كتابة

عن ريشار جاكمون مجددا

محمود الوردانى
محمود الوردانى


محمود الوردانى

أواصل هنا ماكنتُ قد كتبتُه فى الأسبوع قبل الماضى عن المستعرب الفرنسى ريشار جاكمون وكتابه بالغ الأهمية «بين كَتَبة وكُتّاب.. الحقل الأدبى فى مصر المعاصرة» والصادرة طبعته الأولى عام 2004 عن دار المستقبل، بينما صدرت طبعته الثانية عام 2023 عن دار صفصافة.
ذكرتُ فيما سبق أن الكتاب لم ينل ما يستحقه من أهمية، وأضيف إنه بعد مرور كل هذه السنوات مازال قادرا على أن يجيب على الأسئلة المطروحة حول المشهد الأدبى المعاصر، ومازال قادرا على الحوار والنقاش والإضافة. وذكرت أيضا أن هناك أمرين متلازمين يجب وضعهما فى الاعتبار عند مناقشة الكتاب، الأول أن المؤلف أمضى فى مصر ستة عشر عاما متواصلة، ولم يكن يعيش بمعزل عن الحياة الأدبية، بل فى قلبها، سواء كدارس أو كمدير لقسم الترجمة بالبعثة الفرنسية أو كمترجم ترجم عشرات الروايات ومجموعات القصص والكتب النقدية إلى الفرنسية، وقد تعلم العربية بين الناس ومعهم. تعلمها فى الشوارع وبين الأصدقاء وليس فى قاعات الدرس وحدها.
الأمر الثانى أن جاكمون أعطى للأكاديمية ما تريده! أعطاها حقها إن صح التعبير فى رسالة الدكتوراه. الأكاديمية هنا تعنى الحياد العلمى الصارم وتطبيق مناهج أدبية ونقدية محددة وصارمة، وهى فى نظر كاتب هذه السطور أكاديمية مزعومة تدعى الحياد العلمى وعدم التورط.
والكتاب الذى صدرت ترجمته ليس نص رسالة الدكتوراه بالطبع، بل هو نص تحرر من الأكاديمية. جاكمون منحاز كأى ناقد محترم، ومنذ العنوان يفرّق بين الكَتَبة والكُتّاب، وينحاز لمن أطلق عليهم «الطليعة الأدبية». ومنذ صفحات الكتاب الأولى يتناول ما أطلق عليه «الاحتكار الضمنى للثقافة من جانب الدولة»، ويخصص فصلا كاملا للرقابة، والهيمنة والهوية والهوامش والحدود والانقسامات الجمالية. جاكمون جزء إذن من المشهد الأدبى الذى عاصره على مدى ستة عشر عاما من الإقامة الكاملة، لذلك فكتابه ليس هامشا لمستشرق مراقب يطل من الخارج، بل كان جزءا من المتن، سواء فى كتابه أو فى اشتباكه المتواصل مع القضايا الأدبية سواء من خلال ترجمته - كما سبق أن ذكرت- لعشرات الكتب، ومن بينها على سبيل المثال كل روايات صنع الله ابراهيم باستثناء روايتين فقط، وأضيف هنا أنه أهدى كتابه لصنع الله ابراهيم وعبّر عن اعجابه واحترامه لمواقف صنع الله. أو من خلال اختياره لما يترجمه بل وتدقيقه فى هذا الاختيار.
لا أخفى احترامى ومحبتى لصديقى ريشار جاكمون، وهى صداقة بدأت أثناء إقامته وعمله بمصر، ثم استمرت بعد عودته إلى مرسيليا وعمله فى الجامعة هناك، ومازالت صداقتنا مستمرة وأتشرف بها وحريص عليها، ليس فقط لأنها صداقة عُمر، أى قرابة أربعين عاما، بل أيضا لأنها صداقة قائمة أصلا على الاحترام والتقدير الذى أكنه له، وأيضا لمواقفه وانحيازاته للقضية الفلسطينية على سبيل المثال.
ومنذ عدة سنوات، ولحُسن حظي، اعتاد ريشار زيارة القاهرة أثناء انعقاد معرض الكتاب لارتباطه بمهمة تطوعية، وهى فرصتنا للقاء الذى نحرص عليه أكثر من مرة غالبا. حريص ريشار أشد الحرص على زيارته السنوية واستمرار صلاته وعلاقاته العلمية ولقاءاته الشخصية بأصدقائه من الكتاب المصريين الذين ارتبط بهم لسنوات ومازال حريص على ارتباطه.
وأخيرا أكرر أن كتابه لم يُلتفت إليه بالقدر الكافى وأدعو هنا إلى إعادة قراءته والحوار معه..