قضية ورأى

قيود وحدود التوجهات العسكرية الإسرائيلية تجاه مصر

د. طارق فهمى
د. طارق فهمى


د. طارق فهمى

بصورة دورية لافتة تتتالى تصريحات أو مواقف بعض الشخصيات الإسرائيلية غير الرسمية أو الأكاديمية العاملة فى بعض مراكز البحوث الاستراتيجية مثل مركز الأمن القومى ومسجاف ورئيوت وأورشليم القدس وإسحق رابين وبيجن السادات إضافة لوسائل الإعلام بشخصياتها الإعلامية المعروفة للتأكيد على أن المواجهة مقبلة بين مصر وإسرائيل وأن مصر تتحضر للحرب من خلال ما تقوم به من إجراءات وتدابير فى سيناء وخارجه وأن خطط تأمين السموات المصرية جارٍ على قدم وساق وأن المناورات الأخيرة التى جرت على سبيل المثال فى 25 إبريل بمناسبة عودة سيناء إلى مصر دليل على هذا الأمر ما يتطلب حذرًا إسرائيليًا مما يجرى والتأكيد بأن مصر ستدخل فى مواجهة فى الفترة المقبلة لحسم ملفات عدة على مستوى العلاقات الثنائية ومتعددة المسارات ما يؤكد أن الخيارات المصرية لا تزال قادمة.


فى هذا الإطار يجب أن نميز بين ثلاثة مستويات فى  رؤية إسرائيل للعلاقات مع مصر.
 الأول : المستوى الرسمى وهو الأحرص على الحفظ على العلاقات مع مصر ولا تصدر منه أية تصريحات بشأن العلاقات إدراكًا بأن الموقف المصرى الرسمى يمضى فى هذا الإطار وأن معاهدة السلام يجب أن تصان ويتم الحفاظ على بنودها برغم أن مصر فى تقدير هذا المستوى تخالف بنود المعاهدة بإعادة نشر الجيش المصرى فى ربوع سيناء والتحرك  لتأمين مصالحها إزاء ما يجرى فى قطاع غزة وما تقوم به إسرائيل من إجراءات وتدابير أمنية على طول مناطق الحدود تخوفًا من أية إجراءات من الجانب المصرى وهذا المستوى الذى يضم وزراء ومسئولين رسميين غير ملمين بالتفاصيل فى مستوى العلاقات الراهنة  التى وصلت درجة كبيرة من التنسيق وفق بنود المعاهدة وأن أى زيادة فى عدد القوات تم من خلال لجنة الاتصال المشتركة بين البلدين وأنه لا توجد مخالفات فى هذا السياق بل بعض المخالفات وفق رؤية إسرائيل والتى يتم التعامل معها بصورة ثنائية. 


والمستوى الثانى: الذى يضم عسكريين وسياسيين سابقين يرون فى الإجراءات والتدابير المصرية الجارية مقدمة لما هو آت من احتمالات إقدام مصر على أية تغييرات فى مستوى العلاقات العسكرية والدبلوماسية ما يرتب تغييرًا محتملًا يتطلب التعامل المباشر الذى يمكن البناء عليه فى المدى المنظور خاصة أن إسرائيل لن تنتظر ما تقدم عليه مصر للتعامل، الأمر الذى يتطلب استمرار الحذر من 7 أكتوبر قد يجرى خاصة أن المناورات المصرية الأخيرة كشفت عما يجرى الأمر الذى يتطلب تعاملا سياسيا وليس فقط عسكريا للجم التحرك المصرى الذى أصبح مخططًا بارزًا وواضحًا.
 الثالث: وهو تيار لافت ويدعو بالفعل لبدء الهجوم وعدم انتظار ما تقدم عليه مصر لاعتبارات متعلقة بالأمن القومى الإسرائيلى وفى ظل ما يجرى عسكريا فى مناطق الجوار الإقليمى ودول الجوار الأمر الذى يعطى لإسرائيل القدرة على استثمار المشهد والانتقال التدريجى من الوضع الراهن فى ظل هدف استراتيجى بضرورة توسيع مساحة إسرائيل  الراهنة والحصول على مزيد من الأرض ترجمة لما ذكره الرئيس الأمريكى ترامب بأن حدود إسرائيل صغيرة وأن عليها أن تتسع  فى إشارة للتحريض للاستمرار فى تبنى النزعة العسكرية التى تتزايد وتهدد أمن الإقليم بأكمله وبما تتطلب سرعة التحرك والتعامل.


فى ظل هذه المستويات الثلاثة تكمن عدة حقائق على الأرض أولاها: أن إسرائيل فى الوقت الراهن وللمدى المنظور يتملكها نزعة عسكرية كبيرة ومن ثم فإن السيطرة على هذا السلوك يتطلب مزيدا من الاستعداد المصرى فى مواجهة ما يجرى بل وتوقع أى سيناريو من قبل إسرائيل بصرف النظر عن السلام الراهن والمعرض نتيجة للسلوك العدوانى وحالة التخبط  فى الداخل الأمر الذى قد يؤدى إلى اندلاع مواجهة غير محسوبة وبصرف النظر عن الحرص الإسرائيلى الرسمى على عدم الدخول مع مصر فى أية مواجهات من أى نوع مع مصر إلا أن هنا شبه يقين لدى الجنرالات العسكريين الكبار بأن مصر تتأهب للمواجهة برغم كل ما يجري. ثانيتها: أن هناك بالفعل حالة من التحريض على مصر فى مواقع التواصل من شخصيات لا وزن لها فى إسرائيل والتى تدعو لمهاجمة مصر وحسم الأمر خاصة أن مصر المهدد القريب وليس البعيد فى إشارة إلى ما يمثله الخطر الإيرانى وأن المشكلة لم تعد فى غزة أو الجنوب اللبنانى وإنما مع مصر الدولة العربية الأقوى فى إشارة إلى ما تقوم به مصر من تسليح حقيقى فى مستويات عدة وأنها لا تزال تعمل فى مساحات من المواجهة ومن ثم فإن على إسرائيل الاستعداد لهذه المواجهة. ثالثتها: الاتجاه إلى تبنى استراتيجية متعددة المسارات وهو ما يجرى فى إسرائيل فى إشارة لمراجعة مجمل الاتفاقيات مع مصر والأردن بل والدول العربية الأخرى وما حققته إسرائيل من ورائها خاصة أن الاستقرار الأمنى وتأمين إسرائيل سيتطلب مراجعة مجمل السياسات والتوجهات العسكرية والدبلوماسية مع مصر ودول جوارها وفى نطاقها السياسى والاستراتيجى ما يؤكد على أن إسرائيل وفى كل الأحوال تتوقع مخاطر حقيقية من الجنوب ممثلا فى مصر الأمر الذى يتطلب تغيير نمط التعامل ومراقبة الأوضاع العسكرية المصرية وإعادة ترتيب الأولويات فى الفترة الراهنة.
يمكن التأكيد إذًا على أن الواقع الراهن فى إسرائيل وحالة عدم الاستقرار قد تدفع بالفعل إلى أية سيناريوهات محتملة وتوقع أية مخاطر محتملة فى ظل تنامى التوجهات العسكرية الإسرائيلية وصعود جيل من العسكريين فى سدة القرار العسكرى الأمر الذى قد يكون له تبعاته لجيش يعاد تحديد أولوياته ومهامه وفق رؤية استراتيجية جديدة وهو ما برز من خلال استراتيجية الأمن القومى الإسرائيلى بمحدداتها ومرتكزاتها التى سيتم التعامل معها ومع الدول الرئيسة فى الإقليم وعلى رأسها مصر وإيران وتركيا.