للنهوض بالمركز القومى للترجمة

د. خالد توفيق: التجربة اليابانية أفضل خطة للنهوض بالمركز القومى للترجمة

خالد توفيق
خالد توفيق

حوار: منى نور
فاز الدكتور خالد توفيق، أستاذ الأدب الإنجليزى بكلية الآداب جامعة القاهرة، للمرة الثانية على التوالي، بلقب أكثر الشخصيات تأثيراً فى العالم العربي، وذلك فى الاستفتاء الذى نظمته مؤخراً مؤسسة ترجمان العرب الدولية بالإمارات. ولم يعتمد هذا الاستفتاء فقط على عدد الكتب التى أصدرها (62 كتاباً مؤلفاً ومترجماً)، ولا على حجم حضوره الأكاديمي، وإنما على ما أضافه إلى بنية الفكر الثقافى واللغوي، وعلى تأثيره المتراكم فى الوعى الثقافى والأكاديمي. وهى مسؤولية يرى الدكتور خالد أنه جدير بحملها فى المشهد الثقافي.
وعن هذا الاختيار يقول لأخبار الأدب: «هذه هى الدورة الثانية من هذا الاستفتاء، وقد فزت باللقب فى دورته الأولى العام الماضي، ضمن ترشيح 30 أستاذاً ومفكراً وعالماً وباحثاً على مستوى الوطن العربي، لاختيار الأكثر تأثيراً فى القراء والمتابعين، وحصلت حينها على 51٪ من الأصوات. أما فى الدورة الثانية التى أُقيمت هذا العام فقد حصلت على 79.7٪ من إجمالى الأصوات، وكان الفارق بينى وبين صاحب المركز الثانى 36 ألف صوت».
 ماذا يعنى مصطلح «شخصية مؤثرة»؟
يأتى التأثير من خلال إصدار عدد من الكتب التى تغطى معظم مجالات الترجمة، ففى مجال الترجمة الأدبية لى كتاب بعنوان «كيف تترجم عملاً أدبياً»، وفى المجال العلمى لى كتاب بعنوان «قواعد الترجمة العلمية والتقنية»، فضلاً عن تأليف قواميس متخصصة مثل «قاموس المصطلحات الدينية»، وقاموس «المصطلحات السياسية والبرلمانية»، واشتركت فى ترجمة قاموس لونجمان المعاصر، وأقوم حالياً بإعداد قاموسين «قاموس التعبيرات الاصطلاحية واللغة الدارجة»، وقاموس آخر عن «مصطلحات علم اللغة والترجمة».
 كيف بدأت رحلتك مع الترجمة؟
بدأت الترجمة عام 1999، وكان أول كتاب ترجمته بعنوان «فن إدارة المبيعات»، ومن خلال دار النشر التى أتعامل معها، قمت بترجمة أول موسوعة عن ذوى القدرات الخاصة (8 مجلدات) تتضمن كيفية التعامل مع هذه الشريحة من المجتمع، والتعريف بهم، وسرد المناهج التعليمية الخاصة بهم، والأنشطة التى تلائمهم وتضيف إليهم، وكيفية النهوض بقدراتهم العقلية والذهنية. بالإضافة إلى كيفية اختيار السلوك الخاص، الذى يمكن أن يسلكوه فى الفصل الدراسي.
بعد هذه الموسوعة، بدأت فى ترجمة سلسلة من الكتب للمركز القومى للترجمة- فترة رئاسة د. جابر عصفور- منها كتاب عن «الترجمة» وآخر عن «الدليل العلمى للترجمة الأدبية»، واشتركت مع الزميل د. عماد عبداللطيف فى ترجمة كتاب «الاستعارة فى الخطاب»، ثم اشتركت مع عشرة مترجمين فى ترجمة عمل موسوعى بعنوان «موسوعة أوكسفورد للبلاغة» وهو عمل يقترب حجمه من الـ3 آلاف صفحة، كما قدمت كتباً مؤلفة منها كتاب بعنوان «قواعد الترجمة الصحفية»، «أخطاء المترجمين الشائعة»، «كيف تترجم القرآن والحديث والفتوى، وكتب عن «فن تدريس الترجمة» و«إبداعات المترجمين».
 ما الذى تعمل عليه حاليا؟
بدأت مؤخراً فى ترجمة كتب عن الثقافة وتطوير الذات، وقد أصدرت منها كتاب «كيف تعرف أن الله موجود»، وكتاب آخر بعنوان «كلام يريح القلب»، وثالث بعنوان «حكايات من التاريخ وراء التعبيرات الشائعة»، وكتاب «معلومات عامة خاطئة انتشرت بين الناس»، كما أقوم حالياً بتأليف عدة كتب منها كتاب «كيف تكسب الآخرين دون أن تخسر نفسك»، وكتاب آخر بعنوان «الإسلام والآخر»، فضلاً عن مجموعة من الكتب التى تندرج تحت ما يسمى بالأدب الساخر، منها كتاب «زيارة لدماغ الشعب المصري»، و«لغة كوكب مصر الشقيق»، و«الكوكب من غير المصريين = زيرو خفة دم».
 كيف ترى العلاقة بين الترجمة والثقافة؟
الترجمة إحدى أهم أدوات نقل الثقافة بين الشعوب، بمعنى أننا تعرفنا على شكسبير والثقافة اليونانية عن طريق الترجمة، ولولا الترجمة ما حصل نجيب محفوظ على نوبل، لأن الترجمة هى التى قدمت فكر وعبقرية نجيب محفوظ للقارئ الغربي. فمعرفة الثقافات الأخرى لا تتم إلا عن طريق الترجمة، فهى أحد أهم السبل لنقل الثقافة بين الشعوب أو الحضارات، والدليل على ذلك اهتمام الدولة بإنشاء المركز القومى للترجمة.
 كنت أحد المرشحين لتولى رئاسة المركز القومى للترجمة، لكن الأمر لم يكتمل.. لو توليت رئاسة المركز بالفعل، فما رؤيتك للنهوض به وتطويره، خاصة أن الفترة الأخيرة شهدت توجيه كثير من الانتقادات إليه؟
هذا سؤال جيد، لدىَّ تصور أعلم تماماً أنه سهل التحقيق، ألا وهو تطبيق التجربة التى قام بها اليابانيون، سوف أوقع اتفاقية مع كبرى دور النشر فى العالم، تنص على أنه أى كتاب يصدر بأية لغة تصدر ترجمته العربية فى نفس يوم صدور الكتاب الأصلي، وهنا يكون القارئ المصرى والعربى قد واكب ما يحدث فى الغرب فى ذات الوقت، خاصة فى المجال العلمى المتصل بكل شئوننا الحياتية.
وللأسف الشديد، فإن ترجمة أى كتاب فى المركز حتى وقت صدوره، يمر بمراحل عقيمة تستغرق سنوات، يمر خلالها على عدة لجان، وقد تقترب هذه المدة من السبع سنوات، تكون مادته العلمية قد تقادمت، وعفا عليها الزمن وأكل عليها الدهر وشرب ونام.
كما تتضمن خطة نهوض هذا المركز، وضع خطة لعمل دورات مكثفة لشباب المترجمين من خلال فكرة سلة المهارات: كيف يتعامل مع الذكاء الاصطناعي، مهارات التواصل، البرمجة بالجرافيك، تصميم مقاطع الفيديو، والتصوير الصحفى المحترف.. بحيث يتحول المترجم إلى نموذج فى سلة المهارات. 
شيء آخر يدخل ضمن إطار خطة التطوير هو تكثيف الندوات، ودعوة المترجمين من أصحاب الخبرات، مع إعادة هيكلة الموقع الإلكترونى للمركز، والتركيز على ترجمة الكتب العلمية والتقنية، خاصة ما يتواكب مع خطة الدولة لعام 2030- 2050.
 ما تقييمك لعمل المركز الآن؟
للأسف الشديد كان التركيز - ولازال- على ترجمة الأعمال الأدبية والكتب ذات الطابع الأدبي، ونفتقد ترجمة الكتب العلمية والتقنية الحديثة التى تخاطب الروح العلمية المسيطرة الآن على العالم.
- مؤخراً تم اختيارك عضواً بلجنة الترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة.. هل لديك تصور للدور الذى يمكن أن تقوم به من خلال عملك فى اللجنة؟
حتى الآن لم تعلن المهام المفروض القيام بها، والتى تطرح عادة فى أول اجتماع، وأعتقد أن مساهماتى كلها سوف تنصب فيما ذكرته من أفكار ورؤى.
يشهد العالم الآن مستجدات متسارعة فيما يعرف بالذكاء الاصطناعى وما يصاحبه من تطورات هائلة فرضت واقعاً جديداً يتطلب تحديثاً مستمراً فى كل العلوم.. لكن هل أصبح يمثل تهديداً للترجمة كمهنة؟
مؤخرا ظهر إيلون ماسك بتصريح قال فيه: سوف أستغنى عن كل الوظائف فى العالم، وسوف أعيد كل الناس لممارسة الزراعة مرة أخرى، أرى أن هذا التصريح فيه مبالغة، فمن وجهة نظرى أرى أن التكنولوجيا أداة تسهل عمل الإنسان، مثلما سهلت برامج الكمبيوتر عمل المهندسين فى التصميمات، ومثل الأجهزة الطبية التى سهلت عمل الأطباء داخل غرف العمليات، أنا أرى أن الذكاء الاصطناعى سوف يسهل الكثير من عمل المترجم، وسوف يزيد من إنتاجه، فالكتاب الذى كان يستغرق ستة أشهر فى ترجمته بالذكاء الاصطناعى سوف ينجزه فى أسبوع، حيث إن برنامج الذكاء الاصطناعى يقوم بالترجمة، والمترجم يقوم بتحريره.
إلى أى مدى ترى أهمية إدخال تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى دراسة الترجمة والتخصصات الأكاديمية الأخرى؟
أرى أن الذكاء الاصطناعى ينبغى أن يدخل ضمن مقررات جميع التخصصات، لا الترجمة وحدها، لأنه مع مرور الوقت سيصبح أداة لا غنى عنها. ومن لا يمتلك قدراً كافياً من الإلمام بتطبيقاته سيجد صعوبة فى مواكبة التطورات المتسارعة التى تفرضها تكنولوجيا المعلومات.
هل يتعامل الذكاء الاصطناعى مع اللغة العربية بالسهولة نفسها التى يتعامل بها مع اللغات الأخرى؟ 
اللغة العربية لغة إنسانية مثل بقية اللغات، تتطور بتطور الزمن، يمكن لتطبيق الذكاء الاصطناعى التعامل معها بكل سهولة دون وجود أية مشاكل.. فليس هناك من شك أن اللغة المسيطرة الآن على العالم وعلى التكنولوجيا هى اللغة الإنجليزية، وهذا لا يمنع أن اللغات الأخرى تدخل فى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وعلى العرب أن يطوروا ذلك ويستعدوا لهذا التطوير وإلا سوف يتخلفون كثيراً جداً، ومن لن يتقدم سيتقادم.
 هل يصلح الذكاء الاصطناعى لترجمة جميع النصوص؟
توجد بعض النصوص التى تستعصى على الترجمة الآلية (ترجمة الذكاء الاصطناعي)، مثل النصوص الدينية والنصوص الأدبية التى تتضمن خلفيات أو حساً أدبياً عالياً، لا سيما فى ما يتعلق بترجمة النصوص الإبداعية، والتى لا يستطيع الذكاء الاصطناعى أن يتعامل معها بالحس نفسه الذى يتعامل به الإنسان المترجم. فالمترجم يتفاعل مع قصيدة الشعر، لأنه يمتلك خلفية عن الشاعر، وعن البيئة التى يعيش فيها، والظروف التى مر بها أثناء كتابة القصيدة، وما يؤمن به، ولذلك يكون أقرب إلى المعنى من الذكاء الاصطناعى أو الترجمة الآلية.
فى المقابل، قد تكون الترجمة الآلية أسرع وأكثر دقة فى النصوص الإحصائية والهندسية والطبية والقانونية، أما بعض النصوص الدينية والأدبية فتبقى عصية على المعالجة الآلية الدقيقة.
هل يمكن أن تتحرر الترجمة من سياسة السوق، بحيث تقدم محتوى ثقافياً حقيقياً لبناء القارئ وثقافته؟
ليس سوق النشر هو الذى يقدم المحتوى الثقافى الذى تقصدينه، الذى يقوم بذلك المراكز القومية التابعة للدولة مثل المركز القومى للترجمة، لأن هدفه الأساسى هو تقديم الترجمة والنهوض بالثقافة العامة ونقل الثقافات الأخرى إلى المجتمع... أما سوق العمل فى مجال الترجمة فليس له علاقة بالبناء الثقافي.. السوق لديه أعمال مطلوب ترجمتها، ويختار مترجمين للقيام بهذه المهمة، ولم يكن معنى بالهدف الأسمى وهو نشر الثقافة ونقل العلوم، فهى مهمة المراكز والمؤسسات التابعة للدولة.
ما المشاكل التى يواجهها المترجمون.. وما اقتراحاتك لحلها؟
أستطيع القول إن أبرز المشكلات التى يواجهها المترجمون اليوم تتمثل فى هيمنة الذكاء الاصطناعى على مجال الترجمة بصفة عامة، إذ تراجع حجم الأعمال المعروضة على المترجمين بشكل ملحوظ. ومن خلال متابعتى لعدد كبير من صفحات المترجمين، لاحظت تزايد الشكاوى من هذه الظاهرة خلال الفترة الأخيرة.
إلى جانب ذلك، هناك مشكلة أخرى لا تقل خطورة، وهى انتشار عمليات النصب، خاصة من بعض المكاتب والشركات خارج مصر، التى تغرى المترجمين بمقابل مادى كبير لترجمة نصوص معينة. وكثيراً ما يقع المترجمون، خصوصاً قليلى الخبرة، ضحية لهذه الجهات؛ إذ ينجزون الترجمة كاملة ثم يكتشفون أن مجهودهم قد ضاع دون مقابل.
لذلك يمكن القول إن المشكلتين الأساسيتين اللتين تواجهان المترجم اليوم هما: هيمنة الذكاء الاصطناعى على سوق الترجمة، وانتشار بعض الشركات الوهمية التى تستغل المترجمين وتستولى على أعمالهم.
وفيما يخص المقترحات التى أقدمها فى هذا الشأن: لابد من دخول الذكاء الاصطناعى فى جميع المواد والتخصصات القائمة، وليس فى الترجمة فقط، لأنه سيصبح لغة العصر والعصر القادم، ومن لم يكن ملماً بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، سوف يحس أنه إنسان الكهف والعالم كله صعد للفضاء وهو يعيش فى منطقة أخرى.