ناظمُ الفصوص

الكتاب: ناظمُ الفصوص 
الكتاب: ناظمُ الفصوص 


عماد غزالى 

الكتاب: ناظمُ الفصوص 
المؤلف: عماد غزالى
الناشر: المجلس الأعلى للثقافة

هناك الكثير من الأسباب الخاصة التى تجعلُ من صدور ديوان «ناظمُ الفصوص» حدثا مهمًّا جدًّا بالنسبة لي؛ فهو ديوان تشكَّلَ بعد عمل دؤوب سبَقتْهُ حالةٌ من الفوران الإبداعى كنتُ أختبرها على هذه الشاكلة للمرة الأولى. صحيحٌ أننى مررتُ بحالاتٍ قريبة الشبه لكنّها لم تكن عريضةً فى مداها الزمني. 
بالطبع.. أنا واعٍ بأن تلك الحالات تأتى بعد تراكمٍ طويلٍ من الانفعالات والتجارب النفسية والتأملية التى يتم اختزانُها بعيدًا عن ملامسة الوعي، بينما تكون الذاتُ الواعية فى حالة مواجهةٍ مع إيقاع العالم وتقلُّباته وتعمل طوال الوقت لكى تتسلّحَ بمعرفةٍ أو معارف جديدة. لكن مع تلك التجربة فهمتُ لأول مرة أن الشاعر -وكلّ مبدع عموما- لابد أن يتدرّبَ كثيرا وبلا كللٍ لكى يكون متأهّبا لحالة الفوران تلك عند حدوثها، وربّما لو تدرّب أكثر وأكثر يصبح قادرا على التحكم فى العملية برمّتها؛ توقيتِها ومداها وعمقِها. أما إذا استجاب بكُلّيته لتلك الحالة فإنه يستطيع أن يُمليَ عليها فتستجيب؛ يأمرَها فتطيع. 
و«ناظم الفصوص» عملٌ مهمّ لذاتي.. التى لا تزال تتعلّمُ كيف تستجيبُ لتحدّى الحياة فى هذا العالم أولا، وثانيا؛ لأنّ الشاعر يمرّ بمرحلةٍ لاحقةٍ على تخلّقِ النصّ؛ هى تشييدُ البناء الذى سيضمّ نصوصه. وقد بُنى هذا العمل على هاجسٍ حقيقي؛ وهو محاولةِ صُنعِ إضافة للشعرية المصرية والعربية ومن ثَمّ الإنسانية؛ وهو طموحٌ ليس هيّنا ولا بسيطا، وليس معلّقًا فى الهواء؛ لكنه متكئٌ على مشروعٍ بدأتُهُ منذ ما يقارب العقودَ الأربعة. 
ومن داخل هذا المشروع هناك مُنحنى قصيدة النثر؛ بدءًا من ديوان: «صيد فاسد»، ثمّ: «المكان بخفة»، ثم: «نتخلّصُ ممّا نُحب» -الذى صدر عام 2013- ثم: «حديقةُ الصبّار» الذى أطمح أن يصدر هذا العام. وأظنّ أن «ناظم الفصوص» الذى يضم 36 نصا؛ يمثّل مرحلةً من الانصهار والتبلور للصوت الشعرى تقتربُ به كثيرا من مرافئ الحلم؛ لكنّ هذه المرافئ كما نعلمُ جميعا تبتعدُ باستمرار كلما اقتربنا.
ليست هذه هى كلّ الاعتبارات التى تجعل من صدور «ناظم الفصوص»، عن المجلس الأعلى للثقافة، حدثا استثنائيا عندي؛ فهناك أيضا أنه يمثل اختبارًا لقيمة تراكم المنجز؛ وقيمة العمل الجاد الهادئ المتواصل؛ بعيدا عن الضجيج وتخلّصا من الادعاء. وبشكلٍ عام فإنّ طبيعتى هى أننى نافرٌ من أيّ سلطة، وأحافظُ على مسافةٍ آمنةٍ بينى ومن يمثّلونها.
وأخيرا -ربَّما ممّا يمكن قوله- فإنّ «ناظم الفصوص» أولُ منتجٍ إبداعيّ لى بعد تخلُّصى من قيود الوظيفة، لذا فهو يأتى متّسمًا بالهيئة التى تلبّستها الأحلامُ قديمًا، يأتى وخلاياه تحملُ جيناتِ كائنٍ يرى فى العمل الذى لم نختره عبوديةً وفى المعرفة التى لم نسِرْ إليها جهالةً وفى الأيام التى نُهدرُها فى السعى إلى ما يبقينا نتنفَّسُ؛ مجردَ دهورٍ ضائعةٍ ومحضَ استسلامٍ لأسْرِ الضرورة. 
شاء التراتبُ القدريّ أن يصدرَ هذا الديوان قبل العمل الذى أتصور أنه ممهِّد له وهو: «حديقةُ الصبّار» هذه الحديقة هى جسرٌ يصلُ بين «نتخلّصُ مما نحبّ» و «ناظم الفصوص»، وهنا يجبُ أن أذكر أنّ ديوان: «حديقة الصبار» ظلَّ نصوصا متفرقةً منذ 2014 ولخمسة أعوام، ثم التأمت نصوصُه فى عملٍ ذى ملامح واضحة عام 2019. ولأسبابٍ أتحمّل مسؤوليتها تماما بقيَ هذا العمل قيدَ النشر إلى الآن.
وبعد؛ ناظمُ الفصوص فاتحةٌ، بعدها صورٌ وعلامات؛ إذا أرادت الذات ووافقها التراتب.