غادرت هاتفى كما هو مغلقًا على من فيه دون المساس بأحدهم وقضيت على ما تبقى من علبة دخاني، وتساءلت: ماذا عساى يا «جوجل»؟
لا أنساق دائما خلف العلامات الحمر التى تحاصرنى الكترونيا على هاتفى وجهاز الكمبيوتر وغيره، اراها احتياطات زائدة عن الحدود وتشددا لست مطالبا بتلبيته.
لكن إلحاحا ما صار يحاصر ذاكرة هاتفى ويلاحقنى أينما حللت أو رحت، يقول التحذير بأن ذاكرة الهاتف قد امتلأت عن آخرها ويتوجب الآن أحد أمرين، إما توسيع مساحة الذاكرة عبر تسديد اشتراك والاستفادة بمزيد من المساحة، أو اللجوء للخيار الثانى وهو مسح عدد عملاق من الصور ومقاطع الفيديو وكلاهما فعلته قبل ذلك مرات ولم أعد أفهم ما الذى بوسعى تقديمه بالضبط لإنهاء «الزن الالكتروني»!
استجبت كثيرا وكلما ضاقت بى ذاكرة الهاتف اسدد اشتراكا جديدا لمساحة أوسع لكن الاشتراك صار دولاريًا وأنا دخلى بالمصري، والموضوع يمكن أن يُحل مع «جوجل» بشكل ودي، هكذا أقول لنفسي.
فى كل مرة تظهر فيها رسالة «عفوا الذاكرة لم تعد تكفي» أستغنى عن بعض الصور أو المقاطع العابرة التى أتلقاها من الأصدقاء وأكتفى بذلك وتكتفى «جوجل» أيضًا بهذا الإجراء البسيط، أما هذه المرة فتوقف هاتفى عن العمل وصار يطلق سخونة غير مبررة وفهمت بـ «الحداقة» ان هذه المرة لن تأكلها «جوجل» كما المرات السابقة.
بالفعل ألزمتنى ذاكرة الهاتف بخيارات كلها غبية، اذ أعدت قائمة باردة بمقاطع الفيديو الأكبر فى سعة التخزين ثم تدرجت تباعا الى الأقل مساحة، وخيرتنى بأيهم أود أن أبدأ المسح والاستغناء!
أما أنا فأعدت تصنيف المقاطع حسب «غلاوة» من يظهرون فيها لا تبعا لحجم مساحتها، فاعتدلت ورحت أمسح ما تيسر مما أستطيع الاستغناء عنه، وبعد الانتهاء مما مسحت خبطتنى رسالة التحذير الحمراء مرة جديدة بأن ذلك لم يعد يكفي، وأعادت على نفس مقترحها الجاف.
قضيت نهارا كاملا أعيد ترتيب القائمة فأمسح وأمسح ثم أمسح بلا فائدة، تُصر «جوجل» على مقاطع بعينها لكنها وللحق تخيرنى بمن أبدأ!
مثلًا.. هل تكون البداية بمسح مقاطع فيديو للراحل أبي، أو بمقاطع شقيقتى فى المهجر أم عساها تكون بمقاطع لابنى الوليد، أو لحفل زواجى وما تلاه!
دعنا الآن من مسألة المساحة أو السعة، هل تفهم شكل الخيار؟ بين أب وأخت وابن وأم وزوجة! كأن السؤال كالآتي: عمن تستطيع انت التنازل الآن ومؤقتًا الى أن يطرأ جديد؟
الموضوع فى ظنى أكبر من أن يتم حسابه بـ «ميجابايت» أو غيره، هذه مسألة وجدانية جدًا وشديدة الحساسية، المطلوب الآن أن أفاضل عن أى جزء منى استطيع الاستغناء! وأنا أكثر هشاشة من مواجهة أى من هذه الخيارات اللعينة، فهذا أبى الذى رحل وهذا ابنى وهذه أمى وشقيقتى وهذه زوجتى وهذه بالقطع ليست ليلتي.
ثم بعدما سحبت نفسًا ساخنًا وزفرته دفعة واحدة فكرت.. ماذا لو أننى رفضتُ اللعبة كلها؟ ثم «لسعتني» سخونة الهاتف فاعتدلت، وتساءلت: ماذا اذا ألقيت بالهاتف فى حوض ماء بارد يمتص الحرارة ودعوته لمصارعة الغرق، هل يشعر بنفس قسوة خياراتي؟!
غادرت هاتفى كما هو مغلقًا على من فيه دون المساس بأحدهم وقضيت على ما تبقى من علبة دخاني، وتساءلت: ماذا عساى يا «جوجل» ان أفعل الآن؟! ومن يدفع الآن ثمن هذه التكنولوجيا؟ لا من جيبه فقط بل من روحه وذاكرته ووجدانه، ومن يستطيع المفاضلة بين ذكريات الأقربين كلما حاصرته رسالة جافة تقول: «عفواً.. الذاكرة لم تعد تكفي!»


الانتفاضة هى الحل!
شيخ الأزهر «يُطيّب» القلوب
دموع ميسى






