فى عشرينيات القرن الماضى، استأجر إدوارد بيرنيز ــ مستندًا إلى نظريات خاله سيجموند فرويد ــ فتياتٍ ليتظاهرن فى مسيرةٍ بنيويورك، وأشعلن السجائر أمام عدسات الصحافة بوصفها «مشاعل الحرية». فى يومٍ واحدٍ، تحول التدخين من سلوكٍ منبوذٍ إلى رمزٍ للتحرر؛ واشتعلت المبيعات بين نساءٍ اعتقدن واهماتٍ أنهن يمارسن حريتهن، بينما كن ينفذن خطةً تسويقيةً رُسمت لهن بدقَّةٍ وراء الكواليس.
تكمن القيمة النقدية لهذه الواقعة فى كشفها عن آلية «تسليع القيم»؛ حيث تُفرغ الغرائز الإنسانية من مضمونها لتُكثف فى سلعةٍ ماديةٍ. هذا الخداع المنظم لم ينتهِ، بل أضحى اليوم نظامًا عالميًّا تُديره خوارزميات التواصل الاجتماعى عبر الشاشات المضيئة فيما يُعرف بـ «الاستهداف السلوكى المبرمج»، والذى امتد ليتغلغل فى أعمق حصون الهوية: اللغة؛ ذلك بمقتضى الاستلاب اللغوى وهندسة الهجين.
إن تفكيك الوعى المعاصر يكشف عن عملية «تسليع» خطيرةٍ للمكانة الاجتماعية؛ حيث جرى ربط الرقى والتحضر بالتحدث بلغة الآخر وهجر اللغة الأم. يُصنع اليوم وعى لغوى زائف يرى فى استخدام الألفاظ الأجنبية علامة تميز طبقى وثقافى، فيمارس جيل الشباب هذا الاستلاب بحماسةٍ بالغةٍ، ظنًا منهم أنهم يمارسون حريتهم الفكرية، دون إدراكٍ أنهم يعيدون إنتاج تبعيتهم الثقافية طواعيةً.
وتتولى الخوارزميات الرقمية تعميق هذا الاغتراب عبر فرض أنماطٍ تعبيريةٍ مشوهةٍ وسريعةٍ، تُسوق بوصفها رغبةً فى التمرد على «سلطة النص القديم»، بينما هى فى الجوهر تقطع الحبل السرى الذى يربط المتلقى بهويته وتراثه المعرفى.
لقد تحولت «مشاعل الحرية» القديمة إلى «شاشاتٍ رقميةٍ» تبتلع الذوق اللغوى، ليعيش الإنسان المعاصر استلابًا مزدوجًا؛ يُساق فيه داخل فقاعاتٍ افتراضيةٍ، ويتحول إلى حارسٍ طوعيٍّ على سجن وعيه وهويته، يمارس هدم لغته بيده وهو يظن أنه يتجه نحْو «العالمية».



اجيب لك إيه معايا ؟
الشمس لا تشرق على غزة
ذاكرة مصر بالصوت والصورة









