أحمد المرسى
واحدة من أكثر المعتقدات شيوعًا بيننا فى مصر أو ربما فى عالمنا العربى هى أن «التاريخ مزيف»، وهى كلمة تبدو لقائلها مريحة، ببساطة فطالما أن التاريخ مزيف لماذا نصدقه؟ وإذا كان مزيفًا فإن الموقف الذى يجعلنا نبدو أكثر ثقافة ووعيًا هو أن نرفضه أو نشكك فيه من الأصل.
ولكن ما يجعل العبارة سطحية بعض الشىء أن التاريخ لم يزيف، بل إنه لا يمكن تزييفه، فتزييف التاريخ أمر يتعلق بمتلقيه وليس بُمزيفه، الأمر أشبه بحيلة الساحر، التى قد تنطلى على شخص يؤمن بالسحر من الأساس، بينما سيراه شخص يُعمل عقله أنها مجرد خفة يد.
إن التاريخ أشبه بسفينة غارقة فى المحيط، فبينما أغلب الناس لا يستطيعون الغوص لرؤيتها، فإنهم مجبرون على تصديق أى غواص يغطس ليراها ثم يحكى لهم عنها. وقد تأتى رواية هذا الغواص ملتبسة مع معتقداته وأيديولوجيته. فنحن لا نستطيع أن نحكى حكاية دون أن نضع فيها أنفسنا بالأخير.
ولكن عندما يأتينا غواص آخر برواية مخالفة ملتبسة بمعتقدات أخرى وأيديولوجيات أخرى، فإننا نشعر حينها بالصدمة، وتلك الصدمة تتمثل فى الرفض وعبارات مثل «التاريخ مزيف».
فالتاريخ مزيف بالنسبة للمستسهل، الذى ينتظر أن يأتيه التاريخ تحت قدميه بسردية المنتفع وتأويلاته الجاهزة، مثل «وجبة سريعة». وإن أخطر ما يفسد التاريخ هو قراءته بأيديولوجيات مسبقة، فوقتها تكون كل الأحداث قابلة للتأويل.
وعليه؛ إن التاريخ موجود لمن يبحث عنه، وحتى محاولات تزييفه التى حدثت طوال التاريخ فى النهاية هى الدلالة على زيفه. تمامًا مثلما قام تحتمس الثالث بطمس اسم حتشبسوت من فوق جدران المعابد، ليصبح فعله فى ذاته دليل إدانته.
النوايا السليمة
ولكى نقرأ التاريخ بشكل صحيح علينا أن نتعامل معه كالأطباء مع الحالات المرضية؛ بعملية. فالتاريخ علم، ولا يمكن أن يخضع العلم للأيديولوجيات والعقائد والسرديات المختلفة، فحتى السردية الوطنية للتاريخ تفسده، وحتى النوايا السليمة تجعله قصة فاسدة، فالتاريخ مثله مثل الرياضيات، فهل من الممكن أن نقحم أيديولوجيتنا فى مسألة رياضية؟ أو أن نقحم وطنيتنا فى علم الأحياء؟ إن مشكلتنا الكبرى أننا نتعامل مع التاريخ كحجة ووسيلة لدعم معتقاداتنا المسبقة، فنحوله إلى سردية جاهزة. هذه السردية ككل السرديات الدرامية فيها الشر والخير. فيها الخطأ والصواب، بينما التاريخ أعقد من ذلك، وأجمل أيضًا.
وإن إفساد التاريخ الحقيقى يكمن فى إلباسه سردية ما. فأول شىء يجب نفعله ونحن نقرأ التاريخ أو نعمل فيه هو أن نفصل عواطفنا عنه، وأن نتعامل معه بدون قلب، مثلما يتعامل الباحث فى المعمل.
والنقطة الثانية لفهم التاريخ أن ندرك أن التاريخ ليس نقلًا فقط. بل هو مزيج بين النقل والعقل. فإن اعتمدنا على النقل فقط فى التاريخ فإننا سنتحول إلى آلات تكرر أخطاء الأقدمين. ولن نحدث أى تطور حقيقى. فعلى سبيل المثال تذكر بعض كتب التراث أن «الفيوم» سميت بهذا الاسم لأن يوسف بناها فى «ألف يوم»، وقد تجاهلت هذه الحكاية أوليات المنطق. فيوسف والمصريون فى ذلك الوقت – إن صحت القصة من الأصل – لم يكونوا يعرفون العربية. فكيف لهم أن يسموها بهذا الاسم؟ بينما تخبرنا اللغة المصرية القديمة أن الفيوم هى التحريف العربى لكلمة «بيوم» المصرية الأصل، وهى مزيج بين «باى»و»يم»، وباى هى أداة التعريف، و»يم» هى البحيرة. فيصبح العقل هنا ذا جدوى فى فهم التاريخ. بدلا من تمسكنا بالنص المنقول الذى لا يعبر إلا عن جهل السابقين، والجهل هنا ليست كلمة سلبية ولكنها كلمة طبيعية محيّدة بلا مشاعر تصف عدم معرفة البشر باللغة المصرية القديمة قبل شامبليون، ومحاولة ملء هذا الفراغ بالأساطير والخرافات.
فلا بأس أن نجد فى كتب التراث أن من بنى هرم خوفو هو «شداد بن عاد» وهو من العماليق. وغيره من الأخبار التى لو اعتمدنا فيها على النقل فقط لأصبح التاريخ هو تكرار لخرافات الأقدمين.
جسد الكلمة
ثم النقطة الثالثة وهى الأخطر فى قراءة التاريخ؛ وهى التفريق بين اللفظ والدلالة عند العمل مع التاريخ، فاللفظ هو «جسد الكلمة» بينما دلالته هى المعنى الذى يتركه فى ذهن قارئه.
وقد يثبت اللفظ وتتغير الدلالة فى كثير من الأحيان، فعلى سبيل المثال لا الحصر يذكر ابن حزم فى كتابه الشهير طوق الحمامة أن «فلانًا طويل اللسان»، فإذا قرأ هذه الكلمة شخص فى القرن الواحد والعشرين فسوف يفهم أن مقصد بن حزم أن فلانًا «قليل الأدب» أو «ذرب اللسان»، بينما قصد الرجل أن فلانًا «خطيب مفوه». فالكلمة والتعبير هنا بقيا بجسديهما ولكن تغير مدلولهما.
وعليه فإن المتصدى لقراءة التاريخ يجب أن يفهم أن الكلمة قد تبقى «بجسدها» ولكن تتغير بمدلولها، وهذا أمر طبيعى فى اللغة، لأن اللغات كائن حى يتبدل ويتغير فى كل حين.
وإن واحدة من أكثر الكلمات التى تغير مدلولها عبر التاريخ هو كلمة «المصريون». فمن يسمعها اليوم لن ينتابه الشك أنها تعبر عن هؤلاء القوم الذى يعيشون على أرض «مصر» منذ آلاف السنين، وتضم مسلميها ومسيحييها، ثم سيقول قائل إن المصريين أصلًا أقباط؛ فكل المصريين «مسلمون ومسيحيون» أقباط. وسيشدد القائل على ذلك. باعتبار أن هذه مغالطة تاريخية فى ثقافتنا المعاصرة. ولكن إذا عدنا بالتاريخ فسنجد أن هذه الكلمة بقيت بجسدها وشحمها ولحمها ولكن مدلولها تغّير من عصر إلى عصر.
ولكن قبل أن ندخل إلى تلك القضية الشائكة – وأقول الشائكة هنا لأنها متعلقة بالهوية – فعلينا أن نفرّق بين ثلاث كلمات؛ «مصر» و»القبط» و»المصريون».
و»مصر» هى الاسم العربى لتلك الأرض التى يجرى فيها النيل، وهو اسم أطلقه عرب الجزيرة على هذه البقعة من الأرض، فكلمة مصر تعنى الحدود، أو الأرض التى تحتوى على مدن وقرى، وجمعها أمصار، فيقال «فتحت الأمصار». ولكن هذا الاسم ليس اسمًا سماويًا نزل من السماء وعُمم على أهل الأرض. فمصر هى اسم يخص العرب فى لغتهم، بينما نجد أن الإغريق يسمون تلك الأرض «إيجيبتوس»، ومنها اللفظة الإنجليزية «ايجبت» والتى سنجد ببساطة تشابهها مع كلمة «القبط». وربما نجدها فى العبرية «مصرايم»، وهى مثنى «مصر»، فالمثنى فى العبرية ليس كالعربية، بالألف والنون بل بالياء والميم، فبدلا من أن نقول «عينان» تصبح فى العبرية «عينايم»، وبدلا من أن نقول مصر نقوم «مصرايم»؛ والمقصود هنا مصر العليا ومصر السفلى. بينما المصريون أنفسهم لم يسموا بلدهم كذلك بل سميت «كيميت».
وهنا نأتى للفظة الثانية وهى لفظة «القبط»، فبالنسبة للعرب كذلك وللغتهم، كان القبط هم سكان أرض مصر. ولم يكن العرب ينسبون القبط لمصر بمعنى أن يقولوا إن أهل مصر هم «المصريون». فقد سماهم الرسول بالقبط، وسمتهم كتب التراث جميعها قبطًا. ففى رسالة الرسول للمقوقس يقول له صراحة: «عظيم القبط». ويقول له «إثم القبط»، ثم إن مارية فى كتب التراث هى «مارية القبطية». وفى الوصية الشهيرة يقول الرسول: «إذا فتح الله عليكم مصر فاستوصوا بالقبط خيرًا فإن لهم ذمة ورحمًا». وكان أسهل عليهم أن يقول إذا فتح الله عليكم مصر فاستوصوا بالمصريين خيرًا.
لقد ذكرت كلمة «قبط» مئات المرات فى كتب التراث لتعبر عن أهل مصر. فيما غابت كلمة (المصريون) تمامًا.
وصف الأغلبية
وهنا ننتقل إلى الكلمة الثالثة «المصريون»؛ وهذه الكلمة لم تظهر إلا بعد الفتح العربى، لا لتصف القبط - فقد ظلت كلمة القبط بشحمها ولحمها فى التراث العربى لفظًا ودلالة واصفة الأغلبية الساحقة التى تعيش فى أرض مصر لقرون - ولكن ظهرت بوصفها كلمة مستحدثة تشير لهؤلاء العرب الأوائل الذين هاجروا من الجزيرة العربية إلى مصر واستوطنوها.
والحقيقة أن هذا لم يحدث فى مصر فقط، فعندما نقول المغاربة فى كتب التراث يجب أن نفرقهم عن «البربر» أو «الأمازيغ» وهم مَن سكنوا أرض المغرب من قديم الأزل. فالمغاربة فى كتب التراث المقصود بهم العرب الأوائل الذين استوطنوا المغرب.
وقد عاش العرب فى مصر حتى قبل الفتح الإسلامى، ففى كتاب «فتوح مصر» نجد ابن عبد الحكم، المؤرخ العربى، الذى يلحق باسمه صفة «القرشى المصرى» يقول أن بعض من العرب كان يرعى غنمه بالفعل فى أرض مصر، فلما ظهرت جيوش العرب على أرض مصر. رد الراعى العربى غنمه لمنزله – فى مصر- وانضم لجيش عمرو أثناء الفتح، وهو ما يفسر سهولة فتح مصر، ودخول العرب إياها.
ولا أدل على ما نقوله من تخصيص كلمة المصريين لعرب مصر سوى لقب ابن عبد الحكم نفسه - كاتب الكتاب وناقل الرواية - وهو «القرشى المصرى»، فإذا تساوت كلمة المصرى والقبطى فهل يصح أن نقول «القرشى القبطى»؟ بالطبع لا، وهل يمكن أن تشمل كلمة «المصرى» العربى والقبطى معًا؟ أيضًا هذا مستحيل. لأن العرب ظلوا عربًا والقبط ظلوا قبطًا قرونًا طويلة. ولم يثبت فى أى وثيقة تاريخية أن ذكر قبطيًا باسم مصرى. ولكن سمى العرب بالمصرى فى أغلب الأحيان.
وفى كتب التراث نرى أن مَن قتل عثمان بن عفان خلال الفتنة الكبرى هم المصريون، ويظهر من أسماء هؤلاء أنهم من قبائل مثل «خزاعة» و»عك»، وغيرها من القبائل العربية. وهل يعقل أن يكون الأقباط فى خلال أعوام بسيطة من الفتح قد أسلموا، ثم إنهم لم يكتفوا بالإسلام بل انخرطوا بين العرب، وأصابهم السخط على الخليفة، ثم أرسلوا وفدًا منهم يقوم باغتياله فى المدينة؟ بعد 14 عامًا فقط من فتح مصر. فهل كان منهم أحد يطمح فى السلطة على سبيل المثال؟ وهو من الأصل غير عربى!
لقد ظل القبط مسيحيين لمدة تجاوزت أربعمائة سنة بعد الفتح الإسلامى، لم يتحول منهم إلا قلة قليلة للإسلام. وظلت لغتهم هى اللغة القبطية فى الشارع، وهم فى ذلك الحين لا يفرق معهم عمر من عثمان من على من معاوية، فكل علاقتهم بالدولة الإسلامية الناشئة هى الجزية. وحتى مع إسلام بعضهم لم يحصلوا على منافع كاملة من الإسلام، فيذكر ابن عبد الحكم أن إسلام القبطى كان يسقط عنه جزية الرأس - وقد كانت دينارين، أى ما يقارب 50 ألف جنيه بعملة اليوم - ولكن لا يسقط عنه جزية الأرض.
وفى الحديث الشهير الخاص بابن عمرو بن العاص، أنه سابق «مصرى» فسبقه، فضربه ابن عمرو بالسوط قائلًا له «أنا ابن الأكرمين»، فجاء الرجل إلى عمر بن الخطاب فى المدينة وقال: «يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذًا، فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه، ويقدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: أين المصرىّ؟ خذ السوط، فاضرب، فجعل يضربه بالسوط، ويقول عمر: اضرب ابن الأكرمين.
وقد اشتهرت تلك القصة تدليلًا على السماحة الإسلامية، مع الشعوب التى فتح العرب بلادهم، ولكن هنا تختلط السردية الحديثة بالتاريخ، فيتناسى الراوى دلالة كلمة المصرى القديمة ويخلطها بدلالة كلمة القبطى الحديثة، فإذا أعملنا القاعدة الثانية التى اتفقنا عليها فى فهم التاريخ؛ وهى إعمال العقل فى النقل، فهل يبدو هذا منطقيًا؟ ربما قد يكون الأمر أوقع لو جردناه من شحنته العاطفية، فلو تخيلنا – على سبيل المثال - هذا القبطى وقد سابق ابن المقوقس «حاكم مصر البيزنطى وقت الفتح»، فضربه، فقام هذا القبطى بشد الرحال إلى بيزنطة كى يشكوه إلى قيصر؟ فهل نجد منطقًا فى هذا الفعل؟وهل يتوافق هذا مع الظرف الاجتماعى؟ فهل يدرى القبطى غير الناطق بالعربية من أمير المؤمنين؟ وهل يستطيع الملتصق بوادى النيل أن يغادر بلده مغامرًا ليرى رجلًا عربيًا غير معروف يسكن مدينة بعيدة تسمى المدينة فى وسط الصحراء؟ وهل يفكر القبطى كذلك؟ إن الهيراركية الخاصة بالسلطة فى عقل القبطى هى هيراركية الإمبراطوريات القديمة منذ مصر القديمة إلى العصر اليونانى إلى الرومانى والبيزنطى، فالعدالة لا تؤخذ بهذه الطريقة، ولكنها عقلية العربى الذى لا يرى فارقًا كبيرًا بين الأمير والفقير. والذى لا يتردد فى أن يتلاعب بالألفاظ مع أمير المؤمنين ذاته مثلما كان يقول عمرو بن العاص له فى رسائله: من عمرو بن العاص إلى «عبد الله» عمر بن الخطاب». أو أن يقول رجل للرسول محمد نفسه أثناء توزيع الغنائم بعد إحدى الغزوات: «اعدل يا محمد فإنك لم تعدل!». إن هذه هى العقلية العربية التى تتواءم كل الموائمة مع لفظة المصرى فى تلك القصة.
الجيم اليمنية
وقد استمرت تلك التسمية قائمة لوقت طويل، على مر قرون طويلة استقرت فيها الكثير من القبائل العربية فى مصر، وغيرت فى لسانها مع الوقت، ونجد هذا التأثير القبلى لليوم على اللسان المصرى، فنحن فى شمال مصر والدلتا ننطق الجيم بطريقتها اليمنية، وهى محل استيطان القبائل اليمنية التى فتحت مصر. بينما إذا صعدنا إلى الجنوب فسنجد أنهم ينطقونها جيمًا قرشية، لأن أغلب القبائل التى استوطنت صعيد مصر كانت قبائل حجازية.
لقد استمرت التفرقة بين مصرى وقبطى وقتًا طويلًا، ولم تتبدل الدلالة لقرون، ربما حتى استقر مفهوم القومية المصرية فى منتصف القرن التاسع عشر. فحتى مجىء الحملة الفرنسية كان المسلمون من أهل مصر يسمون فى المراجع الأوروبية «أولاد العرب» وكانوا يطلقون على أنفسهم «أولاد البلد» بينما ظلت كلمة «قبط» كما هى لفظة ودلالة، بل استبدلها البعض بكلمة «خواجة» فكان يطلق على القبطى ذا اليسار لفظة «خواجة» ونجد أن كلمة المصريين لدى الجبرتى المؤرخ الذى عاش فى نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن العشرين تعنى «المماليك» تفريقًا لهم عن العسكر الترك، وقد سمى هؤلاء المماليك فى المراجع العثمانية «المصرلية». ثم نجد أن الكلمة تكتسب دلالة جديدة فى منتصف القرن التاسع عشر وحتى اليوم لتشمل أهل مصر جميعهم، وتضم القبط كذلك من مسيحى مصر.
وقد يظن ظان أن الغرض من هذا الحديث هو محاولة تغليب كلمة على أخرى أو دلالة على دلالة أخرى، فهذا بطبيعة الحال غير صحيح، لأننا لا نختار بالأصل الكلمات ولا دلالاتها، بل يفرضها التاريخ فرضًا، ففى العقل الجمعى ستظل كلمة «الأقباط» اليوم حصرًا على المصريين المسيحيين، حتى وإن حاولنا بعكس ذلك فرضها فرضًا على الجميع. ولن تجد رجل الشارع المسلم يقول عن نفسه أنه «قبطى»، ثم إن كلمة مصرى وقتما تذكر اليوم ستعنى رغمًا عن أنف الجميع «كل إنسان يعيش على هذه الأرض مسلمًا كان أو مسيحيًا، ذا أصول عربية أو أرمينية أو يونانية أو شركسية أو تركية أو مصرية قديمة». وهو ما قد أقره قانون المواطنة عام 1915 بالفعل أثناء الحرب العالمية الأولى. ولا يجب أن يتحسس البعض من هذا الواقع أو ينكره، مثل أن ينادى بنقاء العرق المصرى، فهذا وهم لأن نقاء العرق فى ذاته هو هلوسة أنثروبولجية استفاد منها مخابيل التاريخ، ولا زال ينادى به كيان فى الشرق الأوسط يثير المتاعب والكوارث.
فهل يمكن أن يقول قائل إن الإيطاليين هم أحفاد خُلص للرومان؟ متجاهلين غزوات قبائل الجرمان؟ وهل يمكن أن نفصل الإيطاليين اليوم بسبب هذه الغزوات عن تاريخهم الرومانى ومكونهم هذا؟
إن التنوع العرقى والاختلاط هو مصير الأمم الكبيرة عبر التاريخ، لقد أصبحت لفظة مصرى اليوم ذات دلالة مختلفة تمامًا عن ما كانت عليه، وهذا إن دل فإنه يدل على حيوية حضارة هذه البلد، وأقول إننا لا نحدد الكلمات ودلالاتها فالتاريخ يتكفل بهذا. وما علينا إلا أن نتصالح معه، ولنتذكر دائمًا كلمة نجيب محفوظ أثناء تسلمه جائزة نوبل أنه وليد حضارتين المصرية القديمة والإسلامية. فلا عيب فى ذلك ولا أذى.
فى حوار طويل بعد فوزه بنوبل
معركة تولستوى وجورج أورويل على شكسبير
ماذا لو كنت ابنًا لفنان شهير






