لم تعد الحروب في عصرنا الحديث تبدأ بإطلاق رصاصة أو تحريك دبابة، بل قد تبدأ بمنشور مجهول، أو مقطع فيديو مفبرك، أو شائعة تنتشر في دقائق عبر مواقع التواصل الاجتماعي.. ففي زمن أصبحت فيه الهواتف المحمولة في يد الجميع، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة معركة جديدة، وبيئة خصبة تستخدم فيها المعلومات كسلاح، والشائعات كوسيلة لإثارة البلبلة، وزعزعة الثقة، ومحاولة ضرب استقرار المجتمعات من الداخل، وعلى مدار السنوات الماضية، كشفت الأحداث أن الجماعة الإرهابية، دأبت بشكل كبير على نشر الأخبار المضللة، وإعادة تدوير الشائعات، واستغلال أي أزمة أو حادث لإثارة الرأي العام، في محاولة لتصدير الإحباط وإحداث حالة من الانقسام المجتمعي، بعدما فقدت كل أدواتها التقليدية، فأصبحت المنصات بالنسبة لها ساحة بديلة يسعون من خلالها إلى الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المتابعين، مستفيدين من سرعة انتشار المحتوى وصعوبة التحقق منه في اللحظات الأولى.. لكن المشهد اليوم لم يعد كما كان قبل سنوات، فمع تكرار حملات التضليل، ارتفع وعي قطاع كبير من المواطنين، وأصبح كثيرون أكثر حذرًا في التعامل مع الأخبار المتداولة، وأكثر ميلًا إلى الرجوع للمصادر الرسمية قبل تصديق أو إعادة نشر أي معلومة، كما عززت مؤسسات الدولة من جهودها في مواجهة الشائعات، سواء عبر سرعة توضيح الحقائق، أو من خلال الإجراءات القانونية التي تستهدف مروجي الأخبار الكاذبة، إلى جانب حملات التوعية التي تؤكد أن حماية الأمن المعلوماتي أصبحت مسئولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، ورغم ذلك، لا تزال الشائعة تمثل أحد أخطر أسلحة حروب الجيل الرابع والخامس، لأنها تستهدف العقول قبل المؤسسات، وتراهن على سرعة الانتشار أكثر من اعتمادها على الحقيقة، فكل مشاركة غير مدققة قد تمنح معلومة مضللة حياة جديدة، وتحقق لمروجيها ما يسعون إليه من إثارة للبلبلة وفقدان الثقة، ولذلك لم يعد الوعي الرقمي رفاهية، بل أصبح خط الدفاع الأول في مواجهة حملات التضليل، وسلاحًا لا يقل أهمية عن أي وسيلة أخرى في حماية استقرار الوطن والحفاظ على تماسك المجتمع، تفاصيل أكثر إثارة نسردها لكم في السطور التالية.
الجماعة الإرهابية تستخدم منصات إلكترونية وحسابات تابعة لها لترويج معلومات مضللة وأخبار غير دقيقة حول مختلف القضايا الاقتصادية والخدمية والتنموية، وتتنوع الشائعات التي تروجها الجماعة بين مزاعم تتعلق بالأوضاع الاقتصادية ومشروعات البنية التحتية والاستثمارات والتنمية العمرانية، في محاولة لتقديم صورة مغايرة للواقع والتقليل من حجم الإنجازات التي تحققت على الأرض خلال السنوات الماضية، وكل هذه الحملات هدفها ضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وخلق حالة من الجدل والتشكيك حول المشروعات الوطنية، وهذا ما يتبعه جماعة الإخوان الإرهابية محاولة اختراق عقول الشباب عبر رسائل تبدو إنسانية أو ترفيهية في ظاهرها، بينما تحمل في مضمونها أفكارًا متطرفة وهدامة ومحاولات ممنهجة لإثارة البلبلة وفقدان الثقة، مستغلة في ذلك اعتماد الشباب الرئيسي على مواقع السوشيال ميديا في الحصول على المعلومات والتواجد الدائم عليها، حيث يقومون على تكرار الرسائل نفسها بصيغ متعددة، لكن في ذات التوقيت تواصل الجهات المعنية جهودها في كشف الحقائق والرد على الادعاءات المضللة من خلال البيانات الرسمية والمعلومات الموثقة، بما يسهم في توضيح الصورة أمام الرأي العام، كما لعب ارتفاع مستوى الوعي لدى المواطنين دورًا مهمًا في الحد من تأثير تلك الشائعات، خاصة مع تزايد الاعتماد على المصادر الرسمية للتحقق من المعلومات.
حجب حسابات
في الوقت ذاته قررت نيابة الشئون الاقتصادية وغسل الأموال التابعة للنيابة العامة المصرية حجب حسابات 11 شخصًا على 6 منصات للتواصل الاجتماعي داخل البلاد، بعد اتهامهم بنشر "محتوى مسيئ" لمؤسسات الدولة، وقالت النيابة: إن القرار جاء استنادًا إلى تحريات الجهات التنفيذية، التي رصدت استخدام تلك الحسابات في "نشر محتوى مسيئ لمؤسسات الدولة المصرية وبث خطابات تحريضية وإذاعة معلومات مغلوطة"، معتبرة أن ذلك "يتجاوز حدود الرأي والتعبير التي تجيزها تلك المنصات ويشكل جرائم جنائية"، ويتضمن القرار حجب أو إيقاف الحسابات على منصات "فيسبوك" و"يوتيوب" و"إنستجرام" و"إكس" و"تيك توك" و"تلجرام"، مع منع الوصول إليها داخل مصر أو إيقافها بالتنسيق مع الجهات المختصة، كما طلبت النيابة من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات مخاطبة الشركات المسئولة عن إدارة هذه المنصات لتنفيذ قرار الحجب وتضم القائمة الممثل عمرو واكد، المقيم خارج مصر، والذي يواجه أحكامًا غيابية في قضايا تتعلق بنشر أخبار كاذبة وإهانة مؤسسات الدولة، إلى جانب يحيى موسى المقيم في تركيا، المدرج على قوائم الإرهاب في مصر والصادر بحقه حكم بالإعدام في قضايا مرتبطة بالعنف، كما شمل القرار عددًا من الإعلاميين وصانعي المحتوى السياسي، من بينهم مقدّم البرامج محمد ناصر، والصحفي أسامة جاويش، وصانع المحتوى عبدالله الشريف وجميعهم صدرت بحقهم أحكام أو إدراجات قضائية مرتبطة بوقائع تتعلق بنشر أخبار كاذبة أو الانضمام لجماعات محظورة، والصحفي سامي كمال الدين المدرج سابقًا على قوائم الإرهاب، إضافة إلى الناشط الحقوقي هيثم أبو خليل، وصانع المحتوى خالد السيرتي، وتضمنت القائمة كذلك شريف عثمان، صانع محتوى سياسي معارض يقيم في الولايات المتحدة، وقد أوقف في الإمارات عام 2022 استنادًا إلى نشرة حمراء صادرة عن الإنتربول قبل إخلاء سبيله لاحقا، إلى جانب هشام صبري، وهو باحث أمني وصانع محتوى معارض يقيم في الولايات المتحدة، كما شمل القرار أيضًا اسم إيدي كوهين، وهو إعلامي إسرائيلي معروف بظهوره المتكرر في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث يقدّم تعليقات ومواقف تتناول الشأن العربي والإقليمي.
رصد وتحليل
وبالتواصل مع اللواء محمود الرشيدي، مساعد وزير الداخلية الأسبق لأمن المعلومات ومباحث الإنترنت، بدأ حديثه قائلاً: إن ثورة 30 يونيو لم تكن مجرد نقطة تحول سياسي، بل فرضت نوعًا جديدًا من التحديات الأمنية، بعدما انتقلت المواجهة إلى الفضاء الإلكتروني، حيث اعتمدت الجماعات الإرهابية والتنظيمات المتطرفة على مواقع التواصل الاجتماعي كمنصة رئيسية لبث الشائعات، ونشر الأخبار المضللة، وإعادة تدوير المقاطع المفبركة، في محاولة لإثارة البلبلة والتأثير على الرأي العام وزعزعة الثقة في مؤسسات الدولة، كما أن الجماعات استغلت السرعة الكبيرة التي تنتشر بها المعلومات عبر الإنترنت، معتمدين على عامل الوقت قبل صدور البيانات الرسمية، وهو ما استدعى تطوير آليات الرصد والتحليل والتحقق من المعلومات بصورة مستمرة، كما أن الدولة أدركت خطورة هذا النوع من الحروب، لذلك عملت على تعزيز منظومة الأمن السيبراني، وتأمين قواعد البيانات والبنية التحتية الرقمية، وتطوير قدرات أجهزة مكافحة جرائم تقنية المعلومات إلى جانب تحديث التشريعات الخاصة بحماية البيانات ومكافحة الجرائم الإلكترونية، بتمكين الأجهزة الأمنية من رصد الحسابات الوهمية وتتبع مرتكبي الجرائم الرقمية وضبط العديد من التشكيلات المتورطة في نشر الشائعات والاحتيال الإلكتروني، فالتطور التكنولوجي فرض تحديات أكثر تعقيدًا خاصة مع ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق Deepfake، التي أصبحت تستخدم في إنتاج مقاطع فيديو أو تسجيلات صوتية تبدو حقيقية رغم أنها مزيفة، بالإضافة إلى رسائل التصيد الإلكتروني وعمليات الاحتيال الرقمي التي أصبحت أكثر احترافية، وهو ما يدفع الأجهزة الأمنية إلى تحديث أدواتها الفنية بصورة مستمرة لمواكبة هذا التطور، كم أن نجاح الدولة في مواجهة هذا النوع من الجرائم لا يعتمد على الجهود الأمنية فقط، بل يرتبط أيضًا بارتفاع وعي المواطنين، فالمستخدم أصبح يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات، من خلال عدم الانسياق وراء الأخبار مجهولة المصدر، والتأكد من المعلومات عبر المصادر الرسمية، وعدم إعادة نشر اي محتوى قبل التحقق من صحته، مع سرعة الإبلاغ عن الحسابات أو الصفحات التي تروج للشائعات أو تمارس أي أنشطة غير قانونية، فالشائعة أصبحت أحد أخطر أسلحة حروب الجيلين الرابع والخامس، لأنها تستهدف العقول قبل المؤسسات، لذلك فإن استمرار تطوير منظومة الأمن السيبراني، بالتوازي مع تنمية الوعي الرقمي لدى المواطنين، يمثلان الركيزة الأساسية لحماية المجتمع والحفاظ على أمن واستقرار الدولة في مواجهة محاولات التضليل الإلكتروني.
ليستكمل المهندس عمرو زيدان خبير أمن المعلومات والتحول الرقمي، قائلاً: إن جماعة الإخوان الإرهابية تسعى بشكل ممنهج لاستغلال منصات التواصل الاجتماعي في استقطاب الشباب، خاصة أبناء جيل Gen Z، عبر محتوى إلكتروني يعتمد على التلاعب بالمشاعر ونشر الشائعات والأفكار المتطرفة بصورة تبدو في ظاهرها جذابة أو مرتبطة بقضايا إنسانية ومجتمعية، كما أن خطورة هذا النوع من الاستهداف تكمن في قدرة الجماعات المتطرفة على الوصول السريع للشباب داخل منازلهم عبر الهواتف المحمولة، دون الحاجة إلى وسائل التجنيد التقليدية، وهو ما يستدعي تحرك عاجل لتعزيز ثقافة الاستخدام الآمن للإنترنت ورفع وعي الأجيال الجديدة بخطورة المحتوى المضلل، كما أن المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية يجب أن يكون لها دور أكثر تأثيرًا في مواجهة هذا الخطر، من خلال إنتاج محتوى توعوي حديث يتناسب مع طبيعة الجيل الجديد ولغته الرقمية، بدلا من الاعتماد على الأساليب التقليدية التي لم تعد تحقق التأثير المطلوب، كما أن التنظيمات الإرهابية تستهدف الفئات العمرية الصغيرة عبر خطاب عاطفي ومحتوى مضلل يعتمد على سرعة الانتشار والتأثير النفسي، ما يفرض ضرورة تطوير أدوات التوعية بما يتناسب مع طبيعة الجيل الجديد، كما أن الأسرة والمدرسة والإعلام الوطني يتحملون مسئولية مشتركة في بناء وعي الشباب، من خلال تقديم محتوى موثوق وفتح مساحات للحوار وتوضيح مخاطر الانسياق وراء المعلومات المجهولة أو الصفحات المشبوهة، كما أنه في حقيقة الأمر الدولة المصرية نجحت في تفكيك البنية التنظيمية لجماعة الإخوان الإرهابية الإرهابية.
ليختتم إسلام محمد السيد المحامي، قائلاً: قانون العقوبات حدد عقوبة للمتهمين بنشر الشائعات، بالحبس والغرامة، أو بإحدى العقوبتين، حيث نصت المادة 188 من قانون العقوبات على أنه يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من نشر بسوء قصد بإحدى الطرق المتقدم ذكرها أخبارًا أو بيانات أو شائعات كاذبة أو أوراقًا مصطنعة أو مزورة أو منسوبة كذبًا إلى الغير، إذا كان من شأن ذلك تكدير السلم العام أو إثارة الفزع بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة، كما نصت لمادة رقم 80 (د) على يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن 100 جنيه ولا تجاوز 500 جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل مصري أذاع عمدًا في الخارج أخبارًا أو بيانات أو شائعات كاذبة حول الأوضاع الداخلية للبلاد وكان من شأن ذلك إضعاف الثقة المالية بالدولة أو هيبتها واعتبارها أو باشر بأية طريقة كانت نشاطًا من شأنه الإضرار بالمصالح القومية للبلاد. وتكون العقوبة السجن إذا وقعت الجريمة في زمن حرب، وهناك أيضا المادة 102 مكرر والتي تنص على يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن خمسين جنيهًا ولا تجاوز مائتي جنيه كل من أذاع عمدًا أخبارًا أو بيانات أو شائعات كاذبة إذا كان من شأن ذلك تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة. وتكون العقوبة السجن وغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تجاوز خمسمائة جنيه إذا وقعت الجريمة في زمن الحرب.
اقرأ أيضا: تأجيل محاكمة المتهمة بنشر أخبار كاذبة عن مستشفيات جامعة الإسكندرية
30 يونيو.. تضحيات متواصلة من رجال الشرطة للحفاظ على استقرار الوطن ومواجهة الإرهاب
الضربات الأمنية الاستباقية .. أحبطت مخططات الإرهابية
شهداء الواجب.. كتبوا أسماءهم بأحرف من نور في معركة الحفاظ على الوطن






