ليس هناك مَن يزايد على وطنية الخال الأبنودي النقيّة، وليس هناك مَن يجهل معارضته الشديدة لعبد الناصر حدّ سجنه له، ورغم ذلك وبعد سنواتٍ طوالٍ أذكر للخال لقاءه التلفزيوني منذ سنوات عقب ثورة يناير مباشرةً، وأذكر إجابةً له ردًّا على سؤال له حول رثائه لعبد الناصر، رغم معارضته وسجنه له، إذ أجاب قائلًا: كنّا شباًبا صغارًا يملؤنا الحماس وبمرور الأيام اكتشفتُ خطئي، وأنه كان على صواب؛ ومما قاله في قصيدته التي رثاه بها، وكانت بعنوان (جمال عبد الناصر):
يعيش جمال عبد الناصر، يعيش بصوته وأحلامه في قلوب شعوب عبدالناصر، مش ناصري ولا كنتُ في يوم بالذات في زمنه وفي حينه، لكنْ العفن وفساد القوم نسّاني حتى زنازينه في سجون جمال عبدالناصر، إزاي ينسّينا الحاضر طعم الأصالة اللي في صوته، يعيش جمال عبد الناصر، يعيش جمال حتى في موته، ما هو مات فعاش عبد الناصر، اسمه جمال وجميل فعلًا.
وموقف الخال من الأبنودي يُذكّرني بالعبقري (أمل دنقل) في قصيدته الخالدة (مقتل كُليب أو لا تصالح)، والتي يعارض فيها السادات على إبرامه معاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل (1977م)، ويقول في بعض أبياتها:
لا تصالح ولو منحوكَ الذهب، أترى حين أفقأُ عينيك ثم أثبّتُ جوهرتينِ مكانهما، هل ترى؟! هي أشياءٌ لا تُشترى،
لا تصالح على الدمِ حتى بدم، لا تصالح ولو قيل: رأس برأسٍ، أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟ أقلبُ الغريب كقلبِ أخيك؟! أعيناه عينا أخيك؟! وهل تتساوى يدٌ سيفها كان لك بيدٍ سيفها أثْكَلك؟!
وكأنّي بدنقل، لو أمدّ الله في عمره حتى أيامنا، إذ توفّاه الله بعد كامب ديفيد بخمس سنوات (1982م)، لرثى الساداتَ وبكاه بأبلغ وأجمل مما رثى به الخالُ عبدَ الناصر. أمثال الخال ودنقل وغيرهما من نُبلاء الشعراء وفرسانهم ممّن نذروا حياتهم لمبادئهم النبيلة، وصلاح أوطانهم دون هوىً أو غرضٍ، ويستغلّ نُبلَهم المتربصون، هم مَن نستلهمهم في حياتنا، وتتغذى أرواحنا على نُبل قِيمهم وصدق أحاسيسهم حتى يومنا هذا.
أمثال هؤلاء يعيشون ويموتون على حبّ الوطن دون سواه، ودون أن يزايدَ عليهم أحدٌ في ذلك، ولا مانع لديهم من إعادة توجيه بوصلتهم وقناعتهم إذا أثبتت الأيام لهم خلافها. فمَن كان إذن يتخيّل رثاء الخال لعبد الناصر، وبكاءه عليه بعد أكثر من أربعين سنةً على رحيله. إنها الفروسية في أبلغ معانيها، إنها أمانةُ الفكر والكلمة. وفي الأخير، يعيش كلُّ وطني حتى في موته. وتعيش مصر بأبنائها المخلصين أبدَ الدهر، وخلود الزمان عزيزةً أبيّةً. كلّ (23 يوليو) ومصرُ هامتُها لعَنانِ السّماء.


عدو هند
وجودها كان كعدمه!
23 يوليو... حين قرر المصريون كتابة فصل جديد من تاريخ الوطن






