في ذكري ثورة ٣٠ يونيو

شهداء الواجب.. كتبوا أسماءهم بأحرف من نور في معركة الحفاظ على الوطن

شهداء الشرطة المصرية
شهداء الشرطة المصرية


ثلاثة عشر عامًا مرت على ثورة الثلاثين من يونيو، تلك اللحظة التي شكلت واحدة من أكثر الفترات حساسية وخطورة في تاريخ الدولة المصرية الحديث، سنوات واجهت خلالها البلاد تحديات أمنية غير مسبوقة، ووجد رجال الشرطة أنفسهم في الصفوف الأولى لمعركة لم تكن ضد الجريمة التقليدية فقط، بل ضد موجات من الإرهاب والعنف استهدفت مؤسسات الدولة والمواطنين على حد سواء.

في تلك السنوات، دفع رجال الشرطة ثمنًا باهظًا، فسقط ضباط وأفراد ومجندون أثناء أداء واجبهم، بعضهم استشهد داخل أقسام الشرطة، وآخرون في الكمائن والطرق الصحراوية والعمليات الأمنية وملاحقة العناصر المسلحة، بينما اختار آخرون البقاء في مواقعهم حتى اللحظة الأخيرة رافضين الانسحاب أو التخلي عن مسئولياتهم.

ومع حلول الذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو، تعود إلى الأذهان أسماء رجال تحولوا إلى رموز للتضحية والفداء، وبقيت قصصهم حاضرة في ذاكرة المصريين باعتبارها جزءًا من معركة طويلة خاضتها الدولة لاستعادة الأمن والاستقرار ومواجهة الإرهاب الذي حاول فرض واقع جديد بالقوة والسلاح.

وحق علينا أننبرز حكايات شهداء الشرطة الذين ارتبطت أسماؤهم بتلك المرحلة، ونستعيد محطات من حياتهم ومسيرتهم المهنية والظروف التي استشهدوا خلالها، لتبقى سيرتهم شاهدًا على سنوات صعبة عبرتها مصر وعلى رجال اختاروا البقاء في المواجهة حتى النهاية.

أبطال مخلدون

بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة في أغسطس 2013، شهدت منطقة كرداسة بمحافظة الجيزة أحداثًا دامية، بعدما تعرض مركز الشرطة لهجوم مسلح من عناصر متطرفة استخدمت الأسلحة النارية الثقيلة وقذائف الـ»آر بي جي»، في محاولة للسيطرة على المركز ومؤسسات الدولة داخل المنطقة.

ورغم كثافة النيران وحجم الهجوم، رفض عدد من الضباط والأفراد مغادرة مواقعهم، وتمسكوا بالبقاء والدفاع عن القسم حتى اللحظات الأخيرة، لتتحول كرداسة إلى واحدة من أكثر المحطات إيلامًا في تاريخ الشرطة المصرية الحديث.

ومن بين تلك الأسماء برز اللواء نبيل فراج، واللواء مصطفى الخطيب، والعميد عامر عبد المقصود، والملازم أول هشام شتا، وغيرهم ممن ارتبطت أسماؤهم بتلك المواجهات.

لم يكن اللواء نبيل فراج من الضباط الذين يفضلون إدارة المعارك من الخلف، بل كان دائمًا في مقدمة الصفوف، مؤمنًا بأن القيادة الحقيقية تبدأ من التواجد وسط رجاله في أصعب اللحظات.

ولد الشهيد في محافظة سوهاج، والتحق بكلية الشرطة وتخرج فيها عام 1981، ثم تنقل بين عدد من المواقع الشرطية حتى التحق بالإدارة العامة لاتصالات الشرطة عام 2004، وحصل على رتبة عقيد عام 2007، قبل أن يواصل مسيرته المهنية التي عُرف خلالها بالكفاءة والانضباط وحسن التعامل مع الجميع.

وفي يوليو 2013 تمت ترقيته إلى رتبة لواء وتولى منصب مساعد مدير أمن الجيزة، وهي المهمة التي وضعته في قلب المواجهة مع الجماعات المسلحة التي كانت تتحصن داخل منطقة كرداسة.

وفي التاسع عشر من سبتمبر عام 2013، وأثناء الحملة الأمنية الواسعة لاستعادة السيطرة على المنطقة وضبط العناصر المسلحة، كان اللواء نبيل فراج يتقدم القوات المشاركة في العملية، قبل أن يتعرض لإطلاق نار أدى إلى استشهاده أثناء أداء واجبه.

رحل اللواء نبيل فراج، لكنه ترك خلفه سيرة مهنية ظل زملاؤه يتحدثون عنها، كما ترك زوجته وأبناءه الثلاثة الذين أعلنوا وقتها رغبتهم في استكمال مسيرة والدهم والالتحاق بكلية الشرطة.

أيضًا يظل اسم اللواء مصطفى الخطيب حاضرًا كلما جرى الحديث عن أحداث كرداسة، باعتباره أحد أبرز الضباط الذين فقدتهم وزارة الداخلية خلال تلك المرحلة.

كان الشهيد يشغل منصب مساعد مدير أمن الجيزة لمنطقة الشمال، وعُرف بين زملائه وأهالي المنطقة بعلاقاته الإنسانية وحرصه على حل المشكلات اليومية للمواطنين.

زوجته سحر يوسف تحدثت في أكثر من مناسبة عن سنوات طويلة جمعتها به، مؤكدة أنه كان مثالًا للزوج والأب وضابط الشرطة الذي كرس حياته للعمل العام.

تزوجت منه عام 1986 عندما كان يحمل رتبة نقيب، وعمل لفترة داخل مديرية أمن الجيزة قبل انتقاله إلى محافظة أسيوط خلال سنوات مواجهة الإرهاب هناك، حيث شارك مع زملائه في ملاحقة الجماعات المسلحة لعدة سنوات.

وفي أحداث كرداسة تعرض اللواء مصطفى الخطيب للقتل داخل أحد المساجد بعد استدراجه، في واحدة من أكثر الوقائع التي أثارت صدمة واسعة داخل المجتمع المصري آنذاك.

وبقيت قصته حاضرة باعتبارها واحدة من الصفحات المؤلمة التي سجلتها تلك الفترة المضطربة من تاريخ البلاد.

أداء الواجب

في اللحظات التي كان الخطر يحيط بمركز شرطة كرداسة من كل اتجاه، كان الملازم أول هشام شتا واحدًا من الضباط الذين تمسكوا بالبقاء داخل المركز والدفاع عنه.

اشتهر بين زملائه بهدوئه والتزامه المهني، لكن الساعات الأخيرة من حياته كشفت عن جانب آخر من شخصيته تمثل في الإصرار على أداء الواجب حتى النهاية.

استشهد هشام شتا خلال أحداث الرابع عشر من أغسطس عام 2013، بعد مواجهات عنيفة شهدتها المنطقة.

والده تحدث لاحقًا عن شعوره بأن ابنه ما زال حاضرًا بينهم رغم مرور السنوات، مؤكدًا أن ذكراه لم تغب عن الأسرة يومًا واحدًا، وأن زيارته إلى المقابر كانت تمنحه الشعور وكأن ابنه في مهمة عمل وسيعود منها في أي وقت.

كما أشاد بدور وزارة الداخلية في دعم أسر الشهداء ومساندتهم خلال السنوات التالية لاستشهاد أبنائهم.

«أسد المعسكر»

لم يأت لقب «أسد المعسكر» من فراغ، فقد ارتبط اسم اللواء أحمد زكي لطيف بالشجاعة والإقدام خلال عدد كبير من المأموريات الأمنية التي شارك فيها.

كان من الضباط الذين اعتادوا التقدم على رأس القوات أثناء الاقتحامات والعمليات الخطرة، وهو ما أكسبه احترام زملائه والمجندين الذين عملوا معه.

شارك الشهيد في عدد من العمليات الأمنية المهمة خلال عام 2013، كما كان من أوائل الضباط الذين دخلوا الحرم الجامعي خلال أحداث الشغب التي شهدتها بعض الجامعات آنذاك بعد الحصول على الموافقات القانونية اللازمة.

كما شارك في مواجهة أعمال العنف التي شهدتها محافظة الجيزة خلال تلك الفترة، وأسهم في ضبط عدد من المتهمين المطلوبين في قضايا مرتبطة بالعنف والإرهاب.

زوجته سحر عبد العزيز استرجعت في تصريحات صحفية تفاصيل يوم فض اعتصامي رابعة والنهضة، مشيرة إلى أن زوجها كان صائمًا في ذلك اليوم، وأنه عاد إلى المنزل بعد انتهاء المأمورية وروى لها ما شاهده من أحداث ومواجهات.

وبعد سنوات، أصبح اسم أحمد زكي لطيف واحدًا من الأسماء التي ارتبطت بذاكرة تلك المرحلة وما شهدته من تحديات أمنية كبيرة.

العميد عامر عبد المقصود

من بين القصص التي بقيت مرتبطة بأحداث كرداسة، تبرز قصة العميد عامر عبد المقصود، نائب مأمور مركز الشرطة آنذاك، كان بإمكانه مغادرة المكان مع تصاعد الأحداث وتزايد أعداد المهاجمين، لكنه اختار البقاء داخل المركز ومواصلة أداء واجبه حتى اللحظة الأخيرة.

استشهد العميد عامر عبد المقصود خلال الهجوم الذي تعرض له المركز في أغسطس 2013، في واحدة من أكثر الوقائع دموية خلال تلك الفترة، وسجل اسمه ضمن قائمة طويلة من رجال الشرطة الذين سقطوا أثناء أداء واجبهم، وبقيت قصته رمزًا للتمسك بالمسئولية المهنية في أصعب الظروف.

ومع مرور السنوات، لا تزال أسرته وزملاؤه يستعيدون سيرته باعتبارها نموذجًا لضابط اختار أن يبقى في موقعه حتى النهاية.

بعيدًا عن المواجهات الكبرى والعمليات الواسعة، حملت سنوات ما بعد 30 يونيو قصصًا أخرى لضباط شباب فقدوا حياتهم أثناء مطاردة العناصر الإجرامية والخارجين على القانون.

ومن بين تلك القصص تبرز حكاية النقيب محمود أبو العز، ابن منطقة مصر القديمة، الذي استشهد في الخامس من مارس عام 2013 أثناء مشاركته في مطاردة أمنية لإحدى المجموعات الإجرامية المسلحة.

كان محمود أصغر أشقائه، وفقد والده وهو لا يزال طفلًا في المرحلة الابتدائية، لكنه تمكن من تحقيق حلمه بالالتحاق بكلية الشرطة والعمل ضابطًا بوزارة الداخلية.

قبل استشهاده بثلاثة أشهر فقط كان يستعد لإتمام زواجه من ابنة عمه، إلا أن رصاص المواجهة أنهى الحلم قبل أن يبدأ.

والدته تحدثت فى أكثر من مناسبة عن اعتزازها بلقب «أم الشهيد»، مؤكدة أن رحيله كان مؤلمًا لكنه جاء أثناء أداء واجبه الوطني.

سيرتهم حاضرة

خلال سنوات المواجهة مع الإرهاب دفعت وزارة الداخلية ثمنًا كبيرًا من أبنائها الذين سقطوا في العمليات الأمنية والكمائن والهجمات المسلحة.

لكن الأرقام والإحصاءات لا تستطيع وحدها أن تنقل حجم ما عاشته الأسر التي فقدت أبناءها، ولا أن تعكس تفاصيل الحكايات الإنسانية خلف كل اسم وصورة معلقة على جدران البيوت أو داخل مقار العمل.

فخلف كل شهيد أسرة تنتظر عودته، وأبناء كبروا وهم يحملون صور آبائهم، وأمهات وزوجات مازلن يستعدن تفاصيل الأيام الأخيرة والذكريات الصغيرة التي تركها أصحابها وراءهم.

بعد مرور ثلاثة عشر عامًا على أحداث الثلاثين من يونيو، لا تزال أسماء شهداء الشرطة حاضرة في الذاكرة الوطنية باعتبارهم جزءًا من مرحلة فارقة شهدتها البلاد.

وتبقى قصصهم مرتبطة بسنوات واجهت فيها مصر تحديات أمنية وسياسية معقدة، بينما ظل رجال الشرطة والجيش في مواقعهم يؤدون واجباتهم في مواجهة المخاطر المختلفة.

ورغم مرور السنوات، لا تزال صور الشهداء وأسماؤهم حاضرة في الاحتفالات الرسمية والفعاليات التذكارية وفي ذاكرة أسرهم وزملائهم، باعتبارها جزءًا من تاريخ تلك المرحلة.

ربما تمضي السنوات وتتغير الوجوه والأحداث، لكن أسماء الذين رحلوا أثناء أداء واجبهم تبقى حاضرة في ذاكرة الوطن. فالشهيد لا يُقاس عمره بعدد السنوات التي عاشها، وإنما بما تركه من أثر وما قدمه من تضحية.

وفي الذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو، يعود الحديث عن شهداء الشرطة باعتبارهم جزءًا من سجل طويل من التضحيات التي شهدتها مصر خلال سنوات المواجهة مع الإرهاب والعنف، وتبقى سيرتهم حاضرة لدى أسرهم وزملائهم وكل من عاصر تلك المرحلة.

رحلوا بأجسادهم، لكن أسماءهم بقيت محفورة في الذاكرة، شاهدة على سنوات صعبة وعلى رجال اختاروا أن يكونوا في الصفوف الأولى، وأن يدفعوا الثمن دفاعًا عن مواقعهم وواجبهم حتى اللحظة الأخيرة.

اقرأ  أيضا: سياسيون: ثورة 30 يونيو استعادت الدولة وأرست دعائم الجمهورية الجديدة

;