بعد يونيو أوروبا اكتشفت خطر وإرهاب جماعة الإخوان

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


تعيش جماعة الإخوان المسلمين في عام ٢٠٢٦ ما يشبه الفصل الأخير من وجودها العلني في القارة الأوروبية، حيث تهاوت حصونها التقليدية وتحولت الملاذات الآمنة التي شيدتها على مدار عقود إلى ساحات مطاردة قانونية وتجفيف مالي صارم، وهو المشهد الذي لم يكن وليد الصدفة، بل ارتدادا طبيعيا وامتدادا لزلزال القاهرة الذي اندلع في الثلاثين من يونيو عام ٢٠١٣، عندما خرج الملايين من أبناء الشعب المصري لإنهاء حكم الفاشية الدينية وتفكيك دولة المرشد.

كانت الرؤية التحذيرية التي أطلقتها الدولة المصرية عقب ثورة ٣٠ يونيو المجيدة، والتي أكدت فيها أن جماعة الإخوان تمثل خطرًا عابرًا للحدود لا يهدد استقرار الشرق الأوسط فحسب بل يمتد لينخر في عظام المجتمعات الغربية، باتت اليوم العقيدة الأمنية الجديدة لعواصم صناعة القرار الأوروبي.

بعد ثلاثة عشر عامًا من التشكيك الغربي والمراهنات السياسية على ما كان يُسمى بالإسلام السياسي المعتدل، أدركت أجهزة الاستخبارات في الدول الأوروبية أن التنظيم لم يكن يبحث عن الاندماج، بل كان يعمل على بناء مجتمعات موازية تنفذ استراتيجية التغلغل الصامت لتقويض قيم الديمقراطية الغربي

وتعتمد استراتيجية الجماعة، منذ نشأتها في مصر عام 1928، على التركيز على دول الغرب باعتبارها نطاقًا جغرافيًا ضروريًا لحماية مصالح التنظيم وتوسيع أنشطته، حيث باتت تنتشر داخل 67 فرعًا حول العالم، مقسمة إلى 7 مناطق جغرافية، أهمها على الإطلاق، بحسب المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، أوروبا باعتبارها الملاذ الآمن لنشاط التنظيم.

فرنسا تقود الهجوم

تأتي فرنسا في طليعة الدول الأوروبية التي تبنت خطة استئصالية لنفوذ الإخوان، مدفوعة بوعي أمني حاسم بخطورة الشبكات العنكبوتية للتنظيم، وهو ما ظهر في خطوة تشريعية تاريخية في مايو ٢٠٢٦، عندما أقر مجلس الشيوخ الفرنسي قانون مكافحة الاختراق الإسلاموي، الذي منح السلطات التنفيذية صلاحيات واسعة وغير مسبوقة لحل الجمعيات والمؤسسات المتهمة بمناهضة قوانين الجمهورية، وفرض تراخيص مسبقة وصارمة لبناء وتدريب القائمين على دور العبادة.

وتستند هذه التحركات القانونية إلى تقارير استخباراتية فرنسية بالغة الدقة كشفت عن الأرقام المخيفة للتغلغل الإخواني، حيث تم رصد ارتباط مباشر أو غير مباشر لـ ١٣٩ مسجدًا، و٢١ مدرسة خاصة، و٢٨٠ جمعية محلية بالتنظيم الدولي، وتعمل كلها تحت عباءة واجهات براقة مثل منظمة «مسلمو فرنسا».

ولم يعد الحصار الفرنسي مقتصرًا على الشق الإداري، بل امتد ليدفع بالبرلمان الأوروبي نحو إدراج الجماعة رسميا على لائحة التنظيمات الإرهابية للاتحاد الأوروبي، عندما قادت فرنسا في  يناير 2026 التحرك الأقوى، عقب تصويت الجمعية الوطنية بالأغلبية لصالح قرار يدعو المفوضية الأوروبية لإدراج جماعة الإخوان وقياداتها على قائمة المنظمات الإرهابية.

جاء هذا القرار مدعومًا بتأييد شعبي جارف، حيث أظهرت استطلاعات الرأي الفرنسية أن نحو ٨٨٪ من المواطنين يؤيدون حظر التنظيم بشكل كامل ومنع أنشطته كونه يهدد الوحدة الوطنية والتماسك المجتمعي.

ولم يكن المشهد في برلين أقل ضراوة؛ إذ وضعت وزارة الداخلية الألمانية خطة استراتيجية شاملة لمكافحة الإخوان تستهدف القضاء على النفوذ الفكري والاقتصادي للتنظيم، وأنشأت الحكومة الألمانية هيئة استشارية متخصصة تضم ١٥ خبيرًا في مجالات الأمن، والدين، والاستخبارات، والوقاية من التطرف.

تحولت سريعًا هذه اللجنة إلى مركز لرصد وتتبع التمويلات المشبوهة العابرة للحدود التي تضخ في خزائن جمعيات الإخوان في ولايات ألمانيا المختلفة، حيث تعتمد الاستراتيجية الألمانية التي تقودها هيئة حماية الدستور-الاستخبارات الداخلية- على تفكيك ما يسمى بـ «التهديدات غير العنيفة طويلة الأمد»، وهي استراتيجية التسلل الناعم عبر المراكز الثقافية والأنشطة الشبابية الرقمية.

وبحسب أحدث التقارير الاستخباراتية الألمانية فإن أجهزة الأمن السيادية في ألمانيا، وفي مقدمتها المكتب الاتحادي لحماية الدستور، تتحرك لتفكيك ما تصفه بـ «الشبكة العنكبوتية» الواجهات القانونية التي يتخذها تنظيم الإخوان المسلمين غطاءً لأنشطته السياسية والاجتماعية.

ولم تعد الرقابة اللصيقة تقتصر على الأفراد، بل امتدت لتشمل مؤسسات وجمعيات ومراكز ثقافية كبرى نجحت على مدار عقود في الاندماج داخل النسيج المؤسسي الألماني، وباتت تمثل القنوات الرسمية لتمرير أجندة «الإسلام السياسي» والضغط على صناع القرار لشرعنة أهداف التنظيم الدولي.

وتتصدر «الجمعية الإسلامية في ألمانيا» قائمة الهيئات الخاضعة للرقابة المشددة، حيث يصنفها الأمن الألماني كـ»المظلة التاريخية والرئيسية» لأنصار ومفكري تنظيم الإخوان في البلاد، والتي عمدت مؤخرًا إلى تغيير اسمها الدستوري إلى المجتمع المسلم في ألمانيا في محاولة للمناورة وهربا من الملاحقة القضائية.

وأكد حزب البديل من أجل ألمانيا، أن الجماعة تعتمد في ألمانيا على استراتيجية «التسلل الهادئ» أو «الإسلامية السياسية القانونية»، وهي الابتعاد عن العنف المسلح والتركيز على العمل المؤسسي، معلنين عن أسماء جمعيات مثل «طيبة» و»إنسان»، تحوم حولها شبهات صلات قوية بالتنظيم الدولي للإخوان.

وثيقة روما

وفي أبريل ٢٠٢٦، تلقت الأوساط السياسية في أوروبا صدمة كبرى عقب صدور وثيقة إيطالية مشتركة بين حزب «إخوة إيطاليا» الحاكم ومؤسسة «نيو دايركشن» الأوروبية تحت عنوان «الهجرة، الأسلمة وصعود المجتمعات الموازية والتي فجرت حقائق مرعبة بناء على رصد أمني امتد بين عامي ٢٠١٠ و٢٠٢٥.

أكدت الوثيقة أن ٦٣٪ من الإرهابيين الذين نفذوا هجمات دموية في أوروبا تخرجوا من «مناطق حمراء» وخلايا تقع تحت التأثير الفكري المباشر لجماعة الإخوان المسلمين، وحددت الوثيقة بدقة معاقل التغلغل مثل ضاحية «سان دوني» في باريس، وحي «نويكولن» في برلين، وحي «شورفايلر» في كولونيا، معتبرة أن هذه المربعات السكنية تحولت بفضل أموال الإخوان إلى بيئات حاضنة للتطرف والانفصال المجتمعي.

وانتقلت عدوى اليقظة الأمنية والتشريعية سريعًا إلى شمال القارة الأوروبية، لتضرب الحصون المالية التاريخية للتنظيم، ففي السويد، أعلنت الحكومة عن مراجعة شاملة لسياسات المنح وصناديق الدعم، وقررت منع تدفق الأموال عن أي بيئات أو مؤسسات تصنف كـ»معادية للديمقراطية»، وهو المسمى القانوني الجديد الذي يطوق واجهات الإخوان.

ووفقًا لتقرير اللجنة، فقد تبين أن تدفق الأموال من الخارج إلى الأنشطة الدينية في الداخل كان أكبر بكثير مما تعتقد الحكومة، مشيرين إلى أنه باستخدام المعلومات المصرفية، اكتشفوا أن الجماعات الدينية قد تلقت 3.5 مليارات كرونة سويدية من الخارج خلال الفترة 2020-2025.

كما تبين، بحسب صحيفة داجنز نيهيتر، أن التمويل الأجنبي للجمعيات غير الربحية والمؤسسات والجماعات الدينية العاملة في مجال الأنشطة الإنسانية أكبر من ذلك، حيث بلغ 21 مليار كرونة سويدية في نفس الفترة  2020-2025، ومعظمها قادمة من الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية.

وفي السياق ذاته فحص المحققون، وفقا لقرارات الحكومة، المنظمات التي لا تفي بالشروط الديمقراطية، وخلص إلى أن تسعة متلقين قد تلقوا ما مجموعه 70 مليون كرونة سويدية، إلا أن السرية المصرفية حالت دون كشف التحقيق عن هوية مرسل الأموال.

واقترحت اللجنة ضرورة الإبلاغ عن المبالغ التي تزيد عن 150,000 كرونة سويدية من الممولين الأجانب إلى الجماعات الدينية والمؤسسات والجمعيات إلى سلطة مراجعة، مع حظر التمويل إذا اعتُبر أن له تأثيرًا ضارًا على أمن السويد ونظامها العام.

وطالبوا أيضا باعتبار تلقي تمويل أجنبي يزيد عن  150,000 كرونة سويدية دون الإبلاغ عنه، أو تقديم معلومات غير صحيحة حول هذا التمويل، جريمة جنائية، وتفرض عقوبة السجن لمدة أقصاها سنتان، أما في حالة الجنايات، فتُقترح عقوبة السجن لمدة أقصاها ست سنوات.

كما اقترحوا فرض رسوم جزائية تتراوح بين 25000 و 25 مليون كرونة سويدية على الجماعة الدينية أو المنظمة المدنية، على أن تتولى جامعة مانشستر المركزية مهمة المراجعة، بمساعدة مركز مكافحة التطرف، على أن تدخل القواعد الجديدة حيز التنفيذ في الأول من يناير 2028.

وحذر عدد من السياسيين السويديين من أحزاب اليسار والوسط، من أن مشكلة الإسلام السياسي تتجاوز بكثير مجرد متطرفين أفراد يسعون إلى قلب النظام الديمقراطي بالعنف والإرهاب، بل وصلت إلى جماعات تستغل قواعد الديمقراطية لتقويض نمط الحياة السويدي.

وبدأ البرلمان السويدي «الريكسداغ» عبر لجان تحقيق متخصصة في فحص وتدقيق عقود الأنشطة الشبابية والأسرية في مدن ستوكهولم، وغوتنبرغ، ومالمو، ومطابقة سجلات التمويل العام مع أسماء أعضاء مجالس الإدارة لكشف الصلات الخفية لرموز التنظيم الدولي.

حظر وتجريم

أما في هولندا، فقد اتخذت المواجهة مسارًا تشريعيًا مباشرًا وحاسمًا، إذ صوت مجلس النواب الهولندي في مارس ٢٠٢٦ بأغلبية ساحقة ( ٧٦ صوتًا ) لصالح مقترح برلماني ملزم يدعو الحكومة إلى حظر جماعة الإخوان المسلمين والمنظمات التابعة لها بشكل رسمي وتجريم الانتساب إليها.

وتزامن ذلك مع تحركات مماثلة في بلجيكا لتتبع شبكات الإغاثة والتمويل التي يتخذها التنظيم كغطاء لغسل الأموال ونقل السيولة المالية بين عواصم القارة العجوز، حيث كشف تقرير استخباراتي صادر عن جهاز أمن الدولة، النقاب عن شبكة من الجمعيات التي تعمل كواجهة لجماعة الإخوان المسلمين وتستفيد من التمويل الحكومي والمحلي لتنفيذ أجندتها.

وتحت شعار مكافحة التمييز، يتم الترويج لسرديات وأفكار الإخوان عبر ندوات ومنشورات تهيمن عليها ما وصفوه بـ الخطابات المتشددة، وتسبب التقرير السري في غضب تحت قبة البرلمان البلجيكي وتعالت الدعوات لإجراء تحقيق في تمويل حكومي مزعوم لجمعيات توصف بأنها « ذراع الإخوان» على أراضيهم.

ويصف التقرير الاستخباراتي، تلك الجمعيات بأنها جماعات ضغط تابعة لجماعة الإخوان المسلمين، تقوم بأنشطة مختلفة تشكل خطرًا على المؤسسات العامة، كونهم لديهم رغبة في التأثير على السياسات العامة في بلجيكا ويروجون لخطاب يعزز فكرة وجود عداء متأصل في المجتمعات والدول الأوروبية تجاه الإسلام والمسلمين.

وتشير تقديرات أجهزة الاستخبارات، إلى تركيزهم على مفهوم الإسلاموفوبيا واستخدامه لتشويه أي انتقاد ومعارضة السياسات التي يرفضونها، حيث تمتلك تلك الجمعيات أذرع إعلامية تدير منصات تواصل اجتماعي تنشر مواد، تحاكي نفس خطاب جماعات الضغط التابعة للإخوان المسلمين في أوروبا.

تعكس  تلك القرارات الأوروبية عن تحولها من منطق المراقبة والمشاهدة إلى منطق الحماية المجتمعية والتفكيك الهيكلي، وهو ما يمثل في جوهره، انتصارًا سياسيًا وفكريًا متأخرًا لثورة ٣٠ يونيو المجيدة حتى ولو جاء متأخرا.

كان الوعي الجمعي للمصريين يدرك غريزيًا ما استغرق الغرب ثلاثة عشر عامًا ليفهمه بالتقارير الاستخباراتية والقوانين، وهو أن هذا التنظيم لا يمكن أن يتعايش مع مفهوم الدولة الوطنية، وأن أدبياته القائمة على التمكين تسعى في النهاية إلى هدم الأوطان وبناء خلافة وهمية على أنقاض الهويات القومية.

كما أن تلك الضربات الاستباقية القاسية التي وجهتها الدولة المصرية للتنظيم عقب ثورة ٣٠ يونيو، من تجفيف لمنابع تمويله، ومصادرة لأصوله، وحظر كامل لأنشطته، وإحالة قياداته للمحاكمات العادلة، هي ذاتها «الكتالوج» الأمني الذي تنقله أوروبا اليوم وتطبقه في عواصمها لحماية أمنها القومي، مما حول ربيع الجماعة إلى خريف أوروبي.

اقرأ  أيضا: محمود بسيوني: إدراج الإخوان مع "داعش والقاعدة" انتصار للرؤية المصرية

;