ابعت لى جواب!

ابعت لى جواب!
ابعت لى جواب!


كارولين كامل

«رسالة جديدة» واحدة من أكثر الجمل المحببة أو المؤلمة، بناءً على محتوى الرسالة المُنتظرة، ومع تطور وسائل التواصل الاجتماعى والهواتف المحمولة، ابتكر المطورون وسائل تعذيب متمثلةً فى إخطارنا بخط سير الرسالة منذ أن طارت من هواتفنا، بدءً بجملة «تم الإرسال» انتظار يليه «تم التسليم»، ثم نترقبُ تغيير حالة الرسالة إلى «تمت القراءة»، لنتنفس الصعداء حتى يرن الهاتف بـ: «رسالة جديدة».
ما بين الإرسال والقراءة، نعيش الاحتمالات وتتصارع فى رؤوسنا عشرات الردود، نتمنى أحياناً ردًا بذاته، وإما أن يصلنا هذا الرد، أو رد آخر يضعنا أمام احتمالات أخرى، أو لا يُجيب الطرف الآخر أبدًا ويتركنا مع حقيقة واحدة، وهى أنه غير مهتم بالرد، ولا يعنيه استمرار الحديث وتبادل الرسائل.
«ابعَت لى جَواب!» النص -كما أسمّيه- حيث احترنا فى تصنيفه رواية أم كتابًا، هو رحلة سرد بطَلاها رجلان مصريان يتبادلان الخطابات مع أسرتيهما فى الربع الأخير من القرن العشرين. هذه الخطابات التى عثرتُ عليها فى إحدى زياراتى لـ «سوق ديانا» - والتى بدأتها منذ أربع سنوات- ولفت انتباهى جملة قرأتها فى أول خطاب اصطدته من كرتونة متخمة بالأظرف:
«آه يا مودموزيل (…) لو مش عندك احمر شفايف.. ابقى اشترى بفاتورة ولما أرجع أحاسبك.. لأنك حرمتينى من شفايفك الجميلة فى رسائلك».
المهندس سعد بدراوى، أحد أبطال «ابعَت لى جَواب!» والمقيم فى السعودية، يكتب إلى خطيبته فى مصر خطاباً مؤرخًا عام ١٩٩٠، مسترسلًا فى فيض من العواطف التى وصف بعضها بوضوح، واستعاض عن الكثير منها بالنقاط وعلامات التعجب لقول ما لم يقو على البوح به، ويُكرر بين عدة أسطر جملة: «طبعًا فهمانى يا حلوة».
أعجبتنى جرأة صاحبه، ومسّنى حزنُ كون رسالته المشفرة، التى ظنّ أنها سرية، قد وقعت اليوم بين يديَّ، ولم يكن فكّ شفرتها بالأمر الصعب، أو هكذا أدّعى أنى فهمت مقاصده الإيروتيكية الكامنة فى النقاط وعلامات التعجب والاستفهام، مستخدمة خيالى وربما تجاربى مع تشفير الرسائل العاطفية فى الفترة التى تسبق البوح الكامل.
ابتسمتُ وأكملتُ قراءة الخطاب، ولمستُ نزاعه ما بين شوقه إلى التعبير عما يعتريه من رغباتٍ ذات طابع جنسى كما هو واضح، وبين خوفه أو ربما خجله من صياغتها فى الخطاب الورقى.
خلال ثلاث ساعات من تفتيش الكرتونة بحثًا عن المزيد من خطابات هذا الرجل، عثرتُ على تسعة خطابات غير متسلسلة وعلى مدار سنوات مختلفة، وللأسف لم يسعدنى الحظ فى العثور على أيٍّ من خطابات خطيبته.
«أنا تعيس يا بطة».. بنبرة منهزمة دوّن رجلٌ مصرى آخر يعمل فى العراق خطاباتٍ إلى زوجته فى مصر، مؤرخة بدءًا من عام ١٩٧٩، يفيض فيها بمشاعر سمّاها «التعاسة» بسبب الغربة والوحدة. عشرة خطابات تكشف الرهافة والألم؛ ذلك الجانب الذى لم أتصور أن جيل آبائنا من الرجال يملكه، الجيل الذى يتعمد التباهى بكونه قضى فترة من شبابه فى التجنيد وشارك فى حرب أو اثنتين.
«الحب والحرب» المتلازمة التى شغلتنى عندما خطرت لى فكرة الكتابة، لأن من بين القواسم المشتركة بين البطلين كانت الحروب فى منطقة الشرق الأوسط، فالأول تعطلت مساعيه فى استقدام أسرته بسبب حرب «الخليج الأولى» وانعكاساتها على الحياة فى العراق خاصة على العمالة الأجنبية ومن ضمنها المصريون، والثانى تأخر موعد زواجه وقدرته المالية على استقدام زوجته بسبب الغزو «العراقى للكويت»، وفرار عشرات العائلات إلى السعودية.
«ابعَت لى جَواب!»، الصادر عن دار المرايا، ليس نوستالجيا إلى زمن أجمل مما نعيشه الآن، وإنما تخيل رحلة تبادل خطابات البريد - أوردتها بالكامل فى النص مع تغيير الأسماء فقط احترامًا للخصوصية - التى كانت تطول فترات تسليمها أحيانًا إلى أسابيع، وما يعيشه أصحابها من مشاعر لهفة وقلق واحتياج، لما قد تحتويه الخطابات من معلومات مهمة، وقرارات مصيرية، وأشواق متبادلة، أو حتى شيكات نقدية، كان الناس فى أمسّ الحاجة إليها وكأنها القشة التى ينتظرها الغريق.