في ذكري ثورة ٣٠ يونيو

حكايات الدموع والفخر من داخل بيوت الأبطال

شهداء الشرطة المصرية
شهداء الشرطة المصرية


في 30 يونيو 2013 لم يستعد المصريون وطنهم فقط من قبضة الجماعة الظلامية بل كتبوا شهادة ميلاد جديدة لمصر، لكن هذا الانتصار الكبير لم يأتِ من فراغ بل كان ثمنه غاليًا دفعه أبطال شجعان بدمائهم وأرواحهم لكي تعيش البلاد في أمن واستقرار.

وإذا كان الشهداء قد سطروا بدمائهم تاريخ هذه المرحلة فإن هناك أبطالاً آخرين يعيشون بيننا هم أمهات وزوجات وأبناء هؤلاء الشهداء داخل بيوتهم توجد حكايات يومية تختلط فيها دموع الفراق بمشاعر الفخر والعزة.

هنا نجد الأم التي ودعت ابنها بقلب راض رغم الوجع، والزوجة الشابة التي تحملت المسئولية فجأة لتصبح أبا وأما وتربي أبناءها على حب الوطن، والطفل الذي يكبر وهو يحلم بأن يصبح بطلا مثل والده، هذه العائلات قدمت أغلى ما تملك وصبرها هو الجدار الذي حمى مكتسبات الثورة وتكسرت عليه موجات الإرهاب، في هذه السطور نقترب أكثر من بيوت الشهداء نفتح قلوب الأمهات والزوجات والأبناء لنستمع إلى مشاعرهم وحكاياتهم ولنؤكد لهم أن دماء أبنائهم هي التي حفظت مصر وأن الوطن لا ينسى أبدًا من ضحوا من أجله.

التقت أخبار الحوادث بالنائبة سحر السيد عضو مجلس الشيوخ أرملة الشهيد البطل اللواء امتياز كامل أحد شهداء ملحمة الواحات لتقدم لنا شهادة حية من قلب التضحية وتقرأ معنا ملامح الحاضر ومعركة الوعي المستمرة.

في مستهل حديثها أكدت؛ أن ثورة 30 يونيو لم تكن مجرد حدث تاريخي عابر بل كانت نقطة التحول الفارقة التي جاءت في توقيت حرج للغاية لتنقذ مصر من مصير مظلم كاد يعصف بمستقبلها مشيرة إلى الرؤية الاستباقية للرئيس عبد الفتاح السيسي.

وقالت أرملة الشهيد: إن الرئيس السيسي كان يعلم جيداً أبعاد المشهد ودرجة خطورة هذه الجماعة الإرهابية التي تتخذ من العنف والدم أسلوبًا ومتاجرة لذا كان قراره شجاعًا ومدروسًا بعمق حينما أكد للشعب أن رجال القوات المسلحة والشرطة سيتلقون بصدورهم أي عنف لحماية المواطنين وهو ما تحقق بالفعل بفضل استبسال أبطالنا.

ولم تغفل السيدة سحر الحديث عن معركة الوعي كجبهة قتال حيوية لا تقل أهمية عن المواجهات الأمنية محذرة من الانسياق وراء الشائعات والأصوات المحبطة على منصات التواصل الاجتماعي والتي تسعى لتقليل الإنجازات وبث السلبية في نفوس المواطنين.

وأشادت في هذا السياق بالجهود الحالية لوزارة الأوقاف تحت قيادة الدكتور أسامة الأزهري في إعادة الانضباط للمنابر وتطهير الخطاب الديني مستطردة: نعبر اليوم مرحلة هامة في استعادة وعي المواطنين بعد سنوات تمكنت فيها جماعات الجهل والتشدد من اختراق عقول البسطاء واليوم نرى المساجد تعود لدورها الصحيح لتقديم صحيح الدين عبر أئمة وعلماء أجلاء من الأزهر الشريف لقطع الطريق على كل جاهل وموجه يسعى للتشكيك في مؤسساتنا الدينية العريقة كالأزهر ودار الإفتاء.

وعن كواليس التضحية الكبرى والأثمان الباهظة التي تدفعها أسر الشهداء تحدثت السيدة سحر بنبرة يملؤها الفخر والأسى معا واصفة أبطال الوطن، بأنهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ولم يكن اختيارهم للشهادة محض صدفة بل لصفاتهم الاستثنائية ونبل أخلاقهم وإخلاصهم لكل من حولهم.

وعن تفاصيل غياب البطل المؤلمة قالت: غياب الزوج والأب يترك فراغا كبيرًا لا يمكن لأحد ملؤه وتتحمل الزوجة بعده عبئًا ومسئولية مضاعفة كأم وأب معا وكل مناسبة تمر علينا سواء تخرج الأبناء أو خطوبتهم نفتقد فيها وجوده الذي كان سندًا ونعمة. وهناك من الأطفال من استشهد آباؤهم ولم يلحقوا حتى الاستمتاع بالجلوس معهم أو تذكر ملامحهم.

واختتمت زوجة البطل حديثها بالدعاء لزوجها ورفاقه الأبرار مؤكدة أن عزاءهم الوحيد هو قضاء الله وقدره والمكانة الرفيعة التي ينالها الشهيد في الفردوس الأعلى متمنية أن يشفعوا لأسرهم وللوطن عند الله.

تضحيات الأبطال

نموذج استثنائي آخر للتضحية هى النائبة عبير نصار عضو مجلس النواب أرملة الشهيد البطل العميد وائل طاحون وفي الوقت ذاته والدة أرملة الشهيد البطل النقيب ماجد عبد الرازق، عائلة قدمت شهيدين في محراب الوطن، دماؤهما فداءً لمصر، ولا تزال كما قالت لنا، تفخر بنجلها الذي يستكمل المسيرة ضابطًا بوزارة الداخلية.

أكدت النائبة عبير نصار أن ثورة 30 يونيو تمثل انتصارًا وطنيًا كبيرًا لا يقل أهمية عن انتصار أكتوبر 1973، وأوضحت رؤيتها قائلة: في حرب 73 كنا نواجه عدوًا واضحا وعلنيّا وهم الإسرائيليون أما في 30 يونيو فقد كنا نواجه عدوا خفيّا يعيش وسطنا ويتمثل في خلايا نايمة تدعم جماعة الإخوان بالأفكار والمال والسلاح وهو ما جعل المعركة شرسة ومعقدة للغاية.

وأضافت: لقد أنقذت هذه الثورة مصر من نفق مظلم عشناه منذ عام 2011 وحتى عام 2013 واليوم عندما نرى تلك الأحداث مُجسدة في الأعمال الدرامية مثل مسلسل الاختيار أو هجمة مرتدة نسترجع حجم المخاطر والاضطرابات التي كادت تعصف بالبلاد ولولا ستر الله وتضحيات الأبطال لضاعت الدولة.

وعبرت عن مخاوفها من آفة النسيان التي قد تتسلل إلى نفوس البعض مع استتباب الأمن قائلة: للأسف ذاكرة الناس قد تنسى أحيانًا ففي وقت ذروة الأحداث كان الجميع يستشعر القلق والخطر وكان هناك تقدير شعبي جارف وعميق لأسر الشهداء لأن التضحيات كانت يومية وملموسة في سيناء وفي كافة المحافظات أما الآن ومع تحقق الأمن والاستقرار بدأ البعض يتعامل مع تضحيات الشهداء كذكرى عابرة انتهت.

ووجهت رسالة قوية للمجتمع أكدت فيها: الأمن الذي نعيشه اليوم لم يكن مجانيا بل دُفع في سبيله ثمنٌ غالي وقاس جدا هذا الثمن لا يستشعره بعمق إلا الأسر التي فقدت شهيداً أو التي يعيش بينها مصاب يعاني من جراحه وسيعيش بها طوال عمره.

وعن كواليس التضحية الكبرى داخل بيتها تحدثت النائبة بنبرة يملؤها الفخر الممتزج بالمرارة مسترجعة أثر الفقد المزدوج لزوجها الشهيد وائل طاحون ثم زوج ابنتها الشهيد ماجد عبد الرازق وأكدت أن هذه الخسائر الإنسانية لا يمكن أن تعوضها الأيام أو يداويها مرور الوقت.

وقالت بنبرة مؤثرة: التضحيات مستمرة وغياب الأب يترك جرحًا غائرًا فهناك من الأبطال من استشهدوا وتركوا خلفهم أجنة في بطون أمهاتهم وهناك أطفال كبروا وحُرموا تمامًا من نطق كلمة بابا أو الاستمتاع بحنان الأب ورعايته في مراحل عمرهم الصغيرة لقد حُرم هؤلاء الأبناء من تفاصيل كثيرة لكن عزاءنا أنهم ارتقوا في أعلى مكانة عند الله.

وفي ختام حديثها أعربت النائبة عبير نصار عن فخرها بامتداد مسيرة التضحية والبطولة في عائلتها وفي نفوس أبناء الشهداء بشكل عام وأشارت إلى أن نجلها اختار بكامل إرادته استكمال طريق والده وهو يعمل الآن ضابطًا بوزارة الداخلية ليواصل حماية تراب هذا الوطن.

كما أشادت بمبادرة المعايشة التي وجه بها الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية لأبناء الشهداء مؤكدة أنها تركت أثرا بالغا في نفوسهم حيث عاد الأطفال برغبة عارمة وإصرار كبير على الالتحاق بكليات الشرطة والجيش رغم إدراكهم لحجم التعب والمشقة.

واختتمت حديثها لـ «أخبار الحوادث» قائلة: الوطنية وحب البلد لا تُباع ولا تُشترى بل هي جينات أصيلة تجري في دماء أبناء الشهداء تجعلهم دائما مصرين على استكمال المسيرة والدفاع عن حق أهاليهم وحق هذا الوطن.

اقرأ  أيضا: قبل استشهاده بعدة أشهر.. الرئيس السيسي يمنح اللواء الدكتور محمد الشربيني نوط الامتياز من الطبقة الأولى

;