«السوشيال ميديا» عالم موازٍ فرضته التكنولوجيا الحديثة والعصر الرقمى؛ فوائد كثيرة ومهمة لن ننكرها، ولكن التأثيرات السلبية أكبر وأعمق وأكثر تدميرًا على مستويات متعددة، فلم يعد يقتصر الأمر على نِطاق محلى ضيق، بل امتد الأثر إيجابًا وسلبًا على محيط إقليمى ودولى واسع، ساحة خصبة وبيئة مهيأة للشائعات والأكاذيب والابتزاز وضرب استقرار الأوطان اقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيًا وعلى المستويات كافة، بيئة مناسبة جدًا لطيور الظلام والمتآمرين على الأوطان داخليًا وخارجيًا، يعملون بتنسيق أو بدون، خلف الشاشات.
فى جميع البلدان، خاصة النامية منها والفقيرة والتى مَزَّقتها الفِتن والحروب؛ يستغل الذباب الإلكترونى الوعى الغائب لدى كثيرين، والثقافة الهشة لمجتمعات وشعوب ضربها الجهل وغابت عنها المعرفة وافتقدت المعلومة، وسواء كان مَن يقف خلف هذه الشاشات موجهًا بمخطط مدروس للإثارة والفتنة والتوجيه، أو كان جاهلًا أحمق، وناقلًا مغيبًا لا يدرك أبعاد ما يشارك أو ينشر؛ يبقى هذان العنصران الأكثر خطرًا على الأوطان وسلامها الاجتماعى والأمنى والاقتصادى.
الخطر حقيقةً يتزايد، ومن الأسرة -الدائرة الصغيرة- تتسع إلى مستويات الأوطان والعالم أجمع، فالهواتف أصبحت فى أيدى الأطفال على مدار اليوم، والشباب بات أكثر شغفًا بالسوشيال ميديا بمختلف أنواعها ومنصاتها عن ذى قبل، والكبار أيضًا بات بعضهم أسرى لهذه التكنولوجيا التى عَوَّضتهم عن غياب الأحبة وهجر الأصدقاء والوحدة القاتلة.
السوشيال ميديا خلال السنوات القليلة الماضية كشفت عن وجهها الأكثر قبحًا وإيلامًا، ابتزاز إلكترونى رخيص، تلاسن حتى بين الأسرة الواحدة، شائعات تضرب استقرار الأوطان، فتن تثير المجتمع، أكاذيب تنشر الجهل، رسائل تحمل بين طياتها سمومًا تستهدف الصغير والكبير وتنخر فى عصب الدول وتروِّج للخراب والعنف والدمار، يثيرون الفتن بين الدول وبعضها، متآمرون متخفون بلا هوية ولا مكان، ينشرون أحقادهم بين الجميع، وبمكرهم يُلبسون الحق ثوب الباطل والباطل ثوب الحق، يتلاعبون بالتكنولوجيا الحديثة وبرسائلهم المسمومة المُوجَّهة التى لا تفرق بين كبير وصغير ولا تراعى حرمة أو دين ولا تخضع لعادات ولا تقاليد أو موروثات.
التكنولوجيا تتسارع، والعصر الرقمى فى تطوّر مذهل، ومعه تتزايد المخاطر والتحديات؛ والبقاء دون وضع إطار تشريعى يحكم هذه المنظومة بالحقوق والواجبات والردع؛ سيُفاقم من خطورة السوشيال ميديا واستفحال خطرها على مستقبل الأجيال الحالية والقادمة، واليوم وقبل الغد، نحتاج إطارًا تشريعيًا ملزمًا وحاسمًا ومرنًا قابلًا للتحديث والإضافات لمعالجة كافة جوانب القصور التى يستغلها المغرضون، والأمثلة دوليًا وعربيًا كثيرة، مثل استراليا التى كانت فى طليعة الدول بحظر المنصات (فيسبوك، انستجرام، تيك توك، إكس، وسناب شات)، على القُصّر لحماية الأطفال - دون سن 16 عامًا- وتغريم الشركات المخالفة غرامات مالية ضخمة، وكذلك الاتحاد الأوروبي، قانون الخدمات الرقمية (DSA)، الذى يُجبر المنصات الكبرى على إزالة المحتوى غير القانونى وخطاب الكراهية فورًا.
فى ألمانيا، قانون إنفاذ الشبكات (NetzDG)، لمواجهة خطاب الكراهية والتشهير والتحريض والأخبار الزائفة على الإنترنت، وفى بريطانيا «قانون السلامة على الإنترنت (Online Safety Act)، حيث ركَّزت المملكة المتحدة بشكل أساسى على حماية الأطفال من المحتوى الضار والمخاطر السلوكية، مثل: «إيذاء النفس، الاضطرابات الغذائية، والتنمّر الإلكترونى»، كما تسعى بريطانيا لفرض حظر استخدام السوشيال ميديا بشكل كامل على الأطفال دون سن 16 عامًا بحلول 2027.
بينما تُلزم الحكومة الهندية منصات التواصل بتعيين «مسئولى امتثال» و«مسئولى مظالم»، مقيمين داخل الهند، للتعامل الفورى مع الشكاوى الحكومية والقضائية، والأهم من ذلك، يفرض القانون على تطبيقات المراسلة المشفرة (مثل واتساب)، القدرة على تتبّع «المُرسل الأول» لبعض الرسائل فى قضايا الأمن القومى أو الجرائم الكبرى.
عربيا تُعد الإمارات من أكثر الدول العربية تطوّرًا فى صياغة القوانين الرقمية لمواكبة العصر الرقمي، منها مرسوم بقانون بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، حيث يُجرِّم نشر أو إعادة نشر الأخبار الزائفة والشائعات التى تؤثر على السلم المجتمعى أو تمس الأمن العام، كما يضع عقوبات صارمة لجرائم «الابتزاز والتهديد الإلكتروني» واختراق الخصوصية مثل تصوير الآخرين أو تسجيل محادثاتهم دون إذن ونشرها، فضلًا عن وضع أطر تنظيمية صارمة للمؤثرين وصُنّاع المحتوي؛ حيث يُلزم القانون أى مؤثر يُروِّج لمنتجات أو خدمات بالحصول على رخصة إعلامية رسمية.
وتمتلك المملكة العربية السعودية، منظومة تشريعية قوية تُحدَّث باستمرار لتواكب التغيّرات السريعة فى الفضاء الرقمي، وكذلك الأردن بعد إقراره قانون الجرائم الإلكترونية والذى يفرض عقوبات بالحبس وغرامات مالية مرتفعة جدًا على مرتكبى جرائم الذم والتحقير عبر الإنترنت، أو نشر معلومات مضللة، كما يُلزم منصات التواصل العالمية بفتح مكاتب تمثيلية لها داخل الأردن لتسهيل تطبيق القرارات القضائية وملاحقة المخالفين.
كما أقرت مصر حزمة من القوانين التى تدمج بين مكافحة الجريمة الإلكترونية وتنظيم التأثير الرقمي، قانون تنظيم الصحافة والإعلام (رقم 180 لسنة 2018)، حيث منح القانون، «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام»، الحق فى معاملة الحسابات أو الصفحات الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعى التى يبلغ عدد متابعيها 5000 متابع أو أكثر كـ «وسائل إعلامية»، إضافة إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (رقم 175 لسنة 2018)، والذى يجرِّم اختراق الخصوصية، والاعتداء على المبادئ أو القيم الأسرية فى المجتمع المصرى عبر السوشيال ميديا.
اليوم نُواجه تحديات ضخمة ناجمة عن التأثيرات السلبية الواسعة لوسائل التواصل الاجتماعى والذكاء الاصطناعي، سواء تَعلَّق الأمر بالأمن السيبراني، أو خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، أو حماية الأطفال والمراهقين وانتهاك الخصوصية، نحن أمام واقع يتغير بسرعة يحتاج سن وصياغة قوانين وتشريعات صارمة لمواجهة هذه المخاطر وفرض عقوبات رادعة، وتحميل الإدارات التنفيذية للمنصات المسئولية القانونية المباشرة عن الأضرار.
فى أزمنة الفتن والشائعات ووسط هذا العالم الرقمى الذى لا يرحم أحدًا ولا يستثني، لم يعد الحفاظ على الأوطان واستقرارها وسلامها الاجتماعى والأمنى والاقتصادى مسئولية الحكومات فحسب، بل تمتد المسئولية وتتسع، فالكل مسئولٌ ابتداءً من الأسرة الصغيرة والفرد، وحتى المؤسسات التعليمية والدينية والصحفية والإعلامية والوطن بأكمله، كلٌ فى موقعه ومجاله، الاستقرار لا يُقَدَّر بثمن، والأمن والأمان نعمة لن يقدرها إلا مَن افتقدها.. حمى الله مصر وقيادتها وجَنَّبها الشرور والفتن ومكائد أهل الشر.. وتحيا مصر.


متى تنتهى الحرب؟
عمرو الخياط يكتب: «الفان زون»
حلفاء ولكن.. اذهبوا إلى الجحيم





