الشرقية: إسلام عبدالخالق
»يعملها الكبار ويقع فيها الصغار».. كلمات تتضاد مع المثل الأشهر في أوساط العامة، لكنها الأقرب والأصدق لما آلت إليه الأمور هناك، وسط مركز أبو كبير في محافظة الشرقية؛ بعدما دفع صغير، بالكاد تقترب سنوات عمره من تمام الرابعة، حياته ثمنًا لخلاف دب بين والدته وزوجها، حيث أنهى زوج الأم حياة الصغير بعدما دفعه أرضًا حال وجوده بينه ووالدته، والتي نالت نصيبها هي الأخرى من التعدي الموحش على يد العاطل الذي اختارته ليكون زوجها الثاني والأب الجديد لوحيدها، لكنه لم يكن هذا أو ذاك، بل كان قاتلا بوجه جامد ومشاعر متبلدة سولت له دفع الصغير حتى نزف مخه نزفته الأخيرة.
لم يكن «مصطفى» يعرف من الدنيا سوى وجه أمه، ولم يملك من الأمن إلا تلك اليد الصغيرة التي كان يمسك بها كلما شعر بالخوف، أربعة أعوام فقط بالكاد كانت السنوات التي عاشها الطفل، لم يعرف خلالها معنى الزواج ولا الطلاق، ولم يدرك لماذا يختلف الكبار؟، أو لماذا تتحول البيوت التي يفترض أن تكون ملاذًا للأمان إلى ساحات للخوف والعنف؟ كان كل ما يعرفه أنه حين ترتفع الأصوات داخل المنزل، يقترب أكثر من والدته، ويختبئ خلفها، ظنًا منه أنها وحدها القادرة على حمايته من كل شيء، لكن في تلك الليلة، لم تستطع الأم أن تحمي نفسها، فضلا عن أن تحمي صغيرها.
خلافات
داخل منزل متواضع بإحدى المناطق في مركز أبو كبير بمحافظة الشرقية، كانت الخلافات الزوجية قد بلغت ذروتها، لم يكن الجيران يعلمون تفاصيل ما يدور خلف الأبواب المغلقة، لكن الأصوات المرتفعة لم تكن جديدة عليهم، مثل كثير من البيوت التي تخفي جدرانها خلافات لا يراها أحد، كان هذا المنزل يعيش على وقع مشاحنات متكررة، تتصاعد مرة، وتهدأ مرة أخرى، حتى جاء اليوم الذي خرج فيه الخلاف عن السيطرة، وكتب نهاية مأساوية لطفل لم يكن طرفا في أي نزاع.
كان «مصطفى» يقيم مع والدته بعد أن ارتبطت برجل آخر عقب انفصالها عن والده، حملته معها إلى بيت الزوجية الجديد أملا في أن يجد بيتًا مستقرًا ينشأ داخله، وأن يحصل على حياة أكثر هدوءًا مما عاشه في شهوره الأولى، كانت تحاول، كأي أم، أن تعوض طفلها عن غياب الاستقرار، وأن تمنحه أسرة جديدة يشعر داخلها بالأمان، لكن الواقع كان مختلفًا؛ فبحسب ما توصلت إليه التحريات الأولية، فإن العلاقة بين الزوجين لم تكن مستقرة خلال الفترة الأخيرة، وكانت الخلافات تتكرر بين الحين والآخر لأسباب مختلفة، حتى أصبحت المشادات جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية داخل المنزل.
وفي يوم الواقعة، وصلت تلك الخلافات إلى مرحلة أكثر خطورة، بدأ الأمر، بحسب ما كشفت عنه التحريات، عندما أبدت الزوجة رغبتها في مغادرة منزل الزوجية، بعد تصاعد الخلافات بينها و زوجها، لم تكن تلك الرغبة وليدة لحظة غضب، بل جاءت بعد توتر متراكم، إلا أن الزوج رفض الأمر بصورة قاطعة، لتبدأ مشادة كلامية سرعان ما تحولت إلى مواجهة عنيفة داخل المنزل.
كانت الكلمات الحادة تتطاير بين الطرفين، بينما كان الطفل الصغير يتابع المشهد بعينين لا تفهمان شيئا سوى أن والدته تبدو خائفة، اقترب منها أكثر، وتشبث بملابسها كما يفعل الأطفال حين يشعرون بالخطر، لم يكن الصغير يعلم أن اقترابه منها سيضعه في قلب العاصفة؛ ففي لحظات، فقد الزوج السيطرة على أعصابه، وتحولت المشادة إلى اعتداء جسدي.
وبحسب التحريات، بدأ الاعتداء موجهًا إلى الزوجة، قبل أن تمتد يد المتهم إلى الطفل الذي كان يقف بجوار أمه، ليصبح هو الآخر ضحية للعنف، ولم يكن جسد «مصطفى» يحتمل قوة الاعتداء؛ فجسد صغير بالكاد بدأ يكتشف العالم، تلقى ضربات كانت كفيلة بإحداث إصابات بالغة الخطورة، وسقط الطفل، بينما كانت والدته تحاول حمايته بكل ما تملك، إلا أنها كانت هي الأخرى تتعرض للاعتداء، فلم تستطع أن تمنع ما وقع.
داخل المنزل، كانت الثواني تمر ثقيلة، بينما كان الطفل يفقد وعيه تدريجيًا، ومع إدراك خطورة حالته، نقل على وجه السرعة إلى المستشفى، وهناك، داخل قسم الطوارئ، كان الأطباء يدركون منذ اللحظات الأولى أنهم أمام حالة حرجة للغاية؛ بدأ الفريق الطبي في إجراء الإسعافات اللازمة، وخضع الطفل للفحوص الطبية والأشعة العاجلة، التي كشفت عن إصابته بنزيف حاد في المخ.
حاول الأطباء بكل ما لديهم إنقاذ حياته، وتعاملوا مع الحالة باعتبارها سباقا مع الزمن، لكن الزمن كان أسرع؛ فالإصابات التي تعرض لها كانت أكبر من أن يحتملها جسد طفل في الرابعة من عمره، وبعد محاولات لإنعاشه والحفاظ على وظائفه الحيوية، أعلن الأطباء وفاته متأثرًا بإصابته.
في تلك اللحظة، لم تفقد الأم طفلها فقط، بل انهار آخر خيط كانت تتشبث به وسط حياة امتلأت بالخلافات، وتحول المستشفى إلى مشهد من البكاء والانهيار، بينما بدأ رجال الشرطة في مباشرة إجراءاتهم بعد إخطار الأجهزة الأمنية بمديرية أمن الشرقية بالواقعة.
ضبط المتهم
انتقلت قوة من ضباط مباحث مركز شرطة أبو كبير إلى المستشفى، ثم إلى المنزل الذي شهد الواقعة، وبدأت في جمع المعلومات، ومعاينة مكان الحادث، والاستماع إلى أقوال الأم وكل من يمكن أن يسهم في كشف تفاصيل ما جرى.
وكشفت التحريات الأولية أن الطفل كان يقيم مع والدته وزوجها داخل المنزل، وأن الواقعة جاءت في أعقاب مشادة نشبت بين الزوجين بسبب رغبة الزوجة في مغادرة منزل الزوجية، قبل أن تتطور إلى اعتداء انتهى بإصابة الزوجة والطفل، وكانت إصابة الأخير هي الأخطر.
وبعد التأكد من هوية المتهم، اتخذت الأجهزة الأمنية إجراءاتها القانونية، وعقب تقنين الإجراءات، تمكنت قوة أمنية من ضبط المتهم، ويدعى «أحمد»، 30 عاما، عاطل، واقتادته إلى ديوان مركز الشرطة، حيث جرى اتخاذ الإجراءات القانونية حياله، وتم تحرير المحضر رقم 11131 جنح مركز شرطة أبو كبير لسنة 2026، وأخطرت النيابة العامة التي باشرت التحقيقات فور ورود أوراق القضية إليها، حيث تم الاستماع إلى أقوال الأم، إلى جانب مراجعة التحريات الأولية، وطلبت استكمالها للوقوف على جميع تفاصيل الواقعة، وكيفية حدوث الاعتداء، والظروف التي سبقته، كما كلفت المختصين بإعداد التقارير الطبية اللازمة التي توضح طبيعة الإصابات التي تعرض لها الطفل، وسبب الوفاة بصورة قاطعة.
ومن المنتظر أن تحسم تقارير الطب الشرعي جميع التفاصيل المتعلقة بالإصابات التي أودت بحياة الطفل، وكيفية حدوثها، ومدى توافقها مع ما أسفرت عنه التحريات الأولية.
ورغم أن القضية لا تزال محل تحقيق، فإنها تركت أثرًا بالغًا في نفوس أهالي مركز أبو كبير، الذين استقبلوا نبأ وفاة الطفل بصدمة كبيرة، خاصة أن الضحية لم يكن قد تجاوز الرابعة من عمره، ولم يكن طرفًا في الخلاف الذي انتهى بحياته؛ فالطفل الذي كان يفترض أن يقضي أيامه بين ألعابه البسيطة، وأن يتعلم نطق الكلمات الجديدة، وأن يركض خلف أقرانه في شوارع القرية، انتهت رحلته داخل قسم للطوارئ، بعدما تحولت لحظة غضب بين الكبار إلى مأساة دفعت طفولته ثمنها.
ولم يكن «مصطفى» سوى الحلقة الأضعف في سلسلة بدأت بخلاف زوجي، ثم تحولت إلى اعتداء، وانتهت بجثمان صغير ينتظر استكمال الإجراءات القانونية، بينما يجلس المتهم داخل محبسه في انتظار ما ستسفر عنه تحقيقات النيابة العامة، التي تواصل عملها لكشف جميع ملابسات الواقعة، تمهيدًا لاتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية.
اقرأ أيضا:

حملات مواجهة الفساد فى العراق مستمرة
كتاب رجل الأقدار| شهادة 3 من وزراء الداخلية توثق أخطر مرحلة في تاريخ مصر الحديث
ضربة أمنية موجعة لتجار الدواء المهرب





