والسياسى والتأريخى

غرفة حنّا دياب: بين الواقعى

والسياسى والتأريخى
والسياسى والتأريخى


د. منير الحايك

يحار المبدع، عندما يشيع أسلوب أو طريقة أو خطّ ما فى مجال إبداعه وفى المرحلة التى يكون فيها فى أوج عطائه، وعندما يعتمد الجميع هذا الأسلوب أو الطريقة، ممن امتلكوا العدة وامتلكوا الموهبة، أو من الدخلاء، أو ممن يحاولون بجدّ أو بتسرّع أن يسايروا السائد، فيتكوّن لديه، نتيجة لتلك الحيرة، صراع حول الطريقة التى سيكتب فيها عندما تأتيه فكرة أو مشروع إبداعى لا يمكنه أن يحيد به عن ذلك الأسلوب السائد، عندها قد يسلك السائد مطمئنًّا طالما أنه ممتلك العدة والموهبة، أو قد يخاطر ويجرّب ويحاول الخروج عن السائد بطريقة جديدة، وهنا تكمن الخطورة بالفعل. السائد الذى أتحدث عنه هو الرواية التاريخية ومتفرعاتها، والمبدع الذى قصدته هى الدكتورة شهلا العجيلى ونصّها الذى حاولت إخراجه عن خط التاريخى السائد «غرفة حنّا دياب» (منشورات ضفاف وثقافة 2025).
رواية من فصلين، «صوَر على رفّ الموقد» و«حكاية غير مدوّنة، يعرفها الأهالى»، يجمعهما باب قصير ينتهى به الفصل الثانى والرواية «ملاحظات ختامية». تبدأ الرواية بخبر وفاة خالة كندة وحماتها، والدة زوجها محمود، الذى تبدأ مع حدث الموت حكاية انفصالهما بسبب خيانته، وتبدأ مع الحدث أيضًا كل تداعيات الذكريات التى حكمت الفصل الأول، فتعود بنا الرواية إلى التسعينيات وربما قبلها بقليل مع بعض حكايات الأب، حيث نعرف قصة كندة مع غسان، التى لا تتوّج بالزواج، وينتهى الفصل الأول، الذى تجرى أحداثه فى حلب مع بداية الأحداث عام 2011، وينتهى بلقاء غير منتظَر لمحمود وكندة فى السنة نفسها تقريبًا، بشكل اضطرارى فى قبو البيت، للحماية من القتال فى الخارج، وعندما تنضمّ إليهما الجارة، بعدما تكتشف كندة أشرطة التسجيل الخاصة بوالدها، يكون التمهيد للفصل الثانى.
يحكى الفصل الثانى القصص العشرة التى رواها الأب بالروسية، ويكون الفصل كله، ما عدا الباب الأخير المشار إليه، ترجمة حرفية لما ورد من حكايات فى تلك الأشرطة...
الفصل الأول تسترجع فيه البطلة، ابنة حلب، حكايتها مع غسان، ومع تخصصها، ومع خبر يمرّ دائمًا سريعًا، وهو مقتل والدها، من دون الخوض فى تفاصيله، فقد مات وهى بعد طفلة، ولا تحكى الرواية تفاصيل حول الأسباب والنتائج، سوى أن الأم تتزوج وترحل أخيرًا، وتمهّد للأبحاث التى كانت تجريها لتعرف عن تاريخ مسكوت عنه فى المدينة، وخصوصًا ما تناقلته الألسن من حكايات عن رجل يدعى حنّا دياب، وفى أثناء بحثها، تكتشف ما كان يخبّئه غسان عنها، فيصل الأمر بهما إلى الفراق، ومن هناك تبدأ حياتها مع ابن خالتها محمود، فالزواج، فإهمال المشروع والأحلام، وفى أثناء كل ذلك، كانت تظهر حلب بوصفها شخصية «ملكة» قصدت الرواية أن تشير إلى كل ما هو جميل فيها، من حيث المكان والزمان والأحداث والناس، حتى مع حال الكذب من غسان والخيانة من محمود، ظلّا شخصيتين مقبولتين من المتلقى، لأنهما من حلب، ولأنهما حلب قبل الحرب الأخيرة!
فى الفصل الثانى يحدث انقطاع بين الزمنين، فيكون مجرّد ترجمة لتسجيلات الأب عما حصل قبل مئتَى عام فى المدينة، وصولًا إلى الزلزال الذى يغيّر مجرى كل الأحداث وما سيرافق ذلك، زمن العثمانيين، فتظهر شخصيات فتوح العارفين وميسّر وهيلين، وحسن الذى نعرف أنه الجدّ الكبير لآل القزّاز، أى لغسان، والدكتور باتريك وأنستازيا التى تنتهى الرواية بخبر متعلق بها يبقى غامضًا... ذلك الانقطاع وعدم ظهر صوت كندة إلا فى النهاية لتشرح كل التفاصيل، هو برأيى النقطة الأضعف فى الرواية، على الرغم من بعض النقاط الأخرى.
الفصل الأول طالَ، وطالت القصص التى كان يمكن أن تُختَزل ويبنى على الأساسيّ منها صراعات كانت ستشدّ المتلقى أكثر، وإن التبرير أنها كانت تمهيدًا للقصص الواردة فى الفصل الثانى، فالتمهيد طال، ومن الأمور غير المكتملة، لماذا بدأ النص مع خبر وفاة الخالة، ولم نلحظ له تأثير فى الرواية! والأب القتيل، ظلّت الرواية تردّد الأمر، خصوصًا عندما التقت كندة بفاطمة لأول مرة وسألتها «أنت ابنة المقتول»، ولكن لم يتمّ البناء على الأمر، فلماذا جعلت الرواية من الأب مقتولًا، طالما أن تسجيلاته وأبحاثه واستمرار ابنته فى البحث هى الأساس، فلماذا لم يمت موتًا عاديًّا فلا يبدو الأمر مقحَمًا ولم تجد له الروائية مخرجًا، فكتبت باب الملاحظات. كلها أمور قد تكون مرتبطة بالذائقة الشخصية وقد يراها البعض جزءًا من التجريب، حيث ليس من الضرورى أن تنتهى كل الأبواب التى تفتحها الروايات إلى حلول واضحة! ولكنّ الشرح الذى أنهت فيه الرواية واختصرت كل ما قالته، خصوصًا مع ظهور غسان من جديد واكتشاف أنه سرق منها فكرة المقهى «غرفة حنا دياب»، أظنّه كان لأمر من اثنين، أنّ الكاتبة لم تثق بقدرة المتلقى على الربط وتجميع خيوط القصص المتفرقة، أو لأنها وجدت نصّها نفسه يحتاج إلى هذه الشروح! ولكن ما أجمل لو أنها وردت بين خيوط القصص، زمن القصّ والترجمة، وزمن القصص المترجمة! 
وبالعودة إلى العنوان أقول إن اختياره كان جميلًا ومدروسًا وقويًّا، خصوصًا أنّ المتلقى يظن أنه سيلاحق الرجل ويسمع قصصه بالتفصيل، ولكن الإيهام يكون أقوى وأعمق ويجعل من التجريب فى النص أذكى، فيظهر حنا سريعًا فى الفصلين، وفى الفصل الثانى حيث نعتقد أننا سنسمع قصصه بالفعل، ولكننا نفاجأ بقصص من نوع آخر حول تلك المرحلة، حيث نعود إلى بداية قصة الجد، حسن القزاز وقصة حبه الأولى، وتعود بنا الرواية إلى الفتاة التى كانت تلعب بالدبابيس ويقتلها الزلزال، وتعود لتخبرنا أنّ فاطمة التى تُحدّث الجنّ، قتلها حريق! وأنّ «الجمال الذى انهار بانهيار المدينة، لا سبيل إلى استرجاعه ثانية».
لقد جرّبت الكاتبة، وهى الناقدة والقادرة على مراقبة نصّها، والممتلكة لغةً وأسلوبًا شائقًا بالفعل، حاولت الخروج عن السائد، فكتبت قصة بين الواقعى والسياسيّ والتاريخى، استعادت جزءًا من تاريخ المدينة أحبّت الإضاءة عليه بوصفها صاحبة همّ ثقافيّ ومشروع روائى كبير، ولكن التجريب كان سلاحًا بحدَّيه، قطعَ بعضًا من التأريخ، وبعضًا من الحكايات، وبعضًا من الفنية الروائية، وبعضًا من الأسلوب، فقدَّم جزءًا من كل واحدة على حساب الأخرى!