تقيس ردود الأفعال عبر نماذج محاكاة من خلال الذكاء الاصطناعى

معامل «توليد» الشائعات صيحة جديدة فى صناعة الكذب

 نماذج محاكاة من خلال الذكاء الاصطناعى
نماذج محاكاة من خلال الذكاء الاصطناعى


«فى دقائق معدودة، انتشرت منشورات تزعم عودة تخفيف الأحمال أربع ساعات يوميًا، مئات المشاركات وآلاف التعليقات سبقت البيان الرسمى، وبينما كان البعض يعيد نشر الخبر، كان آخرون يستعدون لشراء بطاريات ومولدات..»
فى هذا المثال لم تعد الشائعة فى العصر الرقمى مجرد خبر كاذب ينتشر بالصدفة، بل أصبحت أقرب إلى صناعة متكاملة تُختبر فيها الرسائل وتُقاس فيها الاستجابات وتُضبط على نحو يجعلها أكثر قدرة على اختراق الوعى العام. ومع تطور الذكاء الاصطناعى، لم يعد التضليل يعتمد فقط على النصوص المضللة أو الصور المفبركة، بل أصبح يستند إلى أدوات قادرة على محاكاة السلوك البشرى نفسه، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التأثير يصعب اكتشافها فى وقت مبكر.. تبدأ داخل ما يشبه بـ «معامل رقمية» تختبر الأفكار وتقيس ردود الأفعال قبل أن تصل إلى المستخدمين.. وفى هذه البيئة الجديدة، لم يعد الهدف نشر معلومات مضللة بصورة عشوائية، وإنما تصميم رسائل موجهة بعناية، تستند إلى تحليل البيانات والسلوك البشري، بما يزيد من فرص انتشارها وتأثيرها.

توائم رقمية ومجتمعات افتراضية تحاكى الواقع وتتلقى الأكاذيب قبل بثها للجمهور 

مجلس الوزراء:113% ارتفاعا فى نسبة الشائعات خلال النصف الأول من العام

فى هذا التحقيق، تفتح «الأخبار» ملف «معامل الشائعات» و»التوائم الرقمية» للرأى العام، وتبحث كيف غيّر الذكاء الاصطناعى قواعد التضليل الرقمى، وأين يقف الحد الفاصل بين البحث العلمى والاستخدام غير المشروع، من خلال مراجعة أحدث الدراسات العلمية والاستماع إلى آراء خبراء الذكاء الاصطناعى والأمن السيبرانى وعلم النفس والاجتماع، إلى جانب الجهات المعنية بمكافحة الشائعات.
فى البداية، برز مفهوم التوأم الرقمى الاجتماعى باعتباره أحد أكثر التطبيقات إثارة للجدل، والفكرة باختصار هى إنشاء نموذج ذكى يحاكى فردًا أو مجموعة أو حتى مجتمعًا صغيرًا، بحيث يمكن اختبار الرسائل وردود الفعل المحتملة قبل نشرها فى الواقع، وعلى الرغم من أن هذا التطور يحمل قيمة علمية واضحة فى فهم التفاعل الإنسانى، فإنه يثير أيضًا أسئلة أخلاقية خطيرة، لأن الأداة التى صُممت للفهم قد تُستخدم لاحقًا فى التوجيه والتلاعب..وتكشف دراسات حديثة أن نماذج الذكاء الاصطناعى باتت قادرة على محاكاة التفاعلات الاجتماعية داخل مجتمعات افتراضية، وهو ما يثير تساؤلات حول إمكانية استغلال هذه القدرات فى اختبار حملات التأثير أو الشائعات قبل توجيهها إلى الجمهور الحقيقي.. وفى المقابل، يؤكد الباحثون أن هذه التقنيات طُورت فى الأساس لأغراض علمية وبحثية، لكن إساءة استخدامها تمثل تحديًا متزايدًا أمام الحكومات ووسائل الإعلام والمجتمع.
من الشائعة إلى الهندسة
قبل ثلاثة أعوام وبالتحديد فى عام 2023، قدم باحثون من جامعة ستانفورد وجوجل دراسة بعنوان «Generative Agents: Interactive Simulacra of Human Behavior»، نجحوا خلالها فى بناء مجتمع افتراضى يضم 25 وكيلاً ذكياً، لكل منهم ذاكرة وشخصية وأهداف يومية، يتفاعلون بصورة تلقائية داخل بيئة تحاكى الحياة الواقعية. ولم يقتصر الأمر على تنفيذ أوامر مبرمجة، بل أظهر الوكلاء سلوكيات جماعية ناشئة، مثل تبادل المعلومات، وتنسيق الأنشطة، وتوجيه الدعوات إلى المناسبات، من دون برمجة كل خطوة مسبقًا.. وفى السياق نفسه، حذرت تقارير دولية من أن الذكاء الاصطناعى لا يبتكر الشائعة من فراغ، لكنه يجعل إنتاجها وتخصيصها ونشرها أسرع وأكثر كفاءة، وهو ما يفرض تحديات متزايدة على المؤسسات الإعلامية، وجهات إنفاذ القانون، ومنصات التواصل الاجتماعى، خاصة بعد ارتفاع الشائعات فى 2026 وفقًا لتقرير صادر عن المركز الإعلامى لمجلس الوزراء، حيث ارتفع عدد الشائعات التى جرى رصدها فى النصف الأول من عام 2026 بنسبة 113% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وكانت أكثر من 57% منها مرتبطة بالتطورات الإقليمية، بينما استهدفت قطاعات مثل الاقتصاد والطاقة والصحة والسياحة..بينها مزاعم عودة تخفيف الأحمال لمدة أربع ساعات يوميًا، وشائعة قطع خدمة الإنترنت ليلًا لتقليل استهلاك الكهرباء، إلى جانب مزاعم نقص السلع الأساسية.
حملات التأثير
إسلام غانم خبير تكنولوجيا المعلومات يرى أن التضليل الرقمى لم يعد يعتمد على حسابات آلية بدائية يسهل رصدها، بل انتقل إلى مستوى أكثر تطورًا، حيث تستطيع بعض الأنظمة إنتاج خطاب متماسك، والتفاعل مع المستخدمين، وتغيير أسلوبها بحسب السياق، وهذا التطور جعل الفرق بين الحساب التقليدى المبرمج ووكيل الذكاء الاصطناعى فارقًا جوهريًا؛ فالأول ينفذ، أما الثانى فيحاكى ويتكيف ويبدو أكثر قربًا من السلوك البشرى الطبيعى.
وأضاف غانم أن الأخطر فى هذه الأدوات بأنها لا تُستخدم فقط فى نشر الشائعة، بل فى اختبارها أيضًا. فقبل ضخ الرسالة إلى المجال العام، يمكن رصد كيفية تلقيها داخل بيئة افتراضية، ثم تعديلها وفقًا لدرجة القبول أو الرفض. وهنا لم يعد التضليل مجرد عملية بث، بل صار عملية تجريب مستمرة، تُصمم فيها الرسالة كما يُصمم المنتج التجارى، لكن بهدف التأثير فى الوعى لا فى الاستهلاك.
ويلتقط منه طرف الحديث د. مصطفى العطار، أستاذ وباحث الذكاء الاصطناعى بجامعة النيل، أن مفهوم «التوأم الرقمى الاجتماعي» لا يعنى إنشاء نسخة رقمية من شخص بعينه، وإنما بناء مجتمع افتراضى يضم وكلاء أذكياء يمثل كل منهم شخصية مختلفة بخصائص وعوامل اجتماعية وثقافية وسلوكية متنوعة، بما يسمح بمحاكاة أنماط التفاعل داخل مجتمع حقيقى بصورة تقريبية.
وأشار إلى أن هذا المفهوم أصبح قابلًا للتطبيق من الناحية التقنية بفضل التطور فى نماذج اللغة الكبيرة وتقنيات المحاكاة متعددة الوكلاء وتحليل بيانات السلوك، لكنه شدد على أن هذه النماذج لا تمثل المجتمع بصورة مطابقة، وإنما تعمل كـ»معمل افتراضي» يساعد الباحثين على اختبار السيناريوهات المختلفة واستشراف أنماط الاستجابة المحتملة.. وأضاف أن نماذج الذكاء الاصطناعى أصبحت قادرة على محاكاة أنماط عامة من السلوك البشرى، مثل تقدير الفئات الأكثر قابلية لتصديق رسالة معينة أو إعادة نشرها، وكيفية انتقالها بين المجموعات المختلفة، لكنها لا تستطيع تمثيل الإنسان بكل تعقيداته، لأن قراراته تتأثر بعوامل نفسية وثقافية واجتماعية ومتغيرات يومية يصعب اختزالها فى معادلات رياضية.
وأوضح أن إنشاء مجتمع افتراضى لاختبار الرسائل قبل نشرها أصبح ممكنًا، إذ يمكن مقارنة أكثر من صيغة للرسالة وتحليل سرعة انتشارها، والفئات الأكثر تفاعلًا معها، وطبيعة المشاعر التى تثيرها، واحتمالات تحولها إلى شائعة أو مصدر للاستقطاب المجتمعى، واستدرك قائلًا إن قيمة هذه المحاكاة لا تكمن فى إصدار أحكام نهائية، وإنما فى اكتشاف المخاطر مبكرًا، تمامًا كما تُختبر المنتجات الجديدة على عينات محدودة قبل طرحها فى الأسواق.
واختتم العطار تصريحاته بالتأكيد على أن السنوات الخمس المقبلة ستشهد تطورًا كبيرًا فى المجتمعات الافتراضية، بحيث تصبح أكثر واقعية وتخصصًا، وقد تتمكن من محاكاة مدن أو شرائح عمرية أو جماهير مؤسسات بعينها، مع وكلاء أذكياء قادرين على التفاعل بالنص والصوت والصورة. لكنه شدد على أن «التوأم الرقمى للشائعات ليس جهازًا يتنبأ بما سيفعله المجتمع بصورة حتمية، وإنما معمل لاختبار السيناريوهات المحتملة، بينما يظل القرار النهائى ومسئولية التحقق فى يد الإنسان.»
التوأم الرقمى
كما أكد الدكتور وليد حجاج، خبير أمن المعلومات وعضو الهيئة الاستشارية العليا لتكنولوجيا المعلومات والأمن السيبرانى، أن الذكاء الاصطناعى غيّر قواعد حروب المعلومات بصورة غير مسبوقة، موضحًا أن حملات التضليل لم تعد تعتمد على الحسابات الوهمية التقليدية أو ما يُعرف بـ «الذباب الإلكتروني»، وإنما أصبحت تستخدم نماذج الذكاء الاصطناعى ووكلاء أذكياء قادرين على إنتاج محتوى متنوع يحاكى أسلوب البشر ويتفاعل مع المستخدمين بصورة يصعب تمييزها عن التفاعل الحقيقي.
وأشار إلى أن ما يسمى بـ «أسراب وكلاء الذكاء الاصطناعي» يمثل أحد أخطر التطورات الحديثة، إذ تعمل هذه البرمجيات بصورة منسقة ومرنة لنشر روايات محددة، مع قدرتها على تغيير صياغة الرسائل وفق طبيعة كل مستخدم، ومحاكاة اللهجات وأساليب الكتابة المختلفة، وهو ما يجعل اكتشافها أكثر تعقيدًا مقارنة بالحسابات الآلية التقليدية.
وأضاف أن المواجهة التقنية لا تزال ممكنة، لكنها لم تعد تعتمد على تحليل النصوص فقط، بل أصبحت ترتكز على رصد أنماط التنسيق والسلوك داخل الشبكات الرقمية، للكشف عن الحملات المنظمة التى تقف خلف المحتوى المضلل.
وأوضح حجاج أن تقنية «التوأم الرقمى الاجتماعي» تمثل أحد أبرز التطورات البحثية فى مجال الذكاء الاصطناعى، حيث تُستخدم داخل الأوساط الأكاديمية لمحاكاة المجتمعات ودراسة تأثير السياسات العامة أو حملات التوعية، لكنه حذر من إمكانية إساءة استغلالها فى اختبار عشرات الرسائل المضللة داخل مجتمعات افتراضية، واختيار أكثرها قدرة على إثارة الانفعال أو جذب الانتباه قبل توجيهها إلى الجمهور الحقيقي.. ولفت إلى أن عدداً من الدراسات العلمية الحديثة أظهرت أن الرسائل التى تنتجها نماذج الذكاء الاصطناعى أصبحت تمتلك قدرة كبيرة على الإقناع، وهو ما يزيد من خطورة استخدامها فى حملات التأثير والتضليل إذا غابت الضوابط الأخلاقية والقانونية.
وحذر من أن الخطر الأكبر فى المرحلة المقبلة لن يتمثل فقط فى انتشار الأخبار الكاذبة، وإنما فيما وصفه بـ»انهيار الثقة الرقمية»، إذ قد يصل المستخدم إلى مرحلة يشك فيها فى كل ما يشاهده أو يسمعه، نتيجة الانتشار الواسع لتقنيات التزييف العميق للصور والفيديوهات والتسجيلات الصوتية، بما يهدد الثقة فى الأدلة والمحتوى الرقمى بشكل عام.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعى أدى أيضًا إلى خفض تكلفة إنتاج المحتوى المضلل وزيادة سرعة انتشاره، إلى جانب تطوير أساليب الاحتيال الإلكترونى والابتزاز والتشهير، فضلًا عن تمكين حملات التأثير طويلة المدى التى تعتمد على الاستهداف الدقيق للجمهور من خلال تحليل اهتماماته وسلوكه الرقمى، بما يجعل الرسائل أكثر تأثيرًا وفاعلية.
استجابات نفسية
الشائعة تجد قوتها أيضًا فى طبيعة النفس البشرية، فالإنسان لا يتعامل مع الخبر دائمًا بعقل بارد، بل كثيرًا ما يشارك ما يثير خوفه أو استغرابه أو غضبه قبل أن يتحقق من صحته، وفى لحظة الانفعال، يتراجع المنطق لصالح التفاعل السريع، وهو ما يمنح الشائعة فرصة للانتشار فى دقائق قليلة، وهو ما أكدته الدكتورة نيفين حسنى، استشارى علم النفس الرقمى وعضو الهيئة الاستشارية العليا للأمن السيبرانى، أن معركة الشائعات فى عصر الذكاء الاصطناعى لم تعد تقتصر على إنتاج المعلومات المضللة، وإنما أصبحت ترتبط بفهم النفس البشرية وآليات استجابتها للمحتوى الرقمى، موضحة أن تطور تقنيات تحليل السلوك والانفعالات جعل مواجهة التضليل مسئولية مشتركة بين التكنولوجيا والوعى المجتمعي.. وأضافت أن الذكاء الاصطناعى لا يمتلك مشاعر أو وعيًا، لكنه يستطيع تحليل الأنماط السلوكية والانفعالية للمستخدمين بدقة متزايدة، بما يمكنه من تحديد الصياغات والعناوين والصور الأكثر قدرة على جذب الانتباه أو إثارة الاستجابة العاطفية لدى كل فئة من الجمهور. وحذرت من أن إساءة استخدام هذه الإمكانات قد تتيح إنتاج نسخ متعددة من الرسالة الواحدة، تُصمم خصيصًا لتناسب الخصائص النفسية لكل شريحة، بما يزيد من قدرتها على الإقناع والانتشار.
واختتمت د. نيفين حسنى تصريحاتها بالتأكيد على أن التكنولوجيا والتشريعات، رغم أهميتهما، لن تكونا كافيتين وحدهما لمواجهة التضليل الرقمى، مشددة على أن الاستثمار الحقيقى يبدأ ببناء عقل ناقد يدرك الفرق بين المحتوى الذى يثير المشاعر، والمحتوى الذى يستند إلى الحقائق.
بيئة فكرية
 هو ما أكده د. حسن الخولى، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، والذى أكد أن التطورات المتسارعة فى تقنيات الذكاء الاصطناعى غيّرت طبيعة الشائعات، موضحًا أن الخطر لم يعد يقتصر على سرعة انتشار المعلومات المضللة، بل امتد إلى إمكانية دراستها وتحليلها قبل نشرها، بما يسمح بتطويرها لتصبح أكثر تأثيرًا على الفئات المستهدفة.. وحذر الخولى من أن ضحايا الشائعات لا يقتصرون على الأفراد، بل تمتد آثارها إلى المجتمع ومؤسساته، لما تسببه من إرباك للرأى العام وإضعاف الثقة فى المعلومات الموثوقة، مؤكدًا أن أخطر ما فى هذه التقنيات هو قدرتها على الجمع بين تحليل البيانات وفهم السلوك الاجتماعى لإنتاج رسائل أكثر إقناعًا.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعى فى حد ذاته ليس مصدر الخطر، وإنما تكمن الخطورة فى توظيفه بصورة غير أخلاقية للتأثير على الرأى العام، وهو ما يستدعى تعاون المؤسسات الأكاديمية والإعلامية والجهات المعنية لوضع ضوابط تحافظ على المجتمع والثقة العامة.
احتلال العقول
اللواء محمود الرشيدى مساعد وزير الداخلية الأسبق لأمن المعلومات، أن التطور التكنولوجى المتسارع غيّر طبيعة الشائعات، موضحًا أنها أصبحت تنتشر فى ثوانٍ معدودة، متجاوزة الحدود الجغرافية والحواجز التقليدية، وهو ما ضاعف من صعوبة مواجهتها مقارنة بالماضي.. وشدد مساعد وزير الداخلية الأسبق على أن مواجهة هذه التحديات تبدأ من وعى المواطن، داعيًا إلى عدم تداول أى معلومات قبل التأكد منها، والاعتماد على البيانات الصادرة عن المصادر الرسمية، مع التحقق من أكثر من مصدر قبل إعادة نشر أى محتوى، مؤكدًا أن التفكير النقدى أصبح ضرورة لحماية المجتمع من حملات التضليل.. وأكد أن الدولة تحتاج إلى إدارة استراتيجية متخصصة لمواجهة الشائعات، تتعامل مع الظاهرة بصورة استباقية، وتعتمد على الرصد والتحليل وسرعة تقديم المعلومات الصحيحة، إلى جانب تعزيز التعاون بين المؤسسات المختلفة لمواجهة ما وصفه بمحاولات «احتلال العقول» عبر الفضاء الرقمي.