كلامى

النصر الأسمى

محمد سلطان
محمد سلطان


● ليس كل خسارة هزيمة، ولا كل انتصار يقاس بنتيجة على لوحات المباريات، حين وصل منتخب مصر إلى ملاعب كأس العالم، لم يكن أكثرنا تفاؤلاً يتوقع ما حققته كتيبة العميد، الذين ذهبوا وهم لا يحملون بين أرجلهم كرة فقط، بل حملوا فوق أكتافهم أحلام أمة، وفى قلوبهم قضية راهن عليها التاريخ، اجتازوا خطوات لم يتوقعها المتفائلون، وقاتلوا حتى الرمق الأخير، لكن الرياح لم تجرِ كما تشتهى سفننا.
ورغم أننى لست من معتنقى نظرية المؤامرة، إلا أن هناك دلائل كثيرة تشى بأن حلم مصر سُرِق بفعل فاعل، لأسبابٍ أراها عنصرية عقابية، ولأغراض تسويقية من «فيفا» الذى يزن البطولات بالدولار، ويغض الطرف عن الحقوق حين تتعارض مع عقود الرعاية.
نعم، تعرضنا للعقاب لأننا اخترنا أن نكون صوتاً لا مجرد قدمٍ تركل الكرة، ولأن حسام حسن، الذى لم يعرف الانحناء، حوّل المؤتمر الصحفى الذى سبق المباراة إلى منبر للتاريخ، لم يقدم إهداء رياضيا، بل رسم لوحة نضالية نادرة، جسد فيها معنى الانتماء للعروبة، ووجه صفعة مدوية على وجه الاحتلال، سلّط الضوء على مآسى أطفال غزة فى الخيام المكشوفة، متسائلاً بجرأةٍ نادرة.. أين الضمير الإنسانى الذى يهتز لموت حيوان ويصمت عن موت طفل؟ أعاد العميد فتح الجرح، وكشف ازدواجية المعايير الغربية، ووضع العالم أمام مرآة عوراته، ليثبت أن الكرامة ليست شعارا، بل موقف يدفع ثمنه غالياً.
هنا انكشفت الأقنعة، وانطلق نعيق المطبعين، أولئك الذين ينتسبون إلينا بالباطل وهم فى خندق واحد مع الاحتلال، أزعجتهم لفتة العميد، فبادروا إلى التبرير، وكأن الانتصار للمظلوم جريمة، وكأن رفع علم دولة عضو فى الفيفا خرقٌ للقوانين! حتى جاءهم الردّ صاعقةً من الاتحاد الدولى، مؤكداً أحقية رفع علم فلسطين، ليفضح تخبطهم، ويضعهم فى الموضع الذى يستحقون.
نعم يا عميد، فكلنا معك على يقين بأن الصمت الحقيقى يكون حين ينام الأطفال، لا حين يقتلون، وما فعلته لم يكن مجرد موقف عابر، بل بذرة أمل، ومصباح ينير درب مَن سيأتون بعدنا.
إذا كنا قد خسرنا المباراة، فقد ربحنا المعركة الأسمى، فلننطلق من هذه المحطة إلى مستقبل نصنع فيه رياضة تحمل رسائل السلام والعدالة، جيل جديد يدرك أن الميدان منصة تغيير، وأن الأصوات الشجاعة وحدها تصنع التاريخ، لنحول المستطيل الأخضر إلى مسرح للكرامة، لا ساحة للصمت المخزى.
وهكذا، صار علم فلسطين مرفوعاً ليس فى الملاعب وحدها، بل فى ضمير كل حر، شاهداً على أن الأحرار لا يموتون، وأن القضية لا تُباع مهما كبر الثمن، منتخب مصر، بمدربه الإنسان، لم يخسر مباراة، بل خاض معركة كرامة إنسانية، سيسجلها التاريخ بحروف من نور.
وعلى صعيد المنافسة الكروية، فلنجعل من هذا النجاح الكبير منطلقاً لوعى رياضى جديد، ومشروع قومى حقيقى يبحث عن المواهب فى ربوع المحروسة، وما أكثرهم.. بشرط اختيار مَن ينقب بعدالة عن هذه الجواهر، دون وساطة أو محسوبية، لضمان وجود مصر دائماً فى مصاف الكبار، وفى المكانة التى تليق بتاريخها وقيمتها وشعبها العاشق لكل نجاح، الباحث عن كل فرحة انتصار تحت علم بلاده.