فرنسا فى مواجهة كارتيلات المخدرات .. مافيا «دى زد» الوجه الأخطر للجريمة المنظمة

مافيا «دى زد»
مافيا «دى زد»


تشهد الساحة الأمنية الفرنسية منعطفًا خطيرًا مع تمدد نفوذ «مافيا دي زد»، تلك الشبكة الإجرامية التي ولدت في الأحياء الشمالية لمدينة مرسيليا، وتحولت إلى أخطبوط يمد أذرعه نحو مدن فرنسية مختلفة، مهددًا بكسر هيبة الدولة وترويع المجتمع عبر عمليات اغتيال وابتزاز طالت حتى المسئولين المنتخبين وصناع القرار المحليين، وسط استنفار أمني غير مسبوق لكبح جماح هذا الصعود المرعب.

في أحدث وأخطر المؤشرات على تجرؤ الجريمة المنظمة على رموز الدولة الفرنسية، ما تعرض له تعرض كريستوف ريفينك، رئيس بلدية مدينة «أليس» في مقاطعة غارد، والمنتمي لحزب الجمهوريين، من تهديدات بالقتل مباشرة في منزله، وهي الواقعة التي بدأت عقب ما اكتشفته زوجته لدى عودتها للمنزل.

فوجئت السيدة ريفينك، بوجود مظروف بريدي في صندوق بريد العمدة يحتوي على رصاصتين من عيار 9 ملم ومذكرة موقعة باسم «مافيا دي زد»، إلى جانب كتابات تهديدية على جدران سياج المنزل تحمل توقيع «DZ NG» (الجيل الجديد) و»CVN» إشارة إلى منطقة سيفين، التي تنتشر فيها.

أعلن المدعي العام في أليس، عبد الكريم غريني، عن فتح تحقيق موسع في «التهديد بالقتل والترهيب»، وأحال القضية إلى مديرية مكافحة الجريمة المنظمة والحرس الوطني، ورغم خطورة الحادث، أكد ريفينك أنه لن يرضخ للترهيب، معتبرًا أن استهدافه جاء نتيجة دعمه المطلق للأمن والنيابة العامة في محاربة كارتيلات المخدرات المحلية التي تحاول المافيا المرصيلية إزاحتها منذ صيف 2025.

وتزامن هذا التصعيد مع نشر تعزيزات أمنية خاصة ووحدات من النخبة لحماية العمدة، وفقا لصحيفة لوفيجارو، وسط تضامن سياسي واسع عبرت عنه قيادات فرنسية من المسئولين المنتخبين في المنطقة، أكدوا فيه أن الجمهورية لن تتراجع أمام المافيا.

منذ صيف عام 2025، برزت جماعة المافيا الألمانية (DZ Mafia) الإجرامية التي تتخذ من مرسيليا مقرًا لها، على الساحة في مدينة أليس، التي يبلغ عدد سكانها 46 ألف نسمة، حيث تحاول، كما هو الحال في أماكن أخرى، إزاحة الشبكات المحلية.

وتُعدّ مافيا DZ منظمة إجرامية فرنسية نشأت في الأحياء الشمالية لمدينة مرسيليا، وقد برزت المجموعة في أوائل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، وأصبحت من أبرز الجهات الفاعلة في تجارة المخدرات في جنوب فرنسا، وتُعنى بشكل أساسي بتجارة المخدرات على نطاق واسع، إلا أن أنشطتها تمتد أيضًا إلى الابتزاز وغسل الأموال وتصفية الحسابات العنيفة.

هذه «العلامة» أصبحت قوية لدرجة أن عصابات صغيرة في مدن بعيدة مثل «رين» بدأت تستخدم اسم «DZ» على جدرانها لجذب الزبائن، تمامًا كما تُقلد العلامات التجارية العالمية، وسرعان ما أدرك المحققون الفرنسيون أنهم أمام نموذج متطور من الجريمة المنظمة يتجاوز حدود الجنسية أو المنطقة الجغرافية.

واكتشف المحققون أن تلك المنظمة تتبع استراتيجية «ديمقراطية التجنيد»، حيث تستقطب مراهقين وشباب من طبقات اجتماعية مختلفة، على منصات سناب شات وتليجرام وانستجرام، وتغريهم بمبالغ مالية تصل إلى 20 ألف يورو لتنفيذ عمليات تصفية بدم بارد، ثم العودة لممارسة حياتهم الطبيعية كأن شيئاً لم يكن.

وتصفها السلطات القضائية الفرنسية بأنها شبكة مترامية الأطراف، وتتميز بقدرتها على تجنيد الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبحضورها الفعال داخل وخارج السجون، ويُعدّ مكافحة الشبكة أولوية قصوى للشرطة والقضاء، مما أسفر عن عمليات واسعة النطاق لتفكيكها، وتوجيه العديد من الاتهامات بالتآمر والقتل المنظم.

صناعة الموسيقى

ولم تتوقف أنشطة مافيا «دي زد» عند حدود تجارة الممنوعات، بل امتدت لتطال صناعة الموسيقى في قلب العاصمة باريس، حيث كشفت التحقيقات القضائية التي نشرتها 20 minute، عن محاولة ابتزاز عنيفة استهدفت منتج موسيقى راب يبلغ من العمر 40 عامًا.

بدأت القضية منذ أكتوبر 2025 حين ألقت الشرطة القبض على سائق توصيل في العشرينيات من عمره سلم ظرفًا يحتوي على رصاصة ومذكرة موقعة باسم «DZ» لاستوديو التسجيل الخاص بالمنتج، مطالبًا بمئات الآلاف من اليوروهات وفصل أحد الفنانين، كما كشف المنتج عن تعرض منزل والديه لإطلاق نار بـ»وابل من الرشاشات» في يونيو 2025 ومكالمات تهديد.

ومؤخرًا، وجه القضاء الفرنسي اتهامات لمشتبه به ثانٍ متورط في القضية ذاتها، واعترف بتواصله مع عنصر من مرسيليا يدعي انتماءه للمافيا ويبحث عن «جنود» لتنفيذ مهام مقابل مبالغ مالية، وهو التغلغل الذي أشار إليه تقرير استخباراتي سري أصدرته وزارة الداخلية الفرنسية تحت عنوان «موسيقى الراب والجريمة المنظمة»، يحذر من استغلال الشبكات الإجرامية لقطاع الموسيقى الأكثر مبيعًا في فرنسا كواجهة لغسيل أموال المخدرات.

وتتجلى وحشية هذه الشبكات في حرب الشوارع المستعرة، حيث شهدت مدينة غرونوبل حادثة إطلاق نار دموية قرب وكر لتجارة المخدرات في حي ميسترال، وأطلق مسلحون هاربون النار من داخل سيارة مستهدفين مجموعة من الأشخاص أمام مقر نادي كرة قدم محلي، مما أسفر عن مقتل شخص على الفور وإصابة ثلاثة آخرين بجروح.

تأتي الحادثة ضمن سياق أوسع وصفه المدعي العام لغرونوبل، إتيان مانتو، بالانتشار المقلق للأسلحة العسكرية والمسدسات لتصفية الحسابات في الأماكن العامة، حيث انخرطت غرونوبل وضواحيها، في حرب نفوذ مميتة بين شبكات متنافسة للسيطرة على نقاط البيع منذ نهاية عام 2025، وهي الحرب التي حصدت أرواح 10 أشخاص في أعمال عنف دموية تركزت بين شهري ديسمبر ويناير، وترافقت مع مقاطع فيديو مروعة تُنشر على الإنترنت لترهيب الخصوم.

حملات مكثفة 

في مواجهة هذا الانفلات، شنت السلطات الفرنسية هذا الأسبوع واحدة من أكبر العمليات الأمنية التطهيرية بتنسيق مباشر من وزير الداخلية لوران نونيز، وهي العملية الواسعة استمرت أربعة أيام وشملت سبعة أحياء ساخنة في غرونوبل وإيشيرول، وأسفرت عن اعتقال ما يقرب من مائة شخص، من بينهم ثمانية من كبار قادة شبكات التهريب ملاحقون بتهم بالغة الخطورة، فضلاً عن توقيف ثلاثين آخرين في إطار عمليات الفحص والمداهمة.

وتضمنت الحملة تفتيش شقق محتلة بشكل غير قانوني، وسحب مركبات مشبوهة، وإزالة عشرات الأمتار المكعبة من النفايات، فضلاً عن مسح نحو 100 متر مربع من الكتابات الجدارية التي تروج لنقاط بيع المخدرات، في محاولة لإعادة فرض سيادة القانون داخل هذه الأحياء.

تجمع السلطات القضائية الفرنسية على أن «مافيا دي زد» لم تعد مجرد عصابة محلية، بل باتت تصنف كمنظمة إجرامية فرنسية بالغة التعقيد والخطورة، وسرعان ما احتكرت سوق تهريب المخدرات على نطاق واسع في جنوب فرنسا قبل أن تتوسع شمالاً وشرقًا.

وتكمن خطورة «دي زد مافيا» في هيكليتها المرنة وقدرتها الفائقة على غسيل الأموال، وتوسيع أنشطتها نحو الابتزاز وتصفية الحسابات الجسدية، فضلاً عن نفوذها القوي الممتد إلى داخل وخارج السجون الفرنسية، وما يقلق أجهزة الاستخبارات بشكل أكبر هو الأسلوب الحديث الذي تعتمده المنظمة في تجنيد «جنودها».

وتستغل العصابة وسائل التواصل الاجتماعي لاستقطاب المراهقين والشبان الصغار وإغرائهم بالمال لتنفيذ عمليات اغتيال وتهديد مأجورة، مما جعل تفكيك هذه الشبكة المترامية الأطراف الأولوية القصوى للأمن والقضاء الفرنسي لإنقاذ السلم المجتمعي في فرنسا. 

اقرأ  أيضا:

;