لم يتخيل أن ورقة قديمة ستقلب حياته رأسًا على عقب، وأن الحقيقة التي عاش يصدقها لسنوات طويلة ستنهار في لحظة واحدة.. رامي رجل تجاوز الأربعين من عمره، وأب لخمسة أبناء، يقول إن حياته انقسمت إلى نصفين؛ قبل أن يعثر على قسيمة زواج والدته، وبعدها؛ يكتشف أنه ليس من صلب ذلك الرجل الذي ظل يناديه «بابا» لأكثر من عشرين عامًا.. قصة مؤثرة تصلح لأن تكون مادة فيلم وإن تكررت كثيرًا في الواقع قبل أن نشاهدها على الشاشة، القصة أصولها بدأت منذ أكثر من 47 عاما ولم يسدل عنها الستار بعد.. حكاية رجل يبحث عن هويته الحقيقية، بعدما اكتشف أن اسمه تبدل ونسبه تغير.. وإلى التفاصيل المثيرة.
جلس أمامنا يحمل بين يديه ملفًا قديمًا، تبدو عليه آثار الزمن، بينما كانت عيناه تحملان ما هو أثقل من الأوراق؛ سنوات طويلة من الأسئلة التي لم يجد لها إجابة.. لم يبحث عن تعاطف، بقدر ما كان يبحث عن حقه في معرفة الحقيقة.
قال بهدوء امتزج بالألم: «أنا جاي أحكي حكاية عشتها.. جاي عايز أعيش بهويتي الحقيقية وكفاية اللي ضاع من عمري».
بدأ رامي -اسمه الحالي- يسترجع ذكريات طفولته، وكأنها مشاهد باهتة من فيلم قديم قال: «وأنا عندي 8 سنين كنا ساكنين في الظاهر.. كنت بشوف راجل بيزور والدتي باستمرار، ويجيبلي هدايا وبيكون فرحان أول لما يشوفني، وكان معاه بنت.. لما سألت مين دي، قالوا لي: دي أختك، بعدها بفترة قصيرة كل حاجة اتغيرت، انتقلنا لنعيش في فيصل، وفجأة بقيت أنا ووالدتي ورجل تاني غريب ماكنش في حياتنا قبل كده، بس كبرت وأنا مقتنع إن الراجل ده هو ابويا».
مرت السنوات بصورة طبيعية؛ دخلت الجامعة، وتخرجت، وبدأت حياتى مثل أي شاب يحلم بالمستقبل، إلى أن جاءت لحظة لم أتوقعها.
الصدمة
يقول: «بالصدفة وقعت في إيدي قسيمة جواز والدتي والراجل اللي كنت فاكره أبويا، وأنا ببص فيها حسيت إن الدنيا وقفت.. مكتوب بند في القسيمة «والبر بالابن رامي!، ازاي أكون اتولدت قبل جوازهم»؟!
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فخلال رحلة بحثه بين الأوراق القديمة، عثر أيضًا على قسيمة طلاق والدته من الرجل نفسه، وكانت المفاجأة أو الصدمة أكبر.. يقول رامي: «قرأت التاريخ أكتر من مرة.. الجواز كان سنة 1989، وأنا تاريخ ميلادي سنة 1978، يعني اتولدت قبل الجواز بحوالي 11 سنة.. فضلت أسأل نفسي: إزاي يبقى مكتوب في شهادة ميلادي إن الراجل ده والدي، وهو أصلًا اتجوز أمي بعد ميلادي بسنين»؟!
لم يستطع رامي تجاهل الأسئلة التي بدأت تلاحقه، فقرر البحث عن الحقيقة، يضيف: «فضلت أدور لحد ما خالتي قررت تحكي لي كل حاجة، قالتلي «إن اسمي الحقيقي خالد وإن الراجل اللي اتربيت في بيته واللي اسمه في شهادة ميلادي مش والدي الحقيقي وإن والدي اسمه محمد، يحمل جنسية أجنبية ويقيم في الخارج»!
الكلمات، كما يصفها، لم تكن مجرد معلومة، بل زلزالًا هدم الصورة التي عاش بها سنوات عمره، لم يكتفِ بما سمعه، فسافر إلى الإسكندرية بحثًا عن أي مستند يقوده إلى الحقيقة، حتى تمكن -بحسب روايته- من الوصول إلى قسيمة زواج والدته من والده الأجنبي.
عاد وهو يحمل الأوراق، وواجه والدته التي كانت على فراش الموت، وتابع رامي يقول: «هي ما أنكرتش، لكن قالت لي وهي منهارة من العياط: لو كنت بلغت وقتها هيحبسوني لأن اللي حصل يعتبر تزوير».
ويروي أن والدته كانت متزوجة من والده الحقيقي ثم انفصلت عنه بعد دخول رجل آخر إلى حياتها وأخفت عن زوجها الأول أنها ارتبطت بعلاقة برجل آخر خشية أن يأخذني منها ويسافر بي خارج البلاد، وأنها اشترطت عند زواجها الجديد ألا تفقد حضانة ابنها، فتم استخراج أوراق جديدة له باسم الزوج الجديد، ليتغير اسمه من خالد إلى رامي ويعيش سنوات عمره كلها بهوية مختلفة - حسب روايته-
ورغم الصدمة، اختار رامي الصمت، ليستكمل حديثه قائلا: «كنت أقدر أتكلم.. لكن كنت شايف أمي قبل أي حاجة.. خفت عليها، وسكت، وقررت استقر بحياتي بعيدًا عنهم، كنت بالفعل تزوجت وعندي ابنة، مرت السنين وأنجبت 4 أبناء، لكن الحقيقة ظلت بداخلي، كل ما أبص لأولادي الخمسة، أسأل نفسي: أنا ليه اتحرمت أعرف أبويا الحقيقي»؟!
رحلة عمرة
يستطرد رامى قائلا: وفي عام 2004، سافرت للدولة الأجنبية التي ينتمي اليها والدي بحثا عنه، أكيد ميعرفش ان له ابن، ظللت ابحث عنه في عدة أماكن عرفتها من أمي التي أباحت لي بالسر وهي على فراش الموت وخالتي حتى وصلت إليه لكن المفاجأة التي صدمتني عندما عرفت أنه توفى بل وشقيقتي منه أيضًا توفيت فعدت أدراجي مصر خائبًا.
يصمت لثوانٍ، ثم يكمل بصوت خافت: «أصعب إحساس إنك تكتشف إن الباب اللي كنت بتحلم تفتحه طول عمرك، اتقفل قبل ما توصل له، رجعت مصر وأنا أفكر في الموضوع ونفسي أوصل لأهل والدي، مرت السنين وتوفى والدي المصري، ووالدتي تصارع الموت الآن بعدما أصبحت طريحة الفراش، ولم يكن أمامها إلا أن تبوح لي بالسر الذي كتمته في صدرها كل هذه السنين الطويلة، لذلك قررت أن أبوح عما بداخلي لعل أجد من يساعدني».
ويؤكد رامي أنه ما زال يحتفظ حتى اليوم بشهادتي ميلاد؛ الأولى باسمه الحالي المنسوب للرجل المصري، والثانية باسمه الحقيقي المنسوب لوالدى الأجنبي. ويقول: «الاتنين لنفس الطفل، وفي نفس سنة الميلاد، لكن واحدة بتاريخ سبتمبر، والتانية بتاريخ نوفمبر.. إزاي أم واحدة تخلف طفلين في نفس السنة وبينهم تلات شهور بس؟! كل ورقة في الملف بتأكد إن في حاجة غلط حصلت، لكن لحد انهارده محدش قدر يصلحها».
اليوم، وبعد كل هذه السنوات، يقول رامي إنه لا يبحث عن ميراث أو أموال أو أي مكسب مادي، وإنما عن حقه في معرفة هويته الحقيقية.
ويختتم حديثه قائلًا: «أنا مش طالب غير أعرف أهل أبويا وهما كمان يعرفوني.. نفسي اسمي يرجع لاسم أبويا الحقيقي، وأعرف أهلي الحقيقيين جذوري.. يمكن بالنسبة للناس دي مجرد أوراق، لكن بالنسبة لي دي حياتي كلها، أصعب إحساس إن الإنسان يعيش عمره وهو مش عارف هو مين.
47 عامًا مرت، وما زال السؤال نفسه يطاردني: «أنا مين؟».. سنوات طويلة عشتها باسم، بينما اسمى الحقيقي شيء آخر، وبين أسرة تربيت داخلها، وأخرى لم أعرفها إلا من أوراق قديمة، يقف رجل لا يبحث -بحسب قوله- عن ميراث أو مكسب، وإنما عن حق يراه أبسط حقوق الإنسان؛ أن يعرف هويته الحقيقية، وأن يحمل اسم والده الحقيقي، وأن يعرف جذوره قبل أن يطوي العمر بقية صفحاته.
وتبقى هذه الواقعة؛ بما تتضمنه من تفاصيل ومستندات، هي رواية رامي أو خالد، كما سردها لـ«أخبار الحوادث»، معبرًا عن رحلته التي يقول إنه ما زال يخوضها بحثًا عن الحقيقة.
اقرأ أيضا: صدفة غير متوقعة.. شاب يعثر على أخيه الضائع في نشرة الأخبار

الداخلية تلاحق لصوص الملكية الفكرية.. حملات مكثفة لحماية حقوق المبدعين
خلافات زوجية تُشعل معركة بالأسلحة البيضاء والشوم بين أفراد العائلة الواحدة
في لحظة جنون.. المدمن قتل عامل مصحة أثناء نقله للعلاج






