خلّد السلطان المملوكى بيبــرس البنــدقــدارى اسـمه فـى سـجلات التـاريخ، فهـو المـؤسـس الحقيقى لدولة المماليك فى مصر والشام، والرجل الذى استطاع بعبقرية فذة أن يقهر المغول والصليبيين والسلاجقة والأرمن، ويكوِّن إمبراطورية مصرية وطيدة الأركان، ورغم ذلك لم يرحل قبل أن يترك ذكرى تحمل اسمه فى قاهرة المعز مقر السلطنة، ففى قلب الحى العريق الذى يحمل اسمه حى الضاهر (الظاهر) يوجد جامع السلطان المملوكى الذى يعد أول الجوامع المملوكية فى مصر، وثالث أكبر جوامع القاهرة الأثريــة بعــد جامعـى أحمـد بن طولون والحــاكم بأمر الله.

فى قلب حى الضاهر، ينتصب جامع السلطان الظاهر بيبرس (حكم 659- 676هـ/ 1260- 1277م)، الذى تجلِّله المهابة، فهو يقف فى شموخ وسط الحى بجدرانه الحجرية الضخمة، حتى بعد أن فقد قبته ومئذنته، إلا أنه يبدو فى أحلى حلة الآن بعد انتهاء عملية الترميم الشاملة التى قامت بها وزارة السياحة والآثار بالتعاون مع وزارة الأوقاف ودولة كازاخستان، وهى عملية ترميم استغرقت فترة طويلة بدأت فى 2007 وتعطلت بسبب أحداث ثورة يناير 2011، حتى استئناف أعمال الترميم فى 2018 ومن ثم افتتاح الجامع فى يونيو 2023.
الجامع الضخم تبلغ مساحته ما يقرب من ثلاثة أفدنة، بناه السلطان بيبرس احتفالا بانتصاراته الضخمة على أعدائه فى الشام من المغول والصليبيين، لذا قرر تحويل ميدان سلطانى كان معدا للعب السلطان وأمرائه إلى جامع ضخم يخدم الأحياء الواقعة خارج أسوار القاهرة الفاطمية الشمالية، وبدأ العمل فى بناء الجامع فى سنة 665هـ/ 1267م، وتم الانتهاء منه وافتتاحه سنة 667هـ/ 1269م، ومن اللافت هنا أن بيبرس بعدما استرد مدينة يافا من الصليبيين أمر بنقل الرخام الذى وجده فى قلعة الصليبيين ليزين به جامعه الجديد، لكى يكون شاهدًا وتخليدًا لانتصاره الكبير على الصليبيين.

يتميز الجامع معماريًا بفخامته، الأمر الذى أقرته الدكتورة سعاد ماهر فى كتابها "مساجد مصر وأولياؤها الصالحين"، إذ تقول: "برغم ما عاناه جامع بيبرس من الإهمال وسوء الاستعمال، فإنه ما يزال يسترعى إعجاب الناظرين بجمال عمارته وفخامة مبانيه التى تظهر لأول وهلة فى مداخله التذكارية ونقوشه الجصية"، لافتة إلى أن الجامع يتكون من مربع يبلغ طول ضلعه 100 متر، ويحيط به سور من الحجر بارتفاع يتجاوز 12 مترًا، وهو مبنى على طراز المساجد الجامعة التى تتكون من أربعة أواوين وبينها صحن مكشوف، كما يتميز الجامع بباب المدخل الرئيسى الذى تصفه الدكتورة سعاد ماهر بـ "التحفة المعمارية" بما يتميز بأعمال جصية لم تفقد روعتها رغم ما تعرض له الجامع من تخريب على مدار السنين.
ويقول الدكتور أيمن فؤاد سيد أستاذ التاريخ الإسلامى بجامعة الأزهر إن الجامع تعرض لرحلة سيئة من التعديات كادت أن تؤدى إلى فناء الجامع وضياع معالمه للأبد، فقد تعطلت إقامة الشعائر فيه بداية من أوائل القرن السادس عشر الميلادى أى مع بداية الحكم العثمانى بسبب سعته وتعذر الصرف عليه ووجوده خارج الكتلة العمرانية الأساسية للمدينة، ودب الخراب إلى الجامع مع الزمن فسقطت قبته الكبيرة التى كانت فوق إيوان المحراب، ثم سقطت مئذنته، ولم يبق إلا جدرانه الخارجية المبنية بالحجر.

ويشير د. سيد إلى أن الجامع تحول إلى مخزن للمهمات الحربية من الخيام وسروج الخيل فى فترة الحكم العثمانى، ثم استخدمه الفرنسيون بعد غزو مصر كقلعة وثكنة عسكرية لجنود جيش الاحتلال، ثم تحول إلى مخبز ومعمل صابون فى فترة حكم محمد على باشا فى النصف الأول من القرن التاسع عشر، ومع الاحتلال البريطانى لمصر بداية من العام 1882 تم تحويل ساحة الجامع إلى مذبح للجيش الإنجليزى، ومن هنا عرف الجامع بين الأهالى باسم "مذبح الإنجليز"، لكن فى العام 1915 توقف استخدام الجامع كمذبح، ثم قررت الحكومة زراعة أرض صحن الجامع وجعلته متنزها عاما، ثم عمّرت لجنة حفظ الآثار العربية الجزء الواقع عند المحراب وجعلته مصلى، ومؤخرا أجريت عملية ترميم شاملة للجامع استعادت الكثير من بهائه المفقود.
اقرأ أيضا: البحوث الإسلامية: انعقاد مؤتمر «نهضة الحضارة في عهد السلطان بيبرس».. الأحد
عمرها 62 مليون سنة .. حفريات مصرية تكشف أسرار الأسماك الحديثة
الهيئة تتعهد بإيجاد حل مع بداية أغسطس.. «سيستم التأمينات» يسبب أزمة لـ45 ألف مواطن
ذهب طنطا الأحمر.. سوق النحاسين ذاكرة لا تصدأ






