■ لم تكن الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد الظهر، وكنت أسبق موعدى المعتاد بأكثر من ساعتين. دخلت إلى أستاذى عصام بصيلة ـ برنس الصحافة الفنية ـ حاملاً بين يدىّ البروفة النهائية لصفحة «راديو وتليفزيون»، لأعرضها عليه؛ فقد أنهيت عملى مبكراً عن سابق تصميم وإصرار، آملاً فى أن أغادر الجريدة مبكراً للسفر إلى الإسكندرية للحاق بواجب العزاء فى والدة الزميل والصديق محمد أبو ذكرى ـ رحمهم الله جميعاً.
لكننى فوجئت برفض الأستاذ عصام انصرافى.ـ مؤكداً أن العمل لا ينتظر، وأن واجبه مقدَّم على واجب العزاء. وعندما اعترضت غاضباً، قال لى جملته التى لا تُنسى: «لما أموت متجيش... واقعد اعمل الصفحة أولى» ومرت السنوات، ولم أقتنع بموقفه، حتى رأيته بعينيَّ يأتى إلى الجريدة و(الكانولة) فى يده، بعد جلسات غسيل الكلى، لمتابعة عمله. وعندما كنت أرجوه الالتزام بالراحة، كان رده الوحيد: «ما دمت حياً، فيجب أن أؤدى عملى».. وحين رحل الأستاذ عصام، مضيت مهرولاً تتساقط دموعى لتوديعه. وعدت بعده للعمل، وكان عنوان كلمات رثائى له: «عذراً أستاذى... خالفت وصيتك».. وبعد كل تلك السنوات، جاءنى درس جديد من رجل آخر.. حيث توجهت السبت الماضى مع زملائى أعضاء مجلس الإدارة والجمعية العمومية لأخبار اليوم، لحضور اجتماع بالهيئة الوطنية للصحافة، برئاسة المهندس عبد الصادق الشوربجى. كان الهدف الحديث عن آخر ما تم فى جامعة أخبار اليوم «نيو إيجيبت» ـ الحلم الأكبر لمؤسسة أخبار اليوم ـ والتهنئة بإطلاق أولى كلياتها.. دخل الرجل، وكانت ملامح وجهه شاحبة، وعيناه زائغتين بعض الشىء، وعلى وجنتيه لفحة شمس، فظننت أنه مرهقٌ عائد لتوه من إجازة مصيف سريعة.
بدأ الحوار بحماسه المعتاد، مؤكداً أنه لا يوجد مستحيل، موجهاً الشكر للجميع ـ وهو أحق الناس بهذا الشكر ـ وتبادل الجميع التهانى وكلمات الشكر والثناء فى أجواء تغلفها البهجة. لم يخلُ الأمر من ختام اللقاء بطرح همومنا ومطالبنا، وكان الرجل متجاوباً مع الجميع دون كلل أو امتعاض، والتقط الصور معنا مبتسماً، ولم يشعر أحد بما يجول فى داخله.. وبعد مغادرة اللقاء اكتشفت أنه كان عائداً لتوه من جنازة شقيقته.. نعم، اختار الرجل أن يلتزم بموعد الاجتماع الذى كان يمكنه تأجيله أو إلغاؤه بكل بساطة. ومن سيلومه وهو رئيس الهيئة؟ ومن سيعاتبه وهو قائد الصحافة الوطنية؟ لكنه ـ ولأنه كذلك ـ اختار أن يحبس دموعه، وأن يتكتم على مشاعره، وأن يعطى الجميع درساً فى الالتزام والتفانى وعشق العمل.. إنه الرجل الذى يعمل على مدار ثمانى عشرة ساعة يومياً. ويعلم الله أننى لا أنافقه ولا أجيد المجاملة، لكن هذا الموقف استوقفنى كثيراً، وكان بمثابة درس جديد من الكبار.
ليتجدَّد، أدركنا أن الكبار لا يعلّموننا بكلماتهم فقط، بل بمواقفهم الصامتة، بعطائهم رغم الألم، بحبهم للعمل. إنهم يتركون فينا دروساً لا تنسى، وحضوراً لا يغيب.. رحم الله أستاذى بصيلة، وأطال فى عمر المهندس الشوربجى المتفانى لخدمة الهيئة الوطنية للصحافة وألهمه الصبر والسلوان، وشكراً لكل من يعلمنا أن العمل ليس مجرد مهنة، بل رسالة وحياة.

30 يونيو ثورة إصلاح المسار وصناعة المُستقبل
المنتخب يواصل إنجازاته وطموحاته فى كأس العالـم
أول اختبار!





