د. محمد سليم شوشة
الكتاب: عطر ليمون
المؤلف: جمال حسان
الناشر: بيت الحكمة
فى مجموعتها القصصية الأحدث تقدم القاصة والروائية والطبيبة النفسية الدكتورة جمال حسان تجربة سردية تتسم بقدر كبير من الخصوصية وتقدم نماذج قصصية يتجلى فيها السرد مجالا لتعزيز الوعى بالذات وبالعالم، ويصبح كذلك السرد تمثيلا وانعكاسا لقلق الإنسان وأسئلته الضاغطة، وتقارب فى قصص هذه المجموعة حالات عديدة من القلق ومشاعر الخوف والشغف بالمعرفة وحالات لانعكاس تجارب المرض وإشكالات الصحة على وعى الإنسان وإدراكه، فهى قصص أقرب للوحات سردية غنية على مستوى المضمون ومشحونة بالأسئلة والقضايا سواء ذات الطابع الفردى أو الجماعية.
أما على مستوى الشكل الفنى فهى قصص تركز على التفاصيل وترسم مشاهد تتسم بالحيوية والنبض تجعل المتلقى يحقق درجة كبير من اللالتحام بها والتفاعل معها. وقابلا لأن يتصور ويتخيل حدود العوالم القصصية ويتفاعل مع أنماطها البشرية التى تتسم بالتنوع والثراء. وتوظف قصص هذه المجموعة الخبرة العلمية أو الثقافة العلمية توظيفا مثاليا يمنح عوالم القصص أفقا أكثر اتساعا ويتسم فى الوقت ذاته بالانضباط على مستوى السببية والإقناع. بل إن الثقافة العلمية لتصبح فى بعض القصص مجالا لصناعة الحبكة أو تأسيس دراما القص عليها، حيث من القلق العلمى يبدأ عالم القصة فى التشكّل على نحو ما نرى فى قصة س 133 التى تقارب واحدا من أهم الأسئلة الضاغطة على مجموعات المثقفين الآن عن مستقبل البشرية فى ظل اتساع مساحات حضور الآلة وهيمنة نماذج الذكاء الاصطناعي، والمساحة القلقة بين الآلة والبشر، وهو مجال مازال غامضا برغم كم ما كان من سرد حوله فى الأدب العالمى أو السينما منذ عقود ربما أولها نيورومانسر لوليام جيبسون الصادرة عام 1984 وغيرها من روايات الخيال العلمي، لكنه مازال مجالا خصبا وقابلا لأن تتأسس عليه سرود قصصية أكثر تكثيفا وتركيزا على بعد علمى بعينه على نحو ما نجد فى هذه القصة من محاورات بين الروبوتات والبشر، وبعض القصص فى انشغالها بمثل هذه الشواغل والأسئلة القلقة تبدو استشرافية وبخاصة فيما يتعلق بهذا الأمر عن تحولات العلم ومنعطفاته وتأثيرها على البشر أو بعض القصص التى تجسد همّا بيئيا وقلقا حول تغيرات الطبيعة وانهيار نظامها.
ومن اللمحات المهمة كذلك فى قصص هذه المجموعة تركيزها على التكوين الداخلى والسمات النفسية للشخصيات التى تتنوع بين الرجال والنساء والأطفال، لتغطى قصص المجموعة أنماطا كثيرة وتبدو متسعة بما يشمل النسيج الإنسانى كله، ولكن الأثر الأهم لهذا هو أن زاوية النظر والتركيز أو التبيئر تكون من الداخل وهو ما يجعلنا أمام نماذج بشرية تتسم بالحيوية والنبض وتصبح نماذج حقيقية يصدقها المتلقى ويتفاعل معها على نحو ما نجد من شخصية بسمة فى قصة كنوز قرطبة حيث تتحرر الشخصية من المسار التقليدى للرحلة وتنفلت من قيود الزمن أو حتى من القيود المكانية الظاهرة لتكتشف عالما آخر بأبعاد وحدود مكانية وزمانية أخرى، وتبدأ رحلة موازية للفوج السياحى الذى انفصلت عنه، فنكون أمام شخصية مشحونة بالشغف بالماضى وبالإنسان واكتشاف مدى التداخل والتقاطع بين الحضارات والديانات. وكذلك شخصية منى فى قصة حذاء بناتى الذى جسّدت فيه حالة نفسية تتسم بالطرافة والغرابة عن سيكولوجيا التوأم وهى ظواهر ليس لها تعريف علمى واضح حتى الآن برغم كل ما دار حوله من كتابات وأبحاث، ليكون السرد فى هذا النوع من القصص قد وظف المعطيات العلمية توظيفا جيدا لإنتاج الغرابة أو تجسيد وتصوير حالات جديدة من الفنتازيا بصورة فيها قدر من العفوية. ويبدو أن هذا النمط من القصص كثير لديها ويتشكل بصورة طبيعية من عقلها القصصى المشغول بالبحث العلمى ومعطياته الجديدة.
فى قصص المجموعة كذلك تصوير لحالات اجتماعية وأخرى ذات طابع تأملى وفلسفى نسبيا وإن جاءت منسوجة من قماشة الحياة وصوّرت من لحم ودم، أى اكتسبت سمات الحياة الطبيعية، بعضها يقارب أسئلة عن العدالة الاجتماعية أو حتى العدالة فى النظام العالمي، وبعضها عن الموت والمرض والبحث عن الذات أو الخوف من الآخر وحالات من الحب والرومانسية وفتور العلاقات.
لكن ربما يكون الملمح الأبرز فى سرد هذه المجموعة وسرد الدكتورة جمال حسان بصفة عامة هو انشغالها بالتفاصيل الصغيرة فى المشهد الذى تصوره، بما يحوّل هذه التفاصيل إلى مصدر لإنتاج الشعرية وطرح نموذج مثالى للتصوير البانورامى الذى يرسخ لشعرية التعدد فى المنظور وتجاوز الذات الفردية المغلقة على نفسها، حتى إنها لتتجاوز عوالم البشر إلى الكائنات والحيوانات الأخرى، فتنطق وتوأنسن – إن جاز التعبير- الطيور والأشجار والنهر والثعالب وتجعلهم حاضرين فى عالمها القصصى مصورين فى حال من الكمال، والحقيقة أننا يمكن أن نسأل هنا سؤلا هل هذا النمط من السرد الذى يستنطق الكائنات الأخرى يمكن وصفه بأنه نوع من الأنسنة أم أن الأكثر دقة وصفه بأنه تجلية لجوهر هذه الأشياء والإحساس بها فى نوع من الكمال، أى أنه تجلية لأبعاد مهملة أو غائبة فى الكائنات الأخرى، أبعاد اعتاد البشر على إهمالها أو إغفالها فى ظل ما يعرف بالشعور بمركزية الإنسان فى الكون.
هل هذا النمط من السرد الذى يعمل على إنتاج الجماليات الأدبية عبر استنطاق الكائنات الأخرى وتحقيق الإحساس الكامل بعناصر الوجود هو نوع من الأدب الغرائبى وأدب الفنتازيا أم أنه شكل من الكتابة عن الواقع المهمل؟ وبالمثل تصويرها للأحلام فى بعض القصص بما للأحلام من أفق أوسع رمزيا وتأويليا وقدرة الأحلام على تصوير أعماق البشر ورصد الطبقات الغائرة من اللاوعى والعقل الباطن، على نحو ما نرى مثلا فى قصة كرسى وحيد، وما تجسد فى هذه القصة من ألعاب سردية أجادت فى تحريك الحواجز بين الواقع والحلم على نحو يجعل المتلقى متحفزا فى تأويل كل فعل أو حدث، ففى مساحة يكون التصريح بالحلم وفى أخرى يحدث نوع من التقاطع والتداخل المتعمد، كما فى هذا المقطع: «فى البداية كان يظهر الحلم متقطعا، ثم تغير وصارت التفاصيل أوضح فى الأسابيع الأخيرة، وفى أذنه يتردد صدى همسات بشرية بين حواف الغمامة والسياج حين يقترب من العتبة: أنت تعرف الطريق». ص45. وهذه الأصوات الغامضة التى تقتحم عالم الشخصيات ليست مقصورة على هذا النمط فقط من غزو عالمهم عبر الأحلام، بل يكون ذلك عبر الطيور مرة أو عبر القطة مرة وأحيانا عبر الثعالب التى أسست دولة.
لكن ما يفلت النظر فى توظيف الخطاب السردى للأحلام فى هذه المجموعة هو الثراء فى التشكيل الرمزى وقدر تجاوب مفردات المشهد الحلمى مع معطيات الواقع وما يحفه من المخاطر والقلق، فالكرسى الذى يتم تصويره فى هذه القصة يبدو محفزا إلى حد بعيد لعقل المتلقى على الاجتهاد فى تأويله ذلك لأنه كرسى وحيد يتسم بالغرابة يتمركز فى عالم القصة على نحو طريف، عالم قصصى غائم يتسم بالتداخل وأشبه بالمتاهة أو مسارات للضياع لا يبدو فيه شيء واضحا وثابتا غير هذا الكرسي، الذى ربما يكون تأويلنا له بأنه دال على المنصب أو الأمل فى المكانة لدى بطل القصة الذى ضاع منه كل شيء أو فقد كل مساراته وضل طرقه ولم يعد لديه من شيء يسعى له غير هذا المنصب. حتى حين يتداخل الواقع مع الحلم ولا يفقد القدرة تماما على التمييز بينهما ويجارى الراوى العليم وعى الشخصية فى هذا الضياع أو تجسيد هذا التداخل وغياب التمييز، يظل الكرسى الوحيد مسيطرا على فضاء الغرف أو فضاء القصر أو البيت، فتتغير الأماكن ويظل الكرسي. «وكما فى الحلم كانت الغرفة خالية إلا من كرسى واحد، قديم، خشبي، مصقول من كثرة الاستخدام، رغم أنه بدا وكأن أحدا لم يجلس عليه منذ عقود». المجموعة ص47.
صحيح أن المشهد فيه أشياء أخرى مثل صور عائلية قديمة، لكن ملامحها يبدو أن أحدا تعمد محوها، وهو ما يمكن تأويله كذلك بتراجع كل شيء اجتماعى أو أسرى أو ينتمى للحميمية والعلاقات السوية فى مقابل الكرسي. وتبدو الطرق متعرجة ومظلة ودالة على الخطر، والحقيقة أن هذا السمت حاضر فى عدد آخر من القصص التى لها هذا الطابع الفنى نفسه وهى حافلة بالرمز والعلامات الدالة وحافلة بالتشويق وتجعل المتلقى إيجابيا ونشطا ذهنيا فى قراءته وتأويله لها.

النبى الإفريقى: الاستعمار والهويات المتشظية
صدور العدد 13 من مجلة «القارئ» الثقافية
النهر والبحر.. قراءة نقدية فى الشعر الحديث





