الشاعر الفلسطينى ناصر رباح : أحاول العثور على الشعر بين أنقاض غزة

الشاعر الفلسطينى ناصر رباح
الشاعر الفلسطينى ناصر رباح

حوار: بياتريث ليكومبرى

ترجمة: مها عبد الرءوف


من منزله شبه المدمر من القصف الاسرائيلي، إلى مخيم المغازى بوسط قطاع غزة، حيث ولد عام 1963، يتحدث الشاعر الفلسطينى ناصر رباح وسط دوى القنابل وصرير الرصاصات مع صحيفة الباييس الاسبانية بمناسبة صدور ديوانه الجديد «غزة.. قام الشعر بدوره»، الذى كتب جزءًا كبيرًا منه خلال الشهور الأخيرة الماضية حوار استغرق عدة أسابيع، حيث كانت الأسئلة تظل عالقة بلا إجابات لأيام وفى نبرة اعتذار يقول رباح مبررا ذلك: «مسئولياتى اليوم تغيرت كثيرا وحُملت بأعباء لم تكن فى الحسبان.. أصبح عليّ أن أحمى أبنائى من الشظايا والرصاصات الطائشة». 

يعد ناصر رباح أحد أهم الشعراء الفلسطينيين المعاصرين، ونشرت له عدة دواوين بالعربية والانجليزية والفرنسية والإسبانية.

وتقول انماكولادا خيمينيث موريل، مديرة النشر بدار «إديثونيس دل أورينتى ودل ميديترانيو» الإسبانية: «فى قصائد رباح ثمة منازل مدمّرة، وطيور تهرب، وموتى، ومشوّهون، وغبار، وفراغ، وحزن، وخوف لكن ثمة بصيص أمل.

لقد تحررت أعماله من الزخرفة لتتحوّل إلى وسيلة يومية للنجاة إن جمال شعره، يكمن فى تلك البساطة الجارفة والمبتكرة، القادرة على تصوير معاناة وصمود الغزّيين فى ومضة واحدة» أما رباح نفسه فيؤكد أنه: «فى أوقات الحرب يرى أن الشعر يصبح واجبًا وطنيًا.. مهمة قومية لتوثيق الكارثة».

كيف تكتب الشعر وسط الحرب والفرار المتواصل والجوع؟

الحقيقة إن إيقاع الكتابة بالنسبة لى تسارع على نحو كبير، ذلك أن الادرينالين يتدفق فى عروقى طوال الوقت، ومشاهد الحزن والألم والأهوال تتسارع أمام عينى وفى قلبي.

تكتب أصابعى بسرعة لتعبر وتصرخ رغم المهام والمسئوليات التى أصبحت تقع على عاتقى ولم تكن فى الحسبان، إذ أصبح عليّ أن أحمى أبنائى من الشظايا والرصاصات الطائشة، وأن أبحث عن الطعام وأحافظ على الحد الأدنى من النظافة، وأعمل على تأمين الحطب.

وهذا بلا شك نوع آخر من الشعر.
فى أوقات الحرب لا يشغلنا كثيرا جودة القصيدة، أو بنيتها، أو موسيقية اللغة، أو الاستعارات..نحن ببساطة نكتب ما يحدث وما نراه. ربما بهذا تصبح النصوص أكثر واقعية.

ولكن، ومن المدهش، أنه عند النظر إليها من الخارج، قد تبدو هذه الأبيات جميلة من الناحية الجمالية، وتصل أحيانا إلى مستوى من الخيال السينمائي، لأن الواقع فى غزة يبدو فعلا وكأنه خيال. نكتب، على سبيل المثال، عبارات مثل: «درّبنا أعيننا على أن نعدّ بشكل خاطئ الأطراف التى نفقدها» وهى عبارة صحفية، بل وحتى شاعرية. 

ماذا تريد أن تقول بهذه العبارة؟
أنا أشير للأشخاص، وخاصة الأطفال الذين تعرضوا لبتر أطرافهم، احيانا بدون تخدير نشاهد كل يوم أناسًا قد فقدوا ذراعا أو ساقا وأصبح هذا بالنسبة لنا أمرًا عاديًا، وأعتقد أنه لكى نتغلب على الحزن والألم أصبحنا نحاول أن نراهم كاملين بذراعين أو ساقين، وعلى هذا فنحن ندرب أنفسنا على أن نعد بشكل خاطئ الأطراف التى نفقدها. 

منذ عدة شهور كتبت هذا البيت «فى الحرب يختنق القلب، تحترق كلماته، تذوب الطيور فيه مثل ندى أحمر، وتُحلّق حول سارية عظيمة يسمّونها الوطن»

نعم.. فى أوقات الحرب أنا أرى الشعر باعتباره واجبًا وطنيًا، مهمة قومية لتوثيق الكارثة التاريخية والتعبير عن مخاوف الناس الذين يعيشون تحت القصف وفى ظل النزوح المتواصل.. مهمتى حاليًا محاولة العثور على الشعر بين أنقاض غزة.

متى وكيف تكتب؟
بعد الانتهاء من المهام اليومية التى لا غنى عنها لكى نستطيع النجاة أنا وعائلتى ، أشعر بأننى منهك ومكتئب.. هذا بالإضافة إلى الأنباء التى تأتينا كل يوم عن إصابة أو استشهاد أحد من الأصدقاء أو الجيران.

ولكنى أكتب على هاتفى المحمول الكثير من القصائد.. أكتب قدر ما استطعت، أكتب بروح منهكة، ولكنى أكتب لأنى أشعر أن ذلك يحررنى بطريقة ما من الشعور بالإحباط إنها وسيلتى لمواصلة التحمل حتى تنتهى الحرب. 

هل مكثت أنت وعائلتك فى منزلك طوال فترة الحرب؟

لا لقد غادرناه إلى منزل آخر لمدة 40 يوما فى يناير 2024، ثم عشنا فى خيمة ولكننا عدنا إليه بعد ذلك. لقد كان مدمرا بشكل جزئى فنظفنا الركام وأصلحنا بعض الجدران وها نحن نعيش فيه.

ولكنها أيام قاسية للغاية، فالقصف لا يتوقف ونحن على مقربة جدا من الحدود مع إسرائيل وهو ما يزيد من المخاطر جدا.. أضف إلى ذلك ندرة الطعام وشح الأموال. 


هل تعرضت مكتبتك الشخصية للتدمير بفعل دبابة إسرائيلية؟
نعم. لقد كان منزلى ومنزلان مجاوران هدفًا للدبابات الاسرائيلية خلال غزو مخيم المغازي، ولدى شعور بأن المكتبة تعرضت للقصف بشكل متعمد، ذلك أن الغرفتين الآخريين كانتا فعلا فى مرمى نيران الدبابة، لكن الغرفة التى تضم المكتبة كانت تحتاج توجيها من زاوية ضيقة جدا حتى تصيبها القذيفة.

فى هذه الحرب قُتِل كتاب وشعراء وفنانون وأساتذة جامعة وتعرضت المراكز التعليمية والثقافية والتاريخية للقصف.

كيف ترى هذا؟
أعتقد أن الهدف الرئيسى لإسرائيل محو أية إمكانية لوجود هوية سياسية فلسطينية أو بمعنى آخر دولة فلسطينية فى المستقبل، ولهذا فهم يدمرون المنازل والمستشفيات والمدارس والمساجد والمراكز الثقافية والأماكن التاريخية، إلى جانب القضاء على أكبر عدد ممكن من المدنيين. كما أنهم يستخدمون سلاح الجوع ضد المواطنين لإجبار أكبر عدد منهم على الخروج من غزة.

ما أحدث قصيدة كتبتها؟
قصيدة بعنوان «كيف نموت» وقد أنهيتها قبل يومين وتقول: كم ماتوا، لم يعد يهم كم متنا، لا ذاكرة تُجيد العد الحرب سماء قبيحة موسيقى خلفية لمحرقة تتكرّر/كم ماتوا، لم يعد يهم/الأيادى المحترقة لا تعرف العدّ.

إنها تقطر حزنا.
إننى أعكس فيها حياتنا الراهنة، أحيانًا أعتقد أننا أصبحنا تعساء فى غزة حتى أصبحت مشاعرنا كالأموات نحن نذهب إلى الجنازات بشكل متكرر كأنما نذهب إلى السوق، أصبح لدى أطفالنا القدرة على التمييز بين أصوات الطلقات والقذائف، أضحى الموت كأنما هو ظل يرافقنا أينما ذهبنا قصائدى حزينة بالفعل لأنها تتحدث عن آلام الناس بسبب الحرب لكنها تتحدث أيضا عن الصمود وعن قوة الناس وإنسانيتهم وقدرتهم على التصدى لكل محاولات إسرائيل لسحقهم.