دينا عرفة
أيقونة حمراء من زمن الوجاهة.. هكذا يبدو «الطربوش». ورغم أنه غادر الرؤوس منذ عقود واختفى من تفاصيل الحياة اليومية، فإنه رفض أن يغادر الذاكرة. لم يكن مجرد غطاء للرأس، بل رمز للوقار والأناقة والهيبة.
فى حارة ضيقة متفرعة من شارع الغورية بقاهرة المعز، تنبعث رائحة الجوخ الساخن، معلنة عن وجود ورشة «عم ناصر الطرابيشي»، إحدى آخر الورش التى لا تزال تصنع الطربوش يدويًا.
وسط المكان يقف عم ناصر ممسكًا بقطعة من الجوخ، ويقول: «أمضيت نصف قرن فى هذه الورشة، جئت إليها شابًا، واليوم أقترب من السبعين وما زلت هنا. لم تكن المهنة مجرد وسيلة للرزق، بل عشق يسرى فى عروقى. واليوم يقف بجانبى أبنائى الثلاثة بعد أن ورثوا الحرفة وحافظوا على أسرارها.»
ثم يشير إلى مكبس نحاسى ضخم قائلاً: «هذا المكبس الذى يزن نحو خمسة عشر كيلو جرامًا هو روح الورشة. لا يوجد له مثيل، وأحافظ عليه يوميًا، فلولا حرارته وقوالبه الدقيقة ما خرج الطربوش بهذه الجودة.»
ويستعيد عم ناصر تاريخ الطربوش قائلاً: «كان رمزًا للهوية والوجاهة، لا تكتمل إطلالة الرجل دونه. ارتداه الأفندية والباشوات ورجال السياسة والعلم، ومنذ أن أصبح الزى الرسمى فى عهد محمد على باشا، صار جزءًا من الشخصية المصرية، وكان سقوطه أو خلعه يُعد انتقاصًا من الوقار.»
ورغم اختفائه من الشارع، يؤكد أن الطربوش لم يمت، بل عاد عبر الدراما والسينما. ويقول: «من هذه الورشة صنعت طربوش العمدة سليمان غانم الذى ارتداه الفنان صلاح السعدنى فى مسلسل ليالى الحلمية، كما خرجت منها طرابيش مسلسلى زيزينيا وحديث الصباح والمساء، لتمنح الشخصيات روح الزمن الذى تنتمى إليه.»
ويضيف أن الطلب على الطربوش لم يتوقف، لكنه تغير. فإلى جانب شركات الإنتاج الفنى، تُقبل الفنادق والمطاعم داخل مصر وخارجها على شرائه لإحياء الطابع التراثى وجذب السياح،
كما يُصدَّر بكميات كبيرة إلى فلسطين ولبنان وسوريا، حيث يلقى الطربوش العثمانى رواجًا، بينما يفضل آخرون الطربوش الملكى الطويل، ولكل زبون مقاسه وتصميمه الخاص.
لكن السر الحقيقى فى بقاء المهنة، كما يقول عم ناصر، لا يرتبط بالدراما أو السياحة فقط، وإنما بالأزهر الشريف.
ويشرح: «الطربوش هو الأساس الذى تُلف حوله العمامة الأزهرية، فهو الجسد، والعمامة هى الروح. لذلك يرتديه علماء الأزهر وطلابه، كما توج رؤوس كبار مقرئى القرآن الكريم.»
ويختتم حديثه بثقة: «طالما بقى الأزهر الشريف منارة للعلم والدين، سيظل الطربوش حاضرًا، ولن تنقطع أرزاقنا، ولن تموت هذه المهنة.» ورغم أن الطربوش غادر الرؤوس، فإنه لا يزال حاضرًا فى الوجدان؛ شاهدًا على زمن من الوقار، وحارسًا لذاكرة مصر، وجسرًا يصل الماضى بالحاضر عبر حرفة تقاوم النسيان.

عاصمة المانجو تفتتح الموسم| انخفاض الإنتاج يرفع الأسعار.. والإسماعيلية «ملكة التصدير»
«عيون مصر» الرقمية| آثارنا فى الخارج بمكتبة الإسكندرية
طائر صاحب كرامة| صيد «الحجل» متعة وأمنية الهواة فى صحارى سيناء





