إيرينى باييخو: نحن مدينون للشرق

أسماء جمال عبد الناصر وعائشة المراغى وإيرينى باييخو
أسماء جمال عبد الناصر وعائشة المراغى وإيرينى باييخو

قبل انتهاء العِقد الأول من القرن الحادى والعشرين؛ زارت مصر لأول مرة. كانت لاتزال فتاة عشرينية تتحسس خطواتها فى سبيل تحقيق أحلام شغفت روحها. حلمت أن تصبح كاتبة؛ تروى حكاياتها مثل شهرزاد فتأسر الألباب وتنفذ إلى القلوب. وهو ما صار. لتعود بعد عشرين عامًا إلى الأرض ذاتها؛ مهد حلمها الأكبر. جاءت هذه المرة وهى كاتبة يحمل اسمها العديد من المؤلفات والمترجمات، بلغتها الإسبانية ولغات مختلفة حول العالم، وتزخر سيرتها بعدد من الجوائز المحلية والدولية. 

نزلت إيرينى باييخو (سرقسطة 1979) إلى أرض النيل مع ثلاثة من كتبها مترجَمة للعربية، صدرت خلال العامين الماضيين عن دور نشر مصرية وعربية، بترجمة مميزة لمارك جمال، من بينها «مانيفيستو القراءة» الصادر عن دار تكوين ومكتبة تنمية، و«أن تتذكر المستقبل» الصادر حديثًا عن دار ديوان. أما أكثرها شهرة وترجمة وحصدًا للجوائز فهو «اختراع الكتب: اللامتناهى فى بردية» الذى ينطلق من الحضارة المصرية القديمة ليروى تاريخ الكتب على مدار أكثر من ثلاثة آلاف عام، عبر حكايات البشر الذين حملوها وأنقذوها؛ النسّاخ والعبيد والفلاسفة والقرّاء المجهولون. 

وُلِدتُ فى بلد وحقبة صار الحصول على الكتب فيهما شيئًا سهل المنال. فى بيتى تطل الكتب من كل صوب.
اختراع الكتب: اللامتناهى فى بردية

فى ذلك الكتاب تعود إيرينى لمنبع الحكاية الأولى؛ إذ لطالما انتابها الفضول تجاه بدايات الأشياء، منذ بدأ والديها فى القراءة لها وهى فى الثالثة من عمرها. كانا قارئين نهمين ويمتلئ منزلهما بالكتب. اعتادا نسج الأساطير الرومانية واليونانية على مسامعها، ومع كل قصة يغيّران أسماء الأبطال، حتى ترسخ فى وجدانها يقين بأن تلك الكتب لا يملك العالم منها سوى نسخة واحدة فى حوزتها. وحين استمعَت للأوديسة؛ ظنت – ببراءة الأطفال – أن والدها هوميروس، وأن صوته هو الذى خطَّ ملاحم التاريخ. تتذكر أول كتاب ترك فيها أثرًا، قائلة: «أول كتاب أثر فىّ لم أقرأه بنفسى. سمعته بصوت والدى قبل النوم. كانت قصة عن البحر المتوسط؛ «عوليس» ومحاولته العودة إلى جزيرته «إيثاكا» ولقاءه بحوريات البحر».
كبرت إيرينى وكبر معها عشق الكتب، لذا اختارت فى المرحلة الجامعية أن تدرس فقه اللغة الكلاسيكى بجامعة سرقسطة، لتبحر فى أغوار اللغات القديمة وأسرارها، قبل أن تشد الرحال نحو إيطاليا، لتنال الدكتوراه الأوروبية من جامعة فلورنسا. هناك؛ بين المخطوطات القديمة والمكتبات التاريخية، بدأت تتشكل رؤيتها العميقة حول تاريخ الكتاب ورحلاته عبر الزمن، وراحت تبحث عن خيوط الوصل الخفية، خاصة وأن جزءًا كبيرًا من عملها يركز على دراسة واستكشاف الأدباء الكلاسيكيين، وأثرهم على العصر الحديث.
تلك المزاوجة بين اللغات والتاريخ تعود بدرجة كبيرة إلى والدها؛ ذلك العاشق العظيم للتاريخ، الذى لم يثنِه كونه خريجًا لكلية الحقوق وموظفًا؛ عن دراسته إياه فى سن متقدمة. تستحضر إيرينى الأثر قائلة: «كان للكتب الكلاسيكية الإغريقية تأثير كبير علىّ. أعتقد أن والدى، عندما بدأ يحكى لى الأساطير والقصص اليونانية، لم يكن يعلم أنه يفتح أمامى طريقى المهنى؛ فقد تخصصتُ لاحقًا فى اللغات القديمة. ويرجع ذلك إلى شغفى بتلك القصص التى كانت تُحكى لى قبل النوم، كانت – حقًا – أسعد لحظات يومى. من هذه الكتب أعمال «هوميروس» و«أفلاطون»، والتراجيديات القديمة؛ مثل قصة «نساء طروادة» التى جسدت معاناة النساء والأطفال فى الحروب، هذا الكتاب ترك أثرًا عميقًا بداخلى». 

إن القراءة عملاً من أعمال المقاومة فى حقبة يجتاحها سيل جارف من المعلومات المتوترة.
مانيفيستو القراءة

مثلما تركت «نساء طروادة» ذلك الأثر العميق عليها؛ لابد وأنها تأثرت بالعنف الذى يمزق العالم حاليًا، ما بين حروب وإبادة، وفظائع يعجز أمامها الضمير الإنسانى، وربما تفقد الكلمة جدواها فى مواجهة ذلك. تجيب باييخو قائلة: «عندما يحدث شىء فظيع كهذا، فلا شك أن الثقة تتزعزع، ويشعر المرء بألم وعجز هائلين. لكنى أعتقد أن هذا يعزز القناعة بأن طوق نجاتنا يكمن فى الحفاظ على شهادة ما يحدث وروايته كى لا يُنسى أبدًا. واعتبار التعليم والفكر أداة لمحاربة الأكاذيب، وللوقوف فى وجه ذلك التمجيد القبيح للحروب، والتمرد ضد القوة العارية التى تسعى لإخضاع أرواحنا».
تلك الكلمات صاحبها انفعال فى ملامح إيرينى، وحزن عميق بدا فى عينيها وصوتها الخافت، وهى تقول: «لقد فقدتُ صديقة فى غزة، ولهذا السبب يتأثر قلبى كثيرًا. تلك المجازر ولدَّت موجة من المظاهرات والدعم، لأنهم لم ينجحوا فى إخفاء ما كان يحدث. كانت الكلمة هى السبيل الوحيد لكسر طوق الأكاذيب الذى يُحاك حول الضحايا. وكأنَّ التاريخ يعيد إنتاج جراحه فى كل زمان؛ تذكرتُ حينها صرخة الملكة العجوز «هيكوبا» فى «نساء طروادة» منددة بقدرتنا على نسيان الضحايا. واستحضرتُ – كذلك – كلمات الشاعر الإسبانى «غابرييل ثيلايا» بأن الكلمة سلاح مدجج بالمستقبل».
وكما استدعت ذاكرة إيرينى صرخة «هيكوبا» وكلمات «ثيلايا»؛ استحضرتُ بدورى ما سطرته هى فى كتابها «اللامتناهى فى بردية» بأن الكتب تولِّد التعاطف لدى الناس، رغم أن هناك العديد من السياسيين عبر التاريخ كانوا قراء، لكنهم استخدموها بطريقة غير سلمية، مثل تشرشل وستالين وغيرهما. تقول: «القراءة لا تجعل منك شخصًا جيدًا بشكل تلقائى. إنها تعينك على فهم آليات الأهواء، والمخاوف، والطموح، وآمال الآخرين بشكل أفضل. هذا قد يساعدك على أن تجد نفسك فى هؤلاء الآخرين، لكنه قد يساعدك – كذلك – على التلاعب بهم والسيطرة عليهم. أعتقد أن القراءة تحتاج إلى حساسية معينة وحسن نية وقصد طيب؛ مثل كل الأدوات، سلاح ذو حدين، يمكن أن تكون مفيدة جدًا فى الحياة، ويمكن – أيضًا – استخدامها ضد الآخرين».

لطالما خفتُ كتابة السطور الأولى، وعبور بوابة الكتاب الجديد. هأنذا أرجئ المسألة أيَّامًا أخرى، أدرك خلالها ما الذى يعنيه أن يكون المرء جبانًا ببساطة، لا أشعر بأننى قادرة. مع كل كتاب أعود إلى نقطة الانطلاق، وإلى القلب الجياش بالعواطف، كعهدى فى المرات الأولى كلها.
اختراع الكتب: اللامتناهى فى بردية

بدأت إيرينى رحلتها فى عالم النشر عام 2008، حيث استهلت مسارها برسالة الدكتوراه التى تناولت الشاعر الرومانى «مارتيال»، وسرعان ما وجدت الكلمات طريقها من رحاب الجامعة إلى فضاء الصحافة، فجمعت مقالاتها التى نُشرت فى صحيفتى «هيرالدو دى أراغون» و«إل باييس» الإسبانيتين، لتصدرها فى كتابى «الماضى الذى ينتظرك» 2010، و«تحدث أحدهم عنا» 2017. وأثناء ذلك؛ ولجت إلى عالم الرواية فى 2011، بروايتها الأولى «النور المدفون»، التى تتناول الحرب الأهلية الإسبانية فى سرقسطة عام 1936. وفى 2015، جاءت روايتها الثانية «صفير الرامى»، لتعيد صياغة أصداء «الإلياذة» و«الإنيادة» عبر قالب سردى تتقاطع فيه الأساطير الكلاسيكية مع الحاضر.
ولأنها تؤمن بأن الكلمة «سلاح مدجج بالمستقبل»، لم تغفل إيرينى الصغار؛ إذ نشرت كتبًا للناشئة تعيد إحياء التراث بأسلوب بصرى ونصى، فصدر لها «مخترع الرحلات» 2014 بالتعاون مع الفنان خوسيه لويس كانو، و«أسطورة المد الهادئ» 2015 بالتعاون مع الرسامة لينا فيلا.

لقد عملتُ باحثة طيلة أعوام، فرُحت أوثق، وأرجع إلى المصادر، وأحاول التعرف بالمادة التاريخية. وإذا بى متى حانت ساعة الحقيقة، أرى القصة الواقعية الموثقة التى أكتشفها مذهلة إلى حد يجعلها تجتاح أحلامى، وتكتسب شكل حكاية، رغما عنى.
اختراع الكتب: اللامتناهى فى بردية

فى 2019؛ كانت اللحظة الفاصلة التى أعادت تشكيل مسيرة إيرينى باييخو، حين نشرت كتابها «اختراع الكتب: اللامتناهى فى بردية» الذى وصفه يوسا بأنه تحفة فنية، وقال عنه مياس «فريد من نوعه». فى هذا الكتاب وضعت باييخو كامل خبرتها فى السرد والبحث والحياة، إذ مزجت بين الكتابة الروائية والبحث الأكاديمى والسيرة الذاتية، وقررت – علاوة على ذلك – أن تحقق حلم الماضى، فاستدعت روح شهرزاد فى حكايات «ألف ليلة وليلة»، لتجعل من تاريخ الكتب قصة متصلة مليئة بالمغامرات، والحروب، والجهود البطولية للأفراد المجهولين الذين حافظوا على المعرفة. بدءًا من مكتبة الإسكندرية، وفتوحات الإسكندر الأكبر، ومرورًا بقصور كليوباترا وبطليموس، وأمين المكتبة زينودوتوس والمفهرس كاليماخوس، وغيرهم.
من بعده حصلت باييخو على جوائز دولية عدة؛ مثل جائزة ونجين من المكتبة الوطنية الصينية، وألفونسو رييس من نويبو ليون فى المكسيك، ووصلت للترشيحات النهائية لجائزة الأكاديمية البريطانية، وجائزة هنريكيز أورينا من الأكاديمية المكسيكية. وفى إسبانيا، فازت بجائزة الدولة للمقال، جائزة «العين الناقدة» للسرد، جائزة نقابة المكتبات، جائزة مكتبات مدريد، جائزة القائد الإنسانى، جائزة خوسيه أنطونيو لابورديتا، جائزة أنطونيو سانشا من دور النشر، وجائزة الفنون والآداب، إضافة إلى جائزة أراجون 2021.  ومؤخرًا، نالت على الميدالية الذهبية للاستحقاق فى الفنون الجميلة من الحكومة الإسبانية، ومنحتها جامعات عدة درجة الدكتوراه الفخرية مثل جامعة كوليما فى المكسيك (2024)، جامعة APEC فى جمهورية الدومينيكان، وجامعة منينديز بيلّايو فى إسبانيا (2025).
عن فلسفة مشروعها تقول إيرينى: «أنا أدافع عن قيمة الكتب إيمانًا منى بأنها السلاح الأهم فى مواجهة الأخطار التى تتهدد البشر. ففى نظرى؛ الجمود وتكلس الأفكار المسبقة هما الوقود الحقيقى لشرارة العنف. لقد كانت القراءة لى، على الدوام، درسًا فى التواضع، وتربية للروح على إدراك حقيقة أنه لا يحق لأى شعب أن يختال على غيره أو يرى نفسه أسمى من الآخرين. إننا نوقن أن الأدب هو الجسر الذى نعبر به نحو إنسانية الآخر، لنصل فى نهاية المطاف إلى رعايته والاحتفاء بوجوده كما نحتفى بوجودنا». 

ما هو إلا زمن يسير حتى وُلد ابنى مُصابًا بمتاعب صحية خطيرة، فبقى نزيلا بمستشفى الطفل طيلة عدة شهور، حيث مضى يصارع من أجل الحياة. وهناك، خلال أوقات الفراغ القصيرة، بدأتُ أضفر خيوط هذه القصة، قصة المغامرة الكبرى التى خاضتها الكلمة، و-لعلنى- مضيتُ أبحث فيها عن ملاذ مشرق هادئ.
اختراع الكتب: اللامتناهى فى بردية

استغرق عمل إيرينى باييخو على ذلك الكتاب؛ ما يزيد على عشرة أعوام، تخللتها فى 2015 تجربة عصيبة ظنت معها أن مسيرتها الأدبية قد انتهت. لم تدرك أن المنحة قد تخرج من قلب المحنة؛ حيث قضت عامًا طويلًا بين جدران المستشفى وأروقة العناية المركزة، ترعى وليدها الذى ينازع فى مجابهة متلازمة بيير روبن. حينذاك قررت أن تجعل من هذا الكتاب رسالة وداع أخيرة تليق بالأدب ومهنة الكتابة. غير أن هذا العمق العاطفى جعلها تجد فيه معالجًا نفسيًا، وترسيخًا لإيمانها بأن الكتب هى الملاذ الآمن والمعين وقت الأزمات، إذ صارت الكتابة، خلال تلك الليالى الطويلة التى قضتها بجانب ابنها؛ وسيلة لنجاتها والتعبير عن قلقها وآمالها.
فى خضم تلك الأزمة، لم تتخل إيرينى عن الكتب والاستقواء بها، ومن داخلها اختارت اسم ابنها ليكون معينًا له فى محنته، تحكى: «وُلِد بيدرو وهو يعانى من مشاكل صحية كبيرة. كان مريضًا جدًا فى البداية لدرجة ظننا معها أننا قد نفقده. اخترنا له هذا الاسم المشتق من كلمة «بيدرا» (Piedra) والتى تعنى حجر، ليمنحه القوة والصلابة التى يحتاجها كى ينجو. كما أنه عنوان رواية مكسيكية نحبها أنا وزوجى كثيرًا؛ «بيدرو بارامو» للكاتب خوان رولفو».

اليوم صرنا نتأمَّل الطفولة وألغازها باهتمام مفعم بالشغف.
أن تتذكر المستقبل

فى زيارتها الأخيرة إلى مصر؛ جاءت إيرينى باييخو برفقة ابنها بيدرو وزوجها السينمائى إنريكى مورا، الأستاذ بقسم تاريخ الفن فى جامعة سرقسطة. يتحرك بيدرو فى محيط والدته، بحدقتين متسعتين ونظرة ثابتة، تحمل قدرًا من اسمه. لا يتدخل أو يسبب تشتيتًا وقت العمل، لكنه يشارك فى كل الفعاليات بجانب إيرينى؛ يقرأ معها، ويتحدث مع الحضور، ويوقِّع الكتب لهم. أما هى؛ فتتابعه بدقة. أثناء الحوارات الصحفية، تنظر تجاهه بشكل متكرر. وعلى المنصات، تراقب حركته بينما تتحدث للجمهور. يظل تحت بصرها، وعلى الدوام تدرك مكانه. 
هذا الرباط الذى نشأ بين باييخو وبيدرو قد يبدو طبيعيًا بين أم وابنها، لكن التجربة التى يعيشانها منذ ولادته، وما صاحبها من تغيرات كبيرة فى حياتها على كل المستويات؛ جعل الأمر أكثر عمقًا، ويستحق التدوين. وهو ما تعمل عليه إيرينى حاليًا، إذ تعِدّ كتابًا عن الرعاية، يقوم بالأساس على تجربتها منذ استقبلت بيدرو، ومن المنتظر أن تقدمه بسرد روائى، مدمجًا ببحث دقيق ورؤية شاملة، خاصة وأنها تعبّر فى كل مناسبة عن امتنانها العميق للنظام الصحى والتعليمى العام فى إسبانيا، الذى كان له دور حاسم فى تلقى ابنها الرعاية اللازمة ومساعدته على تجاوز الصعوبات الصحية. تقول: «رعاية شخص عزيز جدًا؛ أمر لا يتم تقديره أو الاعتراف به كثيرًا، رغم أن القيام بذلك يتطلب – عادة – التضحية بمهنتك وحياتك ووقتك».

الحكايات توسع الأفق. وعلى مدى قرون، اتُّخِذَت الحكايات فى الشرق بوصلةً يبحث بها المرء عن وجهته فى الحياة.
أن تتذكّر المستقبل

فى رحلتها الأولى إلى مصر؛ كانت باييخو فتاة حالمة تشعر بانجذاب غامض نحو هذه الأرض، موطن البردى ومسقط رأس أقدم الكتب، واستشعرت حينها أن هنا يكمن أصل شغفها الذى نذرت له حياتها. أما فى هذه العودة، فتشعر أنها تعود للأماكن التى عاشت فيها طويلاً بين دفتى بحثها؛ بدءًا من الإسكندرية، التى تزورها للمرة الأولى، لكنها أحسَّت بأنها تعود إلى مكان عرفته وعاشت فيه بالفعل من خلال القراءات والبحث؛ مكان أحبته وتجوّلت فى أروقته خيالاً قبل أن تلمسه قدماها.
ومن الإسكندرية إلى القاهرة؛ جاءت وهى تحمل بين يديها كتاب «الأيام» لطه حسين، الذى يبهرها كلما قرأت فيه، حتى صار أحد كتبها المفضلة، وتستعين به حاليًا فى كتابها عن الرعاية. وخلال الأيام التى قضتها فى مدينة الألف مئذنة؛ زارت جامع الأزهر، وتتبعت خُطا نجيب محفوظ فى الجمالية، لترى بعينيها ما قرأته فى الثلاثية، بصحبة المترجم مارك جمال، الذى وُلد فى الحى نفسه. تقول: «أحب أن أتتبع خُطا المؤلفين، وقد فعلتُ ذلك فى الإسكندرية مع كفافيس. أهم ما تعلمته من هذه الرحلات، رغم الاعتقاد السائد بأن الغرب هو مركز العالم؛ أننا مدينون بدين كبير للشرق».

لم تكُن القراءة يومًا بالنشاط المنعزل، حتى وإن قرأنا فى غياب الرفقة، فى حميمية البيت. بل إن القراءة عمل جماعى يقرِّبنا إلى عقول أخرى، ويستمر فى تأكيد إمكانية التفاهم التى تتمرد على الأزمنة والحدود الجغرافية.
مانيفيستو القراءة

مثلما صحبها المترجم مارك جمال فى جولاتها داخل القاهرة؛ كان هو رفيق كتبها لتُنقل من الإسبانية إلى العربية، والوسيط بين ثقافتين، وهو الدور نفسه الذى لعبته الكاتبة والمترجمة أسماء جمال عبد الناصر خلال لقائى مع صاحبة «اختراع الكتب»، تقول إيرينى: «المترجمون مهمون للغاية، بدونهم لا يمكننا الاطلاع على الأدب. هم يمدون الجسور. لكن للأسف؛ هناك نقص كبير فى ترجمات الأدب العربى المعاصر إلى الإسبانية. إلا أننى أعرف الأسماء الكبيرة، مثل أدونيس وأمين معلوف، ومؤخرًا تم نشر أنطولوجيا للشعر الفلسطينى فى إسبانيا، مما أتاح لنا قراءتهم. كما أننى أسأل الناس دائمًا، عندما أسافر إلى بلد ما؛ عن المؤلفين الذين يجب أن أقرأهم من أدبهم، ثم أبحث عنهم. هنا أنا مهتمة جدًا بالنساء، وبأدب النساء، أعرف وأدوِّن الأسماء ثم أبحث عنها فى إسبانيا».
وكما بدأت الحكاية مع الأوديسة، ننهيها عنده كذلك، حيث أسألها «إذا اختفت كل الكتب ولم يتبقَ سوى كتاب واحد، فماذا سيكون بالنسبة لكِ؟». فتجيبنى فورًا: «من المؤكد أنه سيكون «الأوديسة»، لأن والدى كان يحكيها لى. الأمر لا يتعلق بالكتاب فقط، بل بذكرى الطفولة، وذكرى والدى الذى توفى. بين صفحات الأوديسة أتذكره مجددًا، أجده حيًا وأشعر كأننى أتحدث معه. فعندما تشارك كتابًا مع شخص آخر أو تقرأه معه، يصبح هذا الكتاب ذكرى للوقت الذى قضيتماه معًا. والآن أنا أفعل ذلك مع بيدرو».