محمود الوردانى
كنت قد كتبت هنا قبل أسابيع قليلة عن المجموعة القصصية الأخيرة للشاعر عزت عامر «مصلحة الأصول» والتى أصدرتها دار المحروسة، وذكرتُ أن الكاتب حرص على أن يضم لها مجموعته القصصية «الجانب الآخر من النهر» الصادرة قبل ثلاثين عاما عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. الأمر ليس صدفة بالقطع، بل هو تعمد بالطبع.
المجموعتان تتحدثان عن عالم واحد وهموم واحدة، وبينهما من الوشائج والصلات والعلاقات ما يجعلهما يصدران فى كتاب واحد. إن عالم الكوابيس والشر المحدق بالراوى والخطر الذى يتهدده فى كل لحظة ويحيط به واحد، ولم يتوقف على مدى ثلاثين عاما مما جعله يعود إليه مرة أخرى.
يكتب عزت عامر نصا واحدا إذن فى المجموعتين. يكتب اثنتين وعشرين لقطة من المشهد نفسه. وإذا كانت كل لقطة مستقلة وتُقرأ بالطبع باعتبارها لقطة مستقلة، إلا أن اللقطات جميعها فى المجموعتين تشكل معا نصا واحدا. فعلى سبيل المثال يبدأ نصه الأول أو لقطته الأولى «الشفخانة» على النحو التالي: «أمام مبنى الشفخانة بالغ الضخامة عليك أن تعترف. لم تأت إلى هنا بإرادتك. إنها فقط حيرة الطرق وتشابكها وتقاطعاتها وفوضى الإشارات فى كل مكان: ولا تنس الغضب.. بل والمهانة». ثم يسير الراوى الهوينى، يتمشى، فى شفخانة، مسلخ، مذبح، ولا أحد يعرف هل كانت الشفخانة تشير إلى شفاء الحيوانات قديما / البشر فى وقت لاحق. هناك أيضا حراس مسلحون يحتضنون الدروع ويصرخون بلا توقف. وهناك من يطالبون بالحرية. وهناك طريق ترابى مليء بالأحجار المتناثرة والأسلحة البيضاء متنوعة الحجم متنوعة الأغراض وصفائح فارغة وأخرى مليئة ببقايا جثث متعفنة. وهنا وهناك بقايا قنابل الغاز وبعض القنابل اليدوية القابلة للاستخدام.
هذا هو الفضاء الذى يحيط بقصة الشفخانة حيث كل شئ يحدث وكل الجرائم ترتكب، ولا أحد يهتم أو يعنيه الأمر، ولا أحد يلوح بخاطره إمكانية النجاة من الشفخانة.
على هذا النحو أو قريبا منه تمضى بقية قصص المجموعتين. هناك شفخانات (ليس بالضرورة طبعا أن تكون شفخانات بالتحديد) هناك كمائن وفخاخ ومؤامرات تحاك دوما للإيقاع بالأبرياء، كأن يذهب راو لمستشفى لزيارة أحد أصدقائه المرضى، فيلقون القبض عليه ويتحول إلى مريض هارب أو يحاول الهرب ولا يستطيع أن يثبت أنه زائر وليس مريضا. أو راو آخر وربما هو الراوى نفسه كان يمر بالصدفة بجوار «مصلحة الأصول»، وخطر له أن يدخل ليثبت براءته من تهم طالته ولا يعرفها بالتحديد، وفى كل الأحوال يتوجب عليه أن يدخل المصلحة ليثبت براءته قبل أن يتم استدعاؤه أو حتى الاعتداء عليه. علينا أن نمضى معه قليلا فى مصلحة الأصول حيث يجرى كل شئ، ومسموح بحدوث كل شئ، لكن المشكلة الحقيقية أن الراوى لا يعلم تحديدا ماهى التهم الموجهة له ولا يعرف من أين يبدأ وليس هناك من يدله على البداية.
حاولت فى السطور السابقة أن أشير إلى فضاء قصص المجموعة، وتقترب منها قصص المجموعة الأولى التى سبق للكاتب أن أصدرها قبل ثلاثين عاما. لا تقترب منها بقدر ما تعالجها هى نفسها، وربما الاختلاف أن المجموعة الثانية -مصلحة الأصول- أكثر تجريدا وجروحها أبعد غورا.
ومن جانب آخر، عودة الكاتب لكوابيسه وهواجسه ورعبه بعد مرور كل تلك العقود، تعنى من بين ما تعنى ليس فقط استمرار معاناته منها ومعها فقط، بل تعنى أيضا أنها فى المرة الثانية أكثر تجريدا أيضا..
وفى النهاية كتّر خيرك يا عزت على هذه الكتابة الشابة بحق. أكرر الكتابة الشابة بحق.
مدونات «الخوانم»
مقال مرفوض لأنه... غير بشرى!
برقيات كويتية





