إنها مصر

«الثقافة حياة».. مشروع يستحق الانتشار!

كرم جبر
كرم جبر


أتمنى أن يحالف التوفيق وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكى فى مشروعها «الثقافة حياة»، وأن يكون بداية حقيقية لضخ دماء جديدة فى شرايين المشهد الثقافى، بعد سنوات تجمدت فيها الحركة الإبداعية وتوارت المواهب، وأن يستعيد المشروع القيم النبيلة، فهى القادرة على إعادة اكتشاف الإنسان المصرى، وإزالة الصدأ الذى تراكم فوق كنوزه الإبداعية.
وأول ما ينبغى أن يتجه إليه هذا المشروع، هو البحث عن المبدعين فى كل شبر من أرض مصر، فالإبداع وُلد فى القرى والنجوع والأرياف، التى أنجبت عمالقة مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وفى أحياء القاهرة الشعبية، من شارع محمد على إلى عماد الدين وباب الشعرية وبولاق، ومن الأرض الطيبة خرج عبد الرحمن الأبنودى وبليغ حمدى ومحمد عبد المطلب وطه حسين، وغيرهم من أصحاب البصمات التى صنعت وجدان أمة بأكملها.
الحلم الثقافى الكبير لا يقل أهمية عن أى مشروع اقتصادى، والدولة التى تنفق مئات المليارات لبناء المدن والطرق والجسور، تدرك أن ما يحمى هذه الإنجازات هو بناء الإنسان وتنوير عقله، فالعمران بلا ثقافة جسد بلا روح، ومن هنا تبرز أهمية أن ينجح مشروع «الثقافة حياة» فى تحقيق العدالة الثقافية، وأن تصل الخدمات والأنشطة الإبداعية إلى كل المحافظات.
ورغم أن تفاصيل المشروع لم تُعلن بعد، فإن المؤشرات تبعث على التفاؤل، خاصة مع الحديث عن دمج الثقافة فى الحياة اليومية، والخروج بها من القاعات المغلقة إلى الفضاءات العامة، لتصبح جزءًا من نبض الشارع ، وأن تتحول محطات المترو والقطار الكهربائى والميادين وغيرها، إلى منصات للفنون تحت مظلة «شوارع الفن»، وحين تستعيد قصور الثقافة دورها الحقيقى، يصبح الإبداع قريبًا من الناس، لا حكرًا على نخبة محدودة.
أثبتت التجارب أن الفن حين ينزل إلى الشارع يجد جمهوره الطبيعى، وخير دليل على ذلك المهرجانات والفعاليات المفتوحة التى تجذب عشرات الآلاف من البسطاء الباحثين عن الطرب الأصيل والمتعة الراقية.
النهضة الثقافية الشاملة ليست ترفًا، وإنما ضرورة وطنية لمواجهة أمراض مجتمعية خطيرة، فى مقدمتها التطرف والعنف والانغلاق الفكرى، والثقافة هى اللقاح الذى يحصن العقول، والفن هو اللغة التى تجمع القلوب، ومصر لا تزال تزخر بآلاف المواهب التى تنتظر من يمد إليها يده.
ولا يمكن إنكار أن الثقافة المصرية تعرضت خلال العقود الماضية لحروب، استهدفت دورها الريادى فى الوجدان العربى، وإضعاف تأثيرها لصالح أنماط فنية وثقافية، لا تعبر عن هوية الأمة، ووصلنا إلى محطة شعر فيها الفنان المصرى بالغربة، وأصبح المال فى كثير من الأحيان هو المعيار الوحيد، فتراجعت الكلمة الجميلة، وخفت بريق اللحن الأصيل، وفقدت الآذان كثيرًا من متعتها.
مشروع «الثقافة حياة» يمثل فرصة حقيقية لاستعادة الدور التاريخى للثقافة المصرية، وحماية الهوية واكتشاف الموهبة، وبناء مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل .