لسنواتٍ طويلة، ظللت أسمع عن الوجه الآخر لكرة القدم؛ عن تداخلها مع السياسة، وعن مظاهر العنصرية التى لوثت ملاعب البطولات الكبرى، وفى مقدمتها كأس العالم، وعن الفضائح التى لاحقت الاتحاد الدولى لكرة القدم وألقت بظلال من الشك على نزاهة اللعبة الأكثر شعبية فى العالم، لكن ما تعرض له المنتخب المصرى تجاوز كل ما سبق، حتى بدا وكأنه لحظة فارقة كشفت أن ما جرى لم يكن مجرد أخطاء تحكيمية عابرة، بل مشهد هز ضمير اللعبة نفسها.
ولم يكن غريبًا أن يخرج عدد من نجوم كرة القدم العالميين ليؤكدوا أن المنتخب المصرى كان الأجدر بالفوز، وأن الانحياز التحكيمى للمنتخب الأرجنتينى كان واضحًا منذ الدقائق الأولى للمباراة.
ورغم ذلك، خاض لاعبو مصر المواجهة بشجاعة نادرة وروح قتالية استثنائية، وفرضوا سيطرتهم وتقدموا بهدفين دون رد طوال نحو ثمانين دقيقة، قبل أن تتحول المباراة إلى مشهد عبثى، بدا فيه أن المنتخب الأرجنتينى، مدعومًا بقرارات تحكيمية مثيرة للجدل، عازم على انتزاع الفوز بأى وسيلة، مهما كانت، وعلى مرأى ومسمع من العالم كله.
والنتيجة أن الأرجنتين، بطلة النسخة الأخيرة من كأس العالم، فازت بالمباراة، ودفعت ثمنًا معنويًا باهظًا، فقد خسرت جانبًا كبيرًا جماهيرها فى مصر والعالمين العربى والإسلامى، ووضعت شرف المنافسة موضع تساؤل، وأثارت شكوكًا لدى كثيرين حول نزاهة بعض محطاتها السابقة.
وفى المقابل، حقق المنتخب المصرى انتصارًا معنويًا خالصًا تجاوز حدود النتيجة الرسمية، بعدما توحد المصريون، داخل الوطن وخارجه، فى مشهد استثنائى خلف منتخبهم وأبطاله، والتفوا حول اللاعبين بدعم لم تشهده الكرة المصرية من قبل، ويكفى تصفح الحسابات الرسمية للاتحاد الدولى لكرة القدم، أو الصفحات الشخصية للاعبى المنتخب الأرجنتينى، أو حساب حكم المباراة على منصات التواصل الاجتماعى، لإدراك حجم الغضب المصرى، وما امتد إليه من تضامن واسع من جماهير اللعبة فى أنحاء مختلفة من العالم، ومطالب إعلامية دولية بالتحقيق فى أحداث المباراة والتشكيك فى الاتحاد الدولى.
وهكذا لم تعد القضية مجرد مباراة انتهت بصافرة حكم، بل تحولت إلى أزمة مست صورة كرة القدم العالمية، وألقت بظلال كثيفة من الشك على عدالة المنافسات، ووضعت القائمين على اللعبة أمام اختبار حقيقى لاستعادة الثقة، ورسالة يصعب تجاهلها مفادها أن ما حدث لن يُنسى بسهولة، وسيظل واحدًا من أكثر المشاهد إثارة للجدل فى تاريخ البطولة.
هل دفع المنتخب المصرى ثمن موقف مديره الفنى، الكابتن حسام حسن، عندما رفع علم فلسطين، وأعلن أمام العالم، تضامن مصر مع الحق الفلسطينى ورفضها لما يتعرض له المدنيون فى غزة؟ إنه سؤال مشروع، لم يعد يتردد فى مصر وحدها، بل أصبح حاضرًا فى كثير من النقاشات والمتابعات حول العالم، ويزداد هذا التساؤل وجاهة إذا استحضرنا مشاهد الاستفزاز التى مارستها بعض الجماهير داخل الملعب، عبر رفع أعلام دولة الاحتلال بكثافة، فى رسالة تجاوزت حدود التشجيع الرياضى إلى توظيف السياسة فى قلب المنافسة.
وفى تقديرى، لا يتعلق الأمر بنظرية مؤامرة تقليدية بقدر ما يعكس واقعًا دوليًا باتت فيه ازدواجية المعايير أكثر وضوحًا، حيث تُمارس العنصرية أحيانًا بوجه مكشوف، ويُدفع ثمن الانحياز إلى الحق الفلسطينى فى أكثر من ساحة، بينما يستمر الصمت الدولى إزاء ما يتعرض له المدنيون فى غزة.
وما فعله حسام حسن لم يكن فى نظر ملايين المصريين، تصرفًا فرديًا أو موقفًا شخصيًا، بل تعبيرًا صادقًا عن وجدان شعب بأكمله. ولست مبالغًا إذا قلت إن صورته وهو يرفع علم فلسطين تجاوزت حدود مصر، لتتحول إلى رمز تداولته الجماهير العربية والإسلامية على نطاق واسع، حيث أعاد كثيرون نشرها واتخذوها صورة لحساباتهم، وأرفقها آخرون بعلامة «لا للعنصرية» تضامنًا معه، واحتجاجًا على ما اعتبروه معاملة تحكيمية جائرة ومستفزة بحق لاعبى المنتخب المصرى.
وفى مصر، يتطابق الموقف الرسمى مع الوجدان الشعبى فى دعم القضية الفلسطينية والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطينى، وقبل أيام قليلة من المباراة، شهدت الدولة المصرية افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية، حيث أكد الرئيس عبد الفتاح السيسى، فى كلمته خلال الافتتاح، ثوابت السياسة المصرية تجاه القضية الفلسطينية، مجددًا رفض مصر القاطع لأى محاولات لتصفية القضية، وتمسكها بقرارات الشرعية الدولية، وضرورة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، باعتبار ذلك المدخل الحقيقى لإنهاء الصراع وتحقيق الأمن والاستقرار فى الشرق الأوسط.
ذلك الموقف يمثل نهجًا سياسيًا ثابتًا يحرص الرئيس السيسى على التأكيد عليه فى كل لقاء أو زيارة أو محفل دولى، بوصفه أحد الثوابت الراسخة للدولة المصرية، التى لا تقبل المساومة أو التبديل، فمصر هى الدولة الأكثر دعمًا للقضية الفلسطينية سياسيًا، والأكبر إسهامًا فى إدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى قطاع غزة.
وما قد يغيب عن إدراك هؤلاء أن المصريين لا يقبلون المساومة فى الثوابت، فإذا كان الثمن الذى دفعه المنتخب المصرى هو خروجه المشرف من كأس العالم بسبب موقفٍ مؤيدٍ للحق الفلسطينى، فإن ذلك فى ميزان القيم لا يُعد هزيمة، بل انتصار يوازى فى دلالته ومعناه الفوز بالكأس نفسها.
فمصر لم تتخل يومًا عن مبادئها، ولم تجعل من القضية الفلسطينية ورقة للمقايضة أو المساومة، بل تحملت -على امتداد عقود- أثمانًا سياسية واقتصادية ودبلوماسية دفاعًا عما تؤمن بأنه حق وعدالة، ولذلك، فإن خسارة مباراة، مهما بلغت أهميتها، تبقى أقل شأنًا من خسارة الموقف، وأقل قيمة من التفريط فى مبدأ، قد تُسجل البطولات أسماء الفائزين فى سجلاتها، لكن التاريخ يحتفظ أيضًا بأسماء الذين اختاروا الوقوف إلى جانب الحق، مهما كانت الكلفة.
لقد خرج المصريون بالمكسب الأهم؛ فقد وُلد جيل جديد من اللاعبين لا يخشى مواجهة كبار العالم، ولا يدخل الملعب بعقلية الباحث عن الخروج بأقل الخسائر، بل بعقيدة المنافسة والقدرة على الانتصار. إنها الروح التى افتقدها المنتخب فى كثير من مشاركاته السابقة بكأس العالم، قبل أن تستعيدها هذه المجموعة، التى أعادت للمصريين إيمانهم بقدراتهم، وجعلت الحلم مشروعًا يمكن تحقيقه، لا مجرد أمنية مستحيلة.
بداية الحلم كانت إعلان انحياز الرئيس السيسى إلى فكرة المدرب الوطنى، بعد سنوات من الاعتماد على المدرسة الأجنبية وما صاحبها من إخفاقات، وهو اختيار اتسم ببعد النظر، وقد أثبت حسام حسن أنه لم يكن مجرد مدير فنى، بل قائد نجح فى غرس الشخصية القتالية والانضباط والثقة فى نفوس لاعبيه، فاستعاد المنتخب هويته، وأعاد إلى الجماهير ثقتها بأن الكرة المصرية قادرة على مواجهة أقوى منتخبات العالم بندية وشجاعة، واليوم اكتسبت الفرق المصرية «عقلية» الفوز على الكبار وهو المكسب الأكبر والأهم من البطولة؛ وهو ما يرسخ فى ذهن الأجيال الجديدة من المصريين قناعة بأنهم متى امتلكوا الثقة والإرادة، استطاعوا تحويل الحلم إلى واقع، وفرضوا لأنفسهم مكانًا بين كبار اللعبة الأكثر شعبية فى العالم.

د.أسامة أبوزيد يكتب: تكريم الرئيس.. وفرحة شعب
معركة حق الأداء العلنى
إســـلام عفيفى يكتب: الأوكتاجون والضبعة والمنتخب






