح الإنسان قدرة مختلفة على النظر إلى ما عاشه، غير أن المسافة الطويلة قد تترك التجربة أكثر هدوءاً مما كانت عليه فى لحظة وقوعها.. لهذا شعرت أن الكتابة القريبة من التجربة تحتفظ بشيء من توترها الأصلي، وتسمح للنص بأن يحمل أثر اللحظة كما كانت.
تكتب السيرة والرواية معاً. أين تتقاطع كتابة السيرة فى كتبك مع الكتابة الروائية التى تقوم على بناء شخصيات وأحداث متخيلة؟
الكتابة فى الحالتين تنطلق من سؤال واحد يتعلق بالإنسان: كيف يعيش داخل عالم مليء بالتوترات؟ كيف يتعامل مع ذاكرته ومع المجتمع ومع تحولات الزمن؟ سواء جاء النص على هيئة سيرة أو رواية، يبقى الهدف واحداً: الاقتراب من التجربة الإنسانية فى لحظاتها الأكثر تعقيداً وصدقاً.
فى رواياتك «آرام سليل الأوجاع المكابرة ورهائن الخطيئة وعشبة ضارة فى الفردوس وكريستال أفريقى» تظهر شخصيات كردية تعيش صراعات داخل المجتمع نفسه. ما الذى يدفعك إلى تفكيك هذه التوترات داخل الرواية؟
الرواية مساحة للتأمل فى المجتمع من الداخل، عبر تتبع مصائر أفراد يعيشون تحت ضغط التاريخ والذاكرة والتقاليد. حين أكتب عن شخصيات كردية لا أسعى إلى تقديم صورة مريحة عن الجماعة أو خطاب احتفائى بالهوية. ما يشغلنى هو الاقتراب من التوترات التى تتشكل داخل المجتمع نفسه، لأن تلك التوترات تكشف الكثير عن طبيعة الإنسان حين يجد نفسه محاصراً بين ما يريد وما يُفرض عليه.
ما العلاقة بين الشخصيات الروائية والفضاء الذى تتحرك داخله؟
الشخصيات فى رواياتى تجد نفسها داخل منظومة من الأحكام والتوقعات التى تتحكم فى مسارات حياتها. المجتمع الريفى أو المغلق يحمل داخله طبقات معقدة من السلطة والعادات، والشخصيات تحاول أن تجد مساحة خاصة داخل هذا العالم الضيق. التوتر الداخلى الذى تحمله الشخصيات فى بيئتها الأولى يستمر فى مرافقتها حتى فى عوالم بعيدة.
ماذا تريد استكشافه، من خلال رواياتك، عبر طرح قضايا تتقاطع فيها الأسئلة الأخلاقية والوجودية مع مصائر الشخصيات؟
الرواية ساحة تفكير فى الإنسان حين يجد نفسه فى لحظة اختبار. كل حياة تحمل لحظات صغيرة يتغير عندها مسار الإنسان، وهذه اللحظات قد تبدو عابرة فى ظاهرها، غير أنها تفتح أسئلة عميقة حول الحرية والضمير ومعنى العيش.
هل نجحت شخصيات روايتك فى التخلص من الأحكام الأخلاقية التى يتوقعها من المحيطين به؟
أحاول فى أعمالى بلوغ المنطقة الحساسة التى يشعر فيها الإنسان أن حياته يجب ألا تصبح مرتبطة بحكم أخلاقى صادر من الآخرين الذين يحاصرونه بتوقعاتهم وقيودهم ورغباتهم. ما يشغلنى هو تتبع تلك اللحظات التى يكتشف فيها الإنسان هشاشته وقوته فى الوقت نفسه.
فى روايتك إبرة الرعب يظهر اهتمام واضح ببناء التشويق النفسى داخل السرد. كيف تتعامل مع عنصر التوتر السردى أثناء كتابة الرواية؟
حاولت الاقتراب، فى الرواية، من تلك النقطة التى يتحول فيها الخوف إلى حالة نفسية معقدة. وكتابة هذا النوع من الروايات تحتاج إلى وعى دقيق بإيقاع النص. والشخصيات فى هذا النوع من السرد تحمل توتراً داخلياً مستمرا ولأنّ الصراع يدور بينها وبين العالم الخارجى من جهة، وفى داخلها من جهة أخرى.
روايتك الأحدث «كريستال أفريقى» تنفتح على فضاء جغرافى وثقافى مختلف. ما الذى دفعك إلى نقل السرد إلى هذا الأفق الأوسع خارج البيئة المعتادة فى أعمالك؟
ما كان يشغلنى هو تتبع أثر الحركة البشرية فى تشكيل الوعى الفردي. حين يعيش الإنسان فى أكثر من فضاء ثقافى يبدأ فى إعادة النظر إلى كثير من المسلمات التى تربى عليها. اللغة، الذاكرة، طريقة النظر إلى الآخر، جميعها تدخل فى حالة مراجعة مستمرة.
غادرت سوريا قبل سنوات واستقررت فى بريطانيا. كيف أثّر الانتقال من فضاء إلى آخر فى رؤيتك للكتابة وفى صورة الكاتب داخل نصوصك؟
الانتقال من بلد إلى آخر يعيد تشكيل علاقة المرء بالذاكرة وباللغة وبفكرة المكان. حين يعيش الإنسان سنوات طويلة داخل بيئة واحدة تتشكل رؤيته للعالم عبر تفاصيل مألوفة: الشوارع التى يعرفها، اللهجة التى يسمعها يومياً، الإيقاع الاجتماعى الذى نشأ فيه. حين استقررت فى بريطانيا دخلت فى تماسّ يومى مع عالم متعدد الثقافات واللغات. المدن البريطانية، خاصة لندن، تجمع أشخاصاً من خلفيات بعيدة جداً عن بعضها. هذا التنوع خلق نوعاً من المسافة التأملية بينى وبين المكان الذى جئت منه.
ماذا غير المنفى فى رؤيتك إلى العالم عموما؟
هذا التوتر بين الذاكرة والحاضر يفتح مساحات واسعة للتأمل داخل النصوص السردية، ويمنح الكتابة عمقاً مرتبطاً بتجربة الإنسان وهو يحاول أن يفهم موقعه داخل عالم متغير.
فى بعض نصوصك يظهر شعور الإنسان المنفى بأنه يعيش فى المكان دون أن ينتمى إليه بالكامل. كيف انعكس هذا الإحساس فى تجربتك الشخصية وفى شخصياتك الروائية؟
فى تجربتى الشخصية تشكل هذا الإحساس عبر سنوات العيش فى بريطانيا. المدينة تمنح شعوراً بالحياة الطبيعية، غير أن الذاكرة تبقى حاضرة فى الخلفية. هذا التداخل بين الحاضر والذاكرة يخلق شعوراً خاصاً بالانتماء المزدوج، أو اللاانتماء أحياناً.
تكتب بالعربية مع حضور واضح للذاكرة والثقافة الكردية. ما مدى انسجام الثقافتين العربية والكردية داخل مشروعك الأدبي؟
نشأتى ككرديّ فى بيئة كردية فى شمال شرق سوريا وضعتنى منذ البداية داخل فضاء ثقافى مزدوج. اللغة العربية شكّلت المجال الأساسى للتعليم والقراءة والكتابة، بينما كانت الثقافة الكردية المقموعة تحضر فى تفاصيل الحياة اليومية: فى الحكايات التى تُروى فى البيوت، فى الأغانى الشعبية، فى ذاكرة المكان واللغة التى يتداولها الناس فى حياتهم العادية. هذا التداخل بين لغتين وثقافتين كان تجربة معيشة تشكّل الوعى عبرها منذ الطفولة.
إلى جانب الكتابة، تدير «منشورات رامينا» وتنشر كتباً باللغة الكردية. ما هى الرؤية الثقافية خلف هذا المشروع فى علاقتها باللغة الكردية والثقافة؟
بدأت بالتعاون مع أخى الكاتب والمترجم عبدالله ميزر فكرة بناء مشروع نشر يحاول أن يفتح مسارات تواصل بين هذه العوالم اللغوية. أحد المحاور الأساسية فى فلسفة الدار يرتبط باللغة الإنكليزية، بحكم موقعها الواسع فى حركة النشر العالمية. الوصول إلى القارئ العالمى يمر غالباً عبر هذه اللغة، لذلك تعمل «منشورات رامينا» على بناء جسور مع فضاء النشر الإنكليزي، سواء عبر الترجمة أو عبر التعاون مع مترجمين وناشرين يعملون فى هذا المجال. حضور النص العربى أو الكردى فى اللغة الإنكليزية يمنحه فرصة للدخول فى حوار أوسع مع القراء فى بلدان متعددة، ويمنح تلك النصوص حياة جديدة خارج حدودها الجغرافية الأولى. بعد ذلك يأتى حضور اللغة العربية، بحكم اتساع فضائها القرائى وعمق تقاليدها الأدبية. العربية تمثل جسراً ثقافياً واسعاً يربط نصوصاً وتجارب متعددة فى المنطقة العربية وخارجها.
أما اللغة الكردية فتشكل القلب الثقافى العميق لهذا المشروع غير أن حضورها فى صناعة النشر الحديثة ما زال بحاجة إلى دعم أكبر. من خلال نشر كتب بالكردية تسعى الدار إلى تعزيز حضور هذه اللغة فى المشهد الثقافى العالمى المعاصر، وإتاحة الفرصة لنصوص أدبية كردية كى تصل إلى قراء جدد.
أين يتموقع الأدب العربى والكردى فى حركة الترجمة العالمية؟
الأدب العربى بدأ خلال العقود الأخيرة يحقق حضوراً متزايداً فى فضاء الترجمة العالمية. وصول بعض الأعمال إلى الجوائز العالمية واهتمام دور نشر كبرى بترجمة الرواية العربية خلقا حركة ملحوظة فى هذا المجال. روايات من بلدان مختلفة بدأت تجد طريقها إلى اللغة الإنكليزية ثم إلى لغات أوروبية أخرى. هذا التحول يفتح أمام الأدب العربى فرصة للتعريف بتجارب سردية متنوعة نشأت فى سياقات اجتماعية وثقافية مختلفة. اللغة الإنكليزية تلعب دوراً محورياً فى هذا المسار، لأنها تمثل نقطة عبور نحو فضاء عالمى واسع. حين تُترجم رواية عربية إلى الإنكليزية تصبح قادرة على الوصول إلى قراء فى بلدان عديدة، كما تفتح الباب أمام ترجمات لاحقة إلى لغات أخرى. من هذا المنطلق تأتى أهمية بناء جسور مع مترجمين وناشرين يعملون فى هذا المجال، لأن حركة الترجمة تحتاج إلى تعاون ثقافى طويل المدى. أما الأدب الكردى فيقف أمام فرصة كبيرة فى السنوات المقبلة. هذه اللغة تحمل إرثاً شعرياً وسردياً عميقاً، غير أن حضورها فى حركة الترجمة العالمية ما يزال محدوداً للغاية مقارنة بما تحمله من تجارب أدبية. هناك نصوص كردية مهمة تستحق الوصول إلى قراء خارج حدودها اللغوية. انتقال هذه النصوص إلى العربية ثم إلى الإنكليزية يمكن أن يمنحها حياة جديدة داخل المشهد الأدبى العالمي.
ماذا أفادتك تجربة الكتابة فى الصحافة الثقافية فى تطور مسارك الروائي؟
العمل فى الصحافة الثقافية فتح أمامى مجالاً واسعاً للاحتكاك اليومى بالنصوص والكتّاب والحوارات الفكرية حول الأدب. حين يقضى الكاتب سنوات طويلة فى متابعة ما يُنشر من أعمال ودراسات وحوارات مع كتّاب من ثقافات مختلفة تتشكل لديه رؤية أوسع لما يجرى فى العالم الأدبي. القراءة المتواصلة، والنقاش مع كتاب ونقاد، ومتابعة تحولات السرد فى بلدان متعددة، جميعها أسهمت فى تشكيل حس نقدى يرافق عملية الكتابة.
هذا المسار أثّر فى علاقتى بالنص الروائي. الكاتب الذى يعيش داخل حوار ثقافى دائم يصبح أكثر وعياً بالبنية السردية وبالأسئلة الفكرية التى يحملها النص. وفى الوقت نفسه منحنى العمل الصحفى علاقة خاصة مع الواقع. الصحافة الثقافية تعيش فى تماس مباشر مع الأحداث والتحولات الفكرية والاجتماعية. هذا القرب من الواقع يفتح أمام الرواية مادة غنية للتأمل. الكاتب يجد نفسه أمام أسئلة تتعلق بالمجتمع والهوية واللغة، وهى أسئلة تظهر فى كثير من النصوص الروائية.
ما الدافع وراء إنشاء الموقع الالكترونى «الرواية نت»؟
تجربة «الرواية نت» جاءت من رغبة فى بناء فضاء للحوار حول الرواية العربية والعالمية. المنصة تحولت مع الوقت إلى مساحة يتقاطع فيها صوت الكاتب مع صوت القارئ والناقد والمترجم. هذا الاحتكاك المستمر بالتجارب الروائية المختلفة منحنى فرصة لرؤية الرواية ضمن سياق ثقافى واسع، حيث تتجاور مدارس وأساليب وتيارات سردية متنوعة.
بعد مسار طويل فى الرواية والسيرة والنقد والنشر، ما الأسئلة التى ما زالت الكتابة تحاول الإجابة عنها فى مشروعك الأدبي؟
أحد الأسئلة التى ترافقنى منذ البدايات يتعلق بالهوية وبعلاقة الإنسان بالذاكرة والمكان والزمن. كيف يحمل الإنسان ماضيه معه فى كل انتقال جغرافى أو ثقافي؟ وهناك أيضاً سؤال يتعلق بدور الأدب فى زمن التحولات الكبرى. العالم يعيش تغيرات سياسية وثقافية متسارعة، والإنسان يجد نفسه أحياناً داخل واقع يصعب تفسيره بسهولة. جانب آخر من الأسئلة يتصل باللغة نفسها. الكتابة بالعربية مع حمل ذاكرة كردية والعيش داخل فضاء إنكليزى يخلق علاقة معقدة مع اللغة. النص يصبح مساحة تلتقى فيها هذه العوالم اللغوية، وأحاول أن أمنح التجربة الإنسانية صوتاً قادراً على التعبير عن تعقيدها.
إلى جانب ذلك يظل سؤال الإنسان الفرد حاضراً فى قلب المشروع الأدبي: كيف يحافظ الإنسان على كرامته وحريته داخل عالم مليء بالضغوط السياسية والاجتماعية؟ كيف يواجه الخوف والعنف والاقتلاع دون أن يفقد قدرته على الحلم؟







