محمد عدوي يكتب : 30 يونيو - 3 يوليو .. مفترق طرق

محمد عدوي
محمد عدوي


ليست الثلاثون من يونيو والثالث من يوليو مجرد أربعة أيام متعاقبة على صفحات التقويم، ولا حدثا سياسيا يمكن اختزاله في إطار زمني محدود، بل هما لحظة فاصلة في تاريخ الدولة المصرية، ومفترق طرق أعاد رسم المسار الوطني وغيّر اتجاه الحركة من حافة المجهول إلى أفق جديد.

فالتاريخ لا يتحرك دائما في خط مستقيم، بل يمر بمحطات حاسمة تتوقف عندها الأمم لتقرر مصيرها. وهناك شعوب تنجح في اختيار الطريق الصحيح وأخرى تدفع ثمن التردد سنوات طويلة. وكانت مصر في صيف عام 2013 أمام هذا الاختبار المصيري.

قبل الثلاثين من يونيو لم تكن الأزمة مجرد خلاف سياسي بين معارضة وسلطة، بل كانت حالة غير مسبوقة من الاستقطاب المجتمعي الحاد امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية ولامست هوية الدولة نفسها. شعر ملايين المصريين بأن الوطن الذي عرفوه يتغير أمام أعينهم، وأن فكرة الدولة الوطنية الجامعة أصبحت مهددة لصالح مشروع يقوم على الانقسام بين “نحن” و”هم”، وبين الجماعة والوطن.

لم يكن الخلاف حول إدارة الحكومة أو أداء الرئيس فقط، بل حول طبيعة مصر ذاتها.. هل تبقى دولة لكل أبنائها أم تتحول إلى ساحة تحتكرها جماعة واحدة ترى أنها وحدها تملك الحقيقة والحق في الحكم؟.

كان المشهد قاتما. كان الليل يسود والعتمة تحيط بالنفوس، كنا نشعر إن الأرض تهتز من تحتنا رافضة وجود الجماعة التي أرادت أن تكون السماء لها وحدها والبراح للعشيرة فقط، لكن هذه الأرض وهذه السماء كانت وسوف تبقى دائما عصية على كل الطغاة، فكان الأمر حتميا.. أزمات اقتصادية متلاحقة، تراجع في الخدمات، اضطراب أمني، خطاب إقصائي وانقسام مجتمعي بلغ مستويات لم تعرفها مصر الحديثة. شعر المواطن بأن وطنه يتسرب من بين يديه، وأن مستقبله أصبح رهينة لصراع لا نهاية له.

لكن مصر التي عبر آلاف السنين كانت عصية على الانكسار، كانت تتهيأ لاستعادة توازنها.

جاء الثلاثون من يونيو ليعلن أن الشعوب قادرة حين تبلغ لحظة الخطر على إعادة كتابة التاريخ. خرج ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين في واحدة من أكبر الحشود الشعبية في التاريخ الحديث، معلنين بوضوح أن المسار القائم لم يعد مقبولا، وأن الدولة المصرية تستحق فرصة جديدة.

ولم يكن ذلك الحراك مجرد احتجاج سياسي، بل كان تعبيرا عن إرادة وطنية جامعة تجاوزت الانتماءات لتلتقي عند هدف واحد.. الحفاظ على الدولة ومنع انزلاقها إلى مصير مجهول.

من هنا فإن الحديث عن الثلاثين من يونيو والثالث من يوليو باعتبارهما 4 أيام فقط يظلم الحقيقة التاريخية. فهاتان المحطتان تمثلان تحولا استراتيجيا في مسار الدولة لا مجرد أحداث متعاقبة. لقد كانتا بداية نهاية مرحلة كاملة وبداية تأسيس مرحلة جديدة انتقلت فيها مصر من حديث  البقاء إلى حديث  البناء.

وفي ذروة الأزمة ومع اتساع رقعة الاحتجاجات وتصاعد احتمالات الصدام الأهلي، برزت المؤسسة العسكرية باعتبارها المؤسسة الوطنية الأكثر قدرة على حماية الدولة من الانهيار. وجاء بيان القيادة العامة للقوات المسلحة الذي منح القوى السياسية مهلة 48 ساعة للاستجابة لمطالب الجماهير، ليعكس محاولة أخيرة لإيجاد مخرج سياسي يجنب البلاد الانقسام والفوضى.

ومع انتهاء المهلة دون الوصول إلى توافق جاءت لحظة الثالث من يوليو التي أعلن فيها الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع آنذاك، بحضور ممثلي القوى الوطنية والسياسية وشيخ الأزهر وبابا الإسكندرية وممثلي الشباب خارطة الطريق التي دشنت مرحلة انتقالية جديدة وأعادت ترتيب المشهد السياسي والدستوري في البلاد.

لم يكن ذلك مجرد إعلان سياسي، بل كان استجابة لإرادة شعبية عبرت عنها الملايين في الشوارع والميادين وقرارا حال دون انزلاق الدولة إلى صراع أهلي كانت ملامحه تلوح في الأفق.

غير أن قيمة تلك اللحظة لا تقاس بما حدث خلالها فقط، وإنما بما ترتب عليها من تغيير في اتجاه الدولة. فمفترق الطرق الحقيقي لا يعرف عند الوقوف أمامه وإنما تدرك أهميته بعد سنوات عندما تتضح ملامح الطريق الذي اختارته الأمة.

ومنذ ذلك التاريخ دخلت مصر مرحلة مختلفة اتسمت بإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات، وشهدت البلاد إطلاق مشروعات قومية كبرى في مجالات الطرق والطاقة والإسكان والمدن الجديدة وتطوير البنية الأساسية، إلى جانب برنامج إصلاح اقتصادي حمل تحديات كبيرة، لكنه استهدف إعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر استدامة.

وفي الوقت نفسه خاضت الدولة مواجهة شرسة ضد الإرهاب، خاصة في سيناء، بالتوازي مع إعادة صياغة السياسة الخارجية المصرية، بما عزز حضورها الإقليمي والدولي ورسخ دورها كأحد أهم ركائز الاستقرار في الشرق الأوسط.

ويظل الرئيس عبد الفتاح السيسي رمزا لهذه المرحلة، الرجل الذي تحمل مسؤولية اتخاذ القرار في واحدة من أكثر اللحظات تعقيدا في تاريخ مصر الحديث، وقاد الدولة خلال سنوات مليئة بالتحديات واضعا هدف بناء الجمهورية الجديدة في مقدمة أولوياته.. دولة حقيقية يقودها رجل الأقدار الوطنى الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي عبر بها من العتمة إلى النور بإخلاص العاشق للوطن، والذي طالما أقسم إنها سوف تكون “قد الدنيا”، مصر الجديدة بعد هذه الأيام الأربعة المجيدة مختلفة، مصر وطن يعيش فينا وليس وطن نعيش فيه، مصر الجميع وللجميع كانت تستحق ومازال النور يشع في كل ربوعها، ومازلنا نحمد الله على انقشاع غمة الجماعة والعشيرة.. الحمد لله.

;