يواصل الشيخ الشعراوى خواطره بقوله: أما قوله عز وجل: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ﴾ «الصافات: ١٨٠» فتلك هى العزة الحقيقية، إذن فالعزة هى القوة التى تَغْلِبُ، ولا يَغْلِبها أحد. أما العزة بالإثم فهى أنفة الكبرياء المقرونة بالذنب والمعصية.
والحق سبحانه وتعالى يقول لكل من يريد هذا اللون من العزة بالإثم: إن كانت عندك عزة فلن يقوى عليك أحد، ولكن يا سحرة فرعون يا من قلتم بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون، أنتم الذى خررتم سجدًا لموسى وقلتم: ﴿قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ العالمين رَبِّ موسى وَهَارُونَ﴾ «الشعراء: ٤٧ - ٤٨» ولم تنفعكم عزة فرعون؛ لأنها عزة بالإثم، لقد جاءت العزة بالحق فغلبت العزة بالإثم. لذلك يبين لنا الحق سبحانه وتعالى أن العزة حتى لا تكون بالإثم، يجب أن تكون على الكافر بالله، وتكون ذلة على المؤمن بالله. ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين﴾ «المائدة: ٥٤» وكذلك قوله الحق: ﴿أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ «الفتح: ٢٩».
وهذا دليل العزة بالحق، وعلامتها أنها ساعة تغلب تكون فى منتهى الانكسار، ولنا القدوة فى سيدنا رسول الله َ، وهو الذى خرج من مكة لأنه لم يستطع أن يحمى الضعفاء من المؤمنين، وبعد ذلك يعود إلى مكة فاتحًا بنصر الله، ويدخل مكة ورأسه ينحنى من التواضع لله حتى يكاد أن يمس قربوس سرج دابته، تلك هى القوة، وهى على عكس العزة بالإثم التى إن غلبت تطغى، إنما العزة بالإثم التى إن غلبت تطغى، إنما العزة بالحق إن غلبت تتواضع.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم﴾ أى أن الأنفة والكبرياء مقرونة بالإثم، والإثم هو المخالف للمأمور به من الحق سبحانه وتعالى، ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ المهاد﴾. أى عزة هذه التى تقود فى النهاية إلى النار؟ إنها ليست عزة، ولكنها ذلة، فلا خير فى عمل بعده النار، ولا شر فى عمل بعده الجنة. فإن أردت أن تكون عزيزًا فتأمل عاقبتك وإلى أين ستذهب؟
﴿فَحَسْبُهُ﴾ أى يكفيه هذا فضيحة لعزته بالإثم، وأما كلمة «مهاد» فمعناها شيء ممهد ومُوطأ، أى مريح فى الجلوس والسير والإقامة. ولذلك يسمون فراش الطفل المهد. وهل المهاد بهذه الصورة يناسب العذاب؟ نعم يناسبه تمامًا؛ لأن الذى يجلس فى المهاد لا إرادة له فى أن يخرج منه، كالطفل فلا قوة له فى أن يغادر فراشه. إذن فهو قد فقد إرادته وسيطرته على أبعاضه. فإن كان المهاد بهذه الصورة فى النار فهو بئس المهاد. هذا لون من الناس وفى المقابل يعطينا سبحانه لونًا آخر من الناس فيقول سبحانه: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابتغآء مَرْضَاتِ الله...﴾
والله سبحانه وتعالى ساعة يستعمل كلمة «يشري» يجب أن نلاحظ أنها من الأفعال التى تستخدم فى الشيء ومقابله، فـ«شرى» يعنى أيضا «باع». إذن، كلمة «شرى» لها معنيان، واقرأ إن شئت فى سورة يوسف قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ «يوسف: ٢٠» أى باعوه بثمن رخيص. وتأتى أيضا بمعنى اشترى، فالشاعر العربى القديم عنترة ابن شداد يقول: فخاض غمارها وشرى وباعا.
إذن «شرى» لغة، تُستعمل فى معنيين: إما أن تكون بمعنى «باع»، وإما أن تكون بمعنى «اشترى»، والسياق والقرينة هما اللذان يحددان المعنى المقصود منهم فقول عنترة: «شرى وباع» نفهم أن المقصود من «شري» هنا هو «اشترى»، لأنها مقابل «باع»، وقوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ «يوسف: ٢٠»
يوضحه سياق الآية بأنهم باعوه. وهذا من عظمة اللغة العربية، إنها لغة تريد أناسًا يستقبلون اللفظ بعقل، ويجعلون السياق يتحكم فى فهمهم للمعاني.
﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْرِى نَفْسَهُ﴾ ونفهم «يشري» هنا بمعنى يبيع نفسه، والذى يبيع نفسه هو الذى يفقدها بمقابل. والإنسان عندما يفقد نفسه فهو يضحى بها، وعندما تكون التضحية ابتغاء مرضاة الله فهى الشهادة فى سبيله عز وجل، كأنه باع نفسه وأخذ مقابلها مرضاة الله. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ﴾ «التوبة: ١١١».. إن الحق يعطيهم الجنة مقابل أنفسهم وأموالهم. إذن فقوله: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابتغآء مَرْضَاتِ الله﴾ يعنى باع نفسه وأخذ الجنة مقابلًا لها، هذا إذا كان معنى «يشري» هو باع.

نوازل العصر| المفتى: الذكاء الاصطناعى والإلحاد الجديد والميتافيرس
سرقة المساجد| اعتداء على المال العام وانتهاك لحرمة بيوت الله
إقبـال كبـير على تصفيات الجـزء الثانى للمسابقة





