خالد محمود يكتب : “القصص” لأبو بكر شوقى .. سيرة عائلة مصرية فى مواجهة الزمن والهزائم الصغيرة

خالد محمود
خالد محمود


يستعير المخرج المصري أبو بكر شوقي من السيرة الذاتية لوالديه قصة حب نشأت عبر المراسلات بين مصر والنمسا، ليقدم في فيلمه «القصص» عملاً حميميًا ومؤثرًا، وإن وقع أحيانًا في فخ الميلودراما والإفراط في العاطفة. فالعمل ليس مجرد حكاية رومانسية، بل تأمل في معنى العائلة والذاكرة والانتماء، وفي الطريقة التي تتقاطع بها التحولات الكبرى في تاريخ الأمم مع التفاصيل اليومية لحياة البشر.

ينتمي أحمد، الذي يؤدي دوره أمير المصري، إلى عائلة مصرية اعتادت الخسارة. فريق كرة القدم الذي تشجعه الأسرة لا يحقق أي انتصار، والخرافات الصغيرة التي يتمسكون بها لا تغير مصيرهم. وحتى عندما يبتسم لهم الحظ، يبقى الندم حاضرًا، وكأن الهزيمة أصبحت جزءًا من هويتهم.

من خلال هذا المزاج العام، يتتبع شوقي حياة الأسرة عبر عقود مختلفة، ليجعل من «القصص» فيلمًا عن أناس عاديين يعيشون تحت وطأة تاريخ استثنائي. أحمد، أحد 3 أبناء، يحلم بأن يصبح عازف بيانو عالميًا. ومن خلال إعلان في إحدى المجلات، تبدأ مراسلاته مع إليزابيث، الشابة النمساوية التي ستغير مسار حياته.

تتحول الرسائل إلى نافذة يطل منها المشاهد على عالم العائلة المصرية المكتظ بالحياة. شقة صغيرة تعج بالأبناء والأقارب والجيران، ومساحات ضيقة تحتضن أفراحًا وأزمات لا تنتهي. تتبع الكاميرا هذه الفوضى الحميمة بحب واضح، وتستخرج من الازدحام والفقر والارتباك اليومي قدرًا كبيرًا من الدفء الإنساني.

وينقسم الفيلم إلى فصول تمتد من ستينيات القرن الماضي إلى تسعينياته، مستعرضًا محطات بارزة من تاريخ مصر الحديث؛ من الحروب مع إسرائيل إلى الاضطرابات الاقتصادية والسياسية. غير أن هذه الأحداث لا تأتي كخلفية تاريخية فحسب، بل تتسلل إلى حياة الشخصيات وتعيد تشكيل مصائرها. فالأخ التوأم حسن يُجبر على العمل مترجمًا بسبب إتقانه للغات، بينما يعيش الأب، الذي يؤديه أحمد كمال بأداء مؤثر، في خوف دائم من فقدان وظيفته بسبب كلمة قد تُفهم خطأ على شاشة التلفزيون الرسمي.

ومن أجمل تفاصيل الفيلم رصده لبعض المعتقدات الشعبية الصغيرة التي تعكس طبيعة المجتمع المصري. فالتقاط صورة مع الرئيس يُنظر إليه باعتباره جواز مرور إلى النجاح الاجتماعي والمهني، حتى إن أحد منافسي أحمد يحتفظ بصورة له مع الرئيس كأنها تميمة للحظ. مثل هذه التفاصيل تمنح الفيلم نكهته المحلية الخاصة وتكشف الفجوة الثقافية التي تظهر لاحقًا عندما يسافر أحمد إلى النمسا ويلتقي إليزابيث للمرة الأولى.

في النصف الثاني من الفيلم، يطرح شوقي سؤالًا إنسانيًا مؤلمًا: ماذا يدفع الإنسان ثمنًا عندما يغادر وطنه بحثًا عن حياة أفضل؟ فالمهاجر لا يترك وراءة مكانًا فحسب، بل يظل مشدودًا إلى حياة أحبائه وإلى أخبارهم الصغيرة وأحزانهم اليومية. وبعد فاجعة شخصية، يعود أحمد إلى مصر، لتلحق به إليزابيث لاحقًا.

ويقدم أمير المصري أحد أفضل أدواره حتى الآن، مجسدًا شخصية رجل رقيق وحالم يطارده سؤال مؤلم: هل ضاعت أحلامه في الطريق؟، يمنح الممثل الشخصية قدرًا كبيرًا من الصدق والقلق الإنساني، فيصبح المشاهد شريكًا في حيرته وتردده وانكساراته.

وفي «القصص»، لا يقدم أبو بكر شوقي مجرد حكاية حب بين شاب مصري وفتاة نمساوية، ولا يكتفي باستعادة ذكريات عائلته الخاصة، بل يقدم بورتريهًا إنسانيًا دافئًا لجيل كامل عاش بين الأحلام المؤجلة والهزائم الصغيرة والانتصارات النادرة. إنه فيلم عن الأسرة بوصفها وطنًا مصغرًا، وعن الوطن بوصفه مجموعة من القصص الشخصية التي تتقاطع مع التاريخ والسياسة والحب والفقد.

وتكتسب هذه الرؤية قوتها من أداء تمثيلي جماعي لافت. فإلى جانب الأداء الصادق والمؤثر لأمير المصري، يقدم أحمد كمال واحدًا من أجمل أدواره، مجسدًا أبًا أنهكته الحياة لكنه لم يفقد إنسانيته، بينما تمنح نيللي كريم شخصية الأم «فيروز» دفئًا خاصًا، فتبدو حارسة الذاكرة العائلية وراوية الحكايات التي تحفظ الأسرة من النسيان. كما ينجح أحمد العزعر في التعبير عن مرارة الأحلام التي أفسدتها الظروف، في حين تقدم فاليري باتشنر أداءً رقيقًا، وإن لم يمنحها السيناريو المساحة الكافية لتطوير شخصيتها بالعمق نفسه الذي حظيت به الشخصيات المصرية.

ورغم بعض المآخذ، وفي مقدمتها الميل أحيانًا إلى الميلودراما وضعف حضور الشخصيات النسائية غير المصرية، فإن «القصص» يظل عملًا إنسانيًا شديد الصدق، ينحاز إلى التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة: مباراة كرة قدم خاسرة، ورسالة حب عابرة للقارات، وصورة مع الرئيس تُعامل كتعويذة للحظ، أو دفتر قديم يحتفظ بذكريات عائلة كاملة.

في النهاية، يبدو «القصص» أقرب إلى رسالة حب إلى مصر وأهلها، وإلى كل من غادر وطنه وظل يحمل داخله قلقًا دائمًا تجاه من تركهم خلفه. وهو يذكرنا بأن التاريخ لا يُكتب فقط في الكتب والأحداث الكبرى، بل يُكتب أيضًا في الشقق الضيقة، وعلى موائد الطعام، وفي الرسائل القديمة، وبين أفراد عائلة تعلّمت أن تتعايش مع الخسارات، لكنها لم تفقد أبدًا قدرتها على الاحتفاء بومضة فرح صغيرة.

إنه فيلم يؤكد أن الحياة، مثل القصص التي نرويها، ليست سلسلة من الانتصارات الكبرى، بل مجموعة من اللحظات الإنسانية الهشة التي تمنح وجودنا معناه الحقيقي.

;