قضية ورأى

23 يوليو... حين قرر المصريون كتابة فصل جديد من تاريخ الوطن

د.طارق هلال
د.طارق هلال


الثالث والعشرون من يوليو سيظل علامة فارقة فى تاريخ مصر الحديث، لأنه فتح صفحة جديدة فى مشروع بناء الدولة الوطنية

هناك أيام لا تقاس بالساعات، بل بما تتركه فى مصير الأوطان. ويظل الثالث والعشرون من يوليو عام 1952 واحداً من تلك الأيام الفارقة فى التاريخ المصرى، حين اختار المصريون أن يبدأوا مرحلة جديدة عنوانها الاستقلال الوطنى، والعدالة الاجتماعية، وبناء دولة تمتلك قرارها وتصنع مستقبلها.

لم تكن ثورة يوليو مجرد تغيير فى نظام الحكم، بل جاءت استجابة لظروف سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة. فقد كانت مصر تعانى من استمرار النفوذ البريطانى، واضطراب الحياة السياسية، واتساع الفجوة بين الطبقات، بينما كشفت تداعيات حرب فلسطين عام 1948 وما ارتبط بها من أحداث الحاجة إلى مراجعة شاملة لأوضاع الدولة ومؤسساتها، لتتبلور قناعة بضرورة إحداث تغيير يعيد للدولة قوتها ويحقق تطلعات الشعب.

ومنذ اللحظة الأولى، أعلنت الثورة أهدافها الستة التى تمثلت فى القضاء على الاستعمار، والقضاء على الإقطاع، والحد من سيطرة رأس المال على الحكم، وبناء جيش وطنى قوى، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة. وقد مثلت هذه المبادئ رؤية لبناء دولة حديثة يكون فيها المواطن محور التنمية، وتصبح السيادة الوطنية أساسًا لكل مشروع وطنى.

ولم تتوقف الثورة عند حدود الشعارات، بل ارتبطت بتحولات تركت أثراً عميقاً فى المجتمع المصرى. فقد جاء الإصلاح الزراعى ليعيد توزيع الأراضى ويمنح آلاف الأسر فرصة لحياة أفضل، بينما فتحت مجانية التعليم أبواب المدارس والجامعات أمام أبناء الطبقات المختلفة، لتسهم فى إعداد أجيال من العلماء والأطباء والمهندسين والقضاة والمعلمين الذين شاركوا فى بناء الدولة.

وشهدت تلك المرحلة تنفيذ مشروع السد العالى، الذى تجاوز كونه مشروعاً هندسياً ليصبح رمزاً للإرادة الوطنية، بما وفره من حماية لمصر من أخطار الفيضان والجفاف، ودعمه لخطط التنمية الزراعية والصناعية. كما مثل تأميم قناة السويس محطة تاريخية أكدت سيادة القرار المصرى على موارده الوطنية، ورسخت مكانة مصر فى الدفاع عن استقلالها، بينما أسهم التوسع فى الصناعة والخدمات ودعم حركات التحرر الوطنى فى تعزيز الدور الإقليمى والدولى للدولة المصرية.

وبعد أكثر من سبعين عاماً، تبقى ثورة يوليو محطة رئيسية فى تاريخ مصر الحديث، ليس باعتبارها ذكرى وطنية فحسب، بل باعتبارها مصدراً للدروس التى لا يفقدها الزمن. فالسيادة الوطنية تظل أساس قوة الدولة، والعدالة الاجتماعية ركيزة للاستقرار، كما أن امتلاك جيش وطنى قوى يبقى الضامن الأول لحماية الوطن فى منطقة لا تتوقف فيها التحديات. ويظل الاستثمار فى الإنسان، من خلال التعليم والعمل والإدارة الرشيدة، الطريق الحقيقى لتحقيق التنمية المستدامة.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الجمهورية الجديدة باعتبارها امتداداً لمسيرة بناء الدولة المصرية، وإن اختلفت طبيعة التحديات وأدوات المواجهة. فإذا كانت معركة الأمس هى التحرر الوطني، فإن معركة اليوم تتمثل فى بناء اقتصاد أكثر قوة وتنافسية، وتعزيز الأمن القومى، وتطوير التعليم، وتمكين الشباب، وتوطين الصناعة، والتحول الرقمى، وتحديث البنية التحتية، بما يواكب متطلبات المستقبل.

واليوم تشهد مصر تنفيذ مشروعات قومية كبرى فى مجالات النقل والطاقة والإسكان والزراعة والصناعة، إلى جانب الاهتمام ببناء الإنسان من خلال المبادرات الصحية والتعليمية والاجتماعية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن قوة الدولة تبدأ بقوة مواطنيها، وأن الحفاظ على الوطن لا يتحقق إلا بمواصلة العمل والبناء.

قد يختلف المؤرخون فى تقييم بعض السياسات، وقد تتباين الرؤى حول بعض التجارب، لكن الحقيقة التى لا خلاف عليها أن الثالث والعشرين من يوليو سيظل علامة فارقة فى تاريخ مصر الحديث، لأنه فتح صفحة جديدة فى مشروع بناء الدولة الوطنية. والتاريخ يعلمنا أن الأمم التى تحترم ماضيها تكون أكثر قدرة على صناعة مستقبلها، وأن كل جيل مسئول عن إضافة لبنة جديدة فى مسيرة الوطن.

وهكذا تبقى ثورة يوليو رمزاً للإرادة الوطنية، بينما تواصل مصر كتابة فصل جديد من تاريخها، مستندة إلى قوة مؤسساتها، ووحدة شعبها، وإيمان أبنائها بأن الأوطان العظيمة لا تعيش على أمجاد الماضى وحدها، بل تصنع مستقبلها كل يوم بالعمل والإنجاز.