انخدعنا

رواية انخدعنا
رواية انخدعنا


دينا‭ ‬شحاتة

«سألونى.. أنا مين» اعتاد الجميع أن يسألنى، مع صدور كل رواية جديدة: متى يحين الوقت لتكتبى عن بورسعيد؟ كنت أتعلل بالكثير من الأسباب التى أعرف أنها خاطئة، وأؤجل الأمر. كتبت خمس روايات تدور أحداثها فى مدن عديدة، لأفكك شفراتى الخاصة تجاه مدينتى الحبيبة بورسعيد خمس روايات لأصل إلى قلبها كما أراها وأعرفها. بدأت فكرة الرواية تراودنى منذ أربع سنوات. فى عصر يوم ممل، سمعت أغنية حسن الأسمر «اتخدعنا فكرت: هكذا يجب أن يغنى المرء عن الخديعة، بلا مجاز ولا رمزية، أن يصرخ فى بداية الغنوة: انخدعنا... انخدعنا» بعدها كتبت افتتاحية الرواية، فقرة واحدة، وتركتها. قلت: لم تنضج بعد. انتهيت من كتابة رواية «نداهة أصيل» التى صدرت عن دار العين عام 2025، ثم عدت إلى رواية «انخدعنا» الصادرة عن دار الشروق عام 2026 فكرت: كيف يمكن للمرء أن يعرّف خديعته؟ هل بحكايته الشخصية؟ وهل الحكاية الشخصية لا تتقاطع مع المكان والظرف التاريخى؟ أليست المدن التى نسكنها تسكننا بشكل ما؟ هنا اتخذ مفهوم الخديعة بُعدًا آخر. فإن كان طارق العايق، بطل الرواية، قد خُدع، فإن خديعته على الأغلب مرتبطة بمدينته بورسعيد. لذا قررت أن اللازم لتفكيك الخدعة هو أن نفكك ما حدث، ليس من زاوية واحدة، بل من ثلاث زوايا: زاوية الراوى العليم، الذى يرى المشهد كلوحة ناقصة دون تورط. وزاوية طارق نفسه، الذى عاش الخديعة ولم يدركها إلا بعد فوات الأوان. وزاوية المدينة، التى شهدت كل شيء ولم تتدخل. ليس لأن الحقيقة تحتاج إلى شهود، بل لأن كل خدعة، كى تنكشف، تحتاج إلى ثلاث لغات على الأقل. ولأننى أحب التجريب فى السرد، لم أرد للرواية أن تتحول إلى رواية أصوات، بل قررت أن يكون السرد على هيئة جولات لعبة دومينو؛ لعبة شعبية يلعبها الثلاثة: الراوى وطارق والمدينة. كلٌّ منهم يدافع عن وجهة نظره كما أن لعبة الدومينو تمنح مساحة بين الحظ والقدر؛ تظن أنك تخسر أو تكسب بإرادتك، لكن هناك دائمًا شيء خارج عن سيطرتك. تتلخص القطع الجيدة فى حياة طارق العايق فى خدعة بسيطة: أنها قطع قليلة ذات أمانٍ متواضعة. حضور مباريات النادى المصرى البورسعيدى، ومتابعة أخباره، والسفر لمشاهدته فى ملاعب مصر المختلفة، ووجبة يومية من سمك البورى الطازج أو الشبار المبطرخ، وسماع أغانى حسن الأسمر وأغانى السمسمية أينما حلّ أو رحل. ثلاثة أشياء يرى أنها سُلبت منه بطريقة أو بأخرى، شعر أنه خُدع، وقد شارف على نهاية أربعينياته. لذا صار الشكل السردى للرواية أربع جولات دومينو و"قفلة الدومينو». أربع جولات يختلف فيها الرواة مع كل جولة نفكك خدعة: خدعة الحب، وخدعة الكرة، وخدعة الموسيقى والفن، وخدعته الشخصية كطفل فقد أباه وهو فى العاشرة من عمره، وكأب لابن فى مقتبل حياته الجامعية، وكصديق. ولم ينفصل الشكل السردى عن الشكل الفنى للرواية، فهناك رسم لبلاطة دومينو قبل الانتقال من راوٍ إلى آخر، كأنها لعبة دومينو حقيقية. كما حرصت على أن تكون مستويات اللغة متباينة؛ على مستوى الرواة: الراوى العليم، والمدينة، وطارق، كذلك بحسب الحالة المزاجية لطارق نفسه. ففى الجولتين الأولى والثانية، حاول أن يحاور الراوى العليم والمدينة بلغتهما الفصحى، لكن فى الجولة الثالثة، التى يلاعب فيها أصدقاءه من «الصحبجية» فى جلسة حظ، والجولة الرابعة التى يلاعب فيها ذاكرته، جاءت لغته بالعامية المصرية. هنا يبقى السؤال الفلسفى للرواية: هل يُخدع المرء لأنه أحمق؟ أم لأنه وُلد فى مكان معين؟ أم لأنه كان محتاجًا إلى الخديعة كى يمرر بها أيامه؟ ربما يكون ذلك هو السؤال الذى نتأمله بعد الانتهاء من قراءة الرواية: هل «انخدعنا» بطريقة ما؟ وكيف مررنا الخدعة؟

اقرأ  أيضا: صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم