هناك أناس لا يزعجهم أن ينجو طفل.. ما يزعجهم هو أن تموت الشائعة!.. خلال منافسات بطولة الإسكندرية الصيفية للسباحة، وأثناء سباق 100 متر حرة، شعر السباح الناشئ عدى أحمد صالح، لاعب نادى راية، بحالة من الإرهاق، فتم التعامل مع الموقف فورًا وفق إجراءات الأمن والسلامة المتبعة.. لكن قبل أن تجف مياه المسبح.. كانت الشائعة قد سبحت أسرع من الجميع!.. خرج البعض يعلن بكل ثقة أن الطفل «غرق»، ووزع الاتهامات، وكتب سيناريوهات درامية، وكأنه كان يبحث عن فضيحة لا عن الحقيقة.. ثم جاءت الصفعة.. خرج عدى أحمد صالح بنفسه فى مقطع فيديو، بالصوت والصورة، ليقول للجميع: «أنا بخير..لم أتعرض للغرق..وكل ما حدث أننى شعرت بالإرهاق».. ولم يكتفِ بذلك، بل أكد سلامة جميع إجراءات الأمن والسلامة، ووجّه الشكر لمسئولى السباحة المصرية والمنقذين على سرعة التعامل مع الموقف.. انتهت القصة.. لكن يبدو أن أزمة تجار الشائعات بدأت الآن.. فماذا سيفعل الذين جزموا بوقوع الغرق؟
هل يملكون شجاعة الاعتذار؟
أم سيبحثون عن طفل آخر، أو بطولة أخرى، أو قصة جديدة ينسجون منها ترندًا زائفًا؟.. المؤسف أن بعض الناس لم يعد يبحث عن الحقيقة.. بل أصبح يبحث عن «الترند»، حتى لو كان الثمن سمعة مؤسسة، أو قلق أسرة، أو خوف طفل.. وهنا يصبح السؤال أكبر من واقعة سباحة.. وأخطر من سباق مائة متر.. إلى متى سيظل الفضاء الإلكترونى ساحة مفتوحة لصفحات مجهولة الهوية، تقذف المجتمع كل يوم بقنبلة من الأكاذيب ثم تختفى فى الظلام، بينما تنشغل المؤسسات بإطفاء الحرائق التى أشعلتها؟. لقد أصبح من حق المجتمع أن يطالب بحوار جاد حول آليات أكثر فاعلية لمواجهة النشر المتعمد للأخبار الكاذبة والتضليل الرقمى، ومحاسبة من يختلق الوقائع أو يثير الذعر طلبًا للشهرة أو المشاهدات أو أى مكاسب أخرى، مع الحفاظ الكامل على حرية الرأى والتعبير، فحرية الرأى لا تعنى حرية اختراع الأكاذيب.. فالترند الذى يولد من الحقيقة؛ يصنع وعيًا.. أما الترند الذى يولد من الكذب؛ فيصنع خوفًا، ويزرع شكًا، ويهدم ثقة.. إن الأوطان لا تسقط بشائعة واحدة ؛ لكنها تُرهق عندما تتحول الأكاذيب إلى مهنة، ويصبح التضليل صناعة، ويُترك أصحابها بلا مساءلة..اليوم لم يغرق عدى أحمد صالح.. الذى غرق هو رواية الكذابين.. والذى ابتلعه المسبح بلا رجعة هو ما تبقى من مصداقية تجار الأكاذيب وشائعاتهم .. أخطر ما فى الشائعة أنها لا تحتاج إلى دليل ..يكفيها هاتف، وصفحة مجهولة، وشخص قرر أن يبيع ضميره مقابل حفنة من المشاهدات أو الأموال أو الأهواء؛ ولذلك فقد غرقت فى أول اختبار للصدق؛ أما الحقيقة فقد خرجت من الماء مرفوعة الرأس!!
كل التحية للسباح الصغير، مع خالص الأمنيات له بدوام الصحة والتوفيق، هو وكل أبنائنا.


شيخ الأزهر «يُطيّب» القلوب
دموع ميسى
وزير مثقف حقًا






