الموقف السياسى

محمود بسيونى يكتب: مطوقة بالنار.. ومحروسة بالإرادة

محمود بسيونى
محمود بسيونى


هناك لحظات فى تاريخ الأمم لا تُقاس بالساعات ولا بالأيام، وإنما بما تتركه من أثر فى مسارها لعقود وربما لقرون، ولحظة الثلاثين من يونيو عام 2013 كانت من هذا النوع؛ لم تكن مجرد احتجاج شعبى بلغ ذروته، ولم تكن انتقالًا تقليديًا للسلطة، وإنما كانت لحظة ثورة شعبية أعاد فيها المصريون طرح السؤال الأهم: هل تبقى الدولة أم تذوب فى الفوضى؟.. وكانت الإجابة الحاسمة هى استعادة الدولة وضمان بقائها.

كنت شاهدًا، عن قرب، بحكم عملى الصحفى، على لحظة الخروج العظيم لملايين المصريين فى القرى والمدن والمحافظات.

كانت العيون تترقب المشهد أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة، والهتاف يتعالى: «انزل يا سيسى... مرسى مش رئيسى». كانت لحظة استدعاء درع مصر وسيفها لحماية الوطن وتأمين مستقبله. وكان الأمل هو الوقود الذى دفع تلك الملايين إلى الميادين، رغم صعوبة المشهدين الإقليمى والدولى.
استهداف الهوية الوطنية

فقد كانت المنطقة من حول مصر قد دخلت بالفعل عصر انهيار الدول الوطنية؛ عواصم عربية عريقة تحولت إلى ساحات قتال، وجيوش تراجعت أمام الميليشيات، وحدود رسمها التاريخ أصبحت خطوطًا رخوة تتجاوزها التنظيمات الإرهابية، بينما كان الشرق الأوسط يعيش زمنًا تتراجع فيه سلطة الدولة، وتتقدم فيه خرائط الطوائف والتنظيمات، لتصبح الهوية الوطنية هدفًا مباشرًا لمشروعات عابرة للحدود..

لكن الشعب المصرى كان له رأى آخر. رفض أن يترك الآخرين يكتبون مستقبله، وقرأ مبكرًا طبيعة المشروع الذى كان يستهدف الدولة الوطنية، واختار المواجهة متسلحًا بأقدم وأقوى ما امتلكه المصريون عبر تاريخهم الطويل: الإرادة الوطنية.

وتلك الكلمة هى مفتاح فهم التاريخ المصرى؛ فهى التى بنت الحضارة، وشيدت الأهرامات والمعابد، وقاومت الغزاة، وكانت سر الانتصار فى المعارك الكبرى، من انتصارات أحمس على الهكسوس، إلى ملحمة أكتوبر 1973، وصولًا إلى إسقاط حكم التنظيم الإرهابى والانطلاق نحو بناء الجمهورية الجديدة.

وربما لا يدرك البعض خطورة المشهد فى ذلك التوقيت؛ فقد واجهت مصر امتحانًا وجوديًا لم يكن الخلاف فيه حول برنامج أو نظام سياسى، بقدر ما كان حول طبيعة الدولة نفسها: هل تبقى دولة وطنية بمؤسساتها وتاريخها وتوازنها، أم تتحول إلى ساحة لصراع أيديولوجى لا يعرف نهاية؟ وهل يبقى القرار الوطنى معبرًا عن مصالح الدولة، أم يصبح أسير تنظيم دولى يقدم الولاء للتنظيم على الولاء للوطن، ويرى أرض الوطن مجرد «حفنة من تراب عفن»؟

هنا جاءت الثلاثون من يونيو، لا بوصفها ثورة على نظام، وإنما باعتبارها استفتاءً شعبيًا على بقاء الدولة المصرية. خرج المصريون لأنهم أدركوا، بحسهم التاريخى، أن الأوطان إذا ضاعت فى لحظة، فإن استعادتها قد تستغرق أجيالًا.

وكانت الرسالة واضحة: الدولة ليست ملكًا لحاكم، ولا لجماعة، وإنما هى ملك لشعب صنع حضارة قبل أن يعرف العالم مفهوم الدولة الحديثة.

لقد أصر المصريون على إنقاذ دولتهم من الانهيار والانقسام، ورفضوا بحزم حكم الإرهاب الذى كان يهدد هوية مصر الوطنية ومقدراتها، ليقدموا للعالم نموذجًا استثنائيًا فى الوعى السياسى والشجاعة المدنية.

ومنذ اللحظة الأولى لنجاح الثورة، وجدت الدولة نفسها أمام معركة مركبة؛ إرهاب يحاول إسقاطها بالسلاح، واقتصاد أنهكته سنوات الاضطراب، وإقليم يشتعل من كل اتجاه، ونظام دولى يعيد ترتيب أولوياته وفق مصالحه لا وفق احتياجات المنطقة. ومع مرور الوقت، طُوِّقت مصر بالنيران فى جوارها الإقليمى المباشر؛ ليبيا غربًا، والسودان جنوبًا، وقطاع غزة شرقًا، فضلًا عن التحديات المتصاعدة فى شرق البحر المتوسط، ثم جاءت الحروب والصراعات الدولية المتلاحقة لتضيف أعباء جديدة إلى بيئة إقليمية بالغة الاضطراب..

و فى مثل هذه اللحظات المعقدة وشديدة الصعوبة تظهر قيمة القيادة السياسية، فالدول لا تُدار بالشعارات عندما تتكاثر الأزمات، وإنما تُدار بحسابات دقيقة توازن بين الممكن والمأمول، ولذلك يجب التوقف عند قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى الحكيمة، التى أثبتت أن مصر تمتلك رجل الدولة الذى يملك الرؤية والقرار الصائب فى التوقيت المناسب.

ومنذ عام 2014 اتجهت الدولة المصرية، بقيادة الرئيس السيسى، إلى إعادة بناء عناصر القوة الشاملة للدولة، لم يكن البناء رفاهية، بل كان شرطًا للبقاء، فالطرق لم تكن مجرد طرق، وإنما شرايين لتحريك الاقتصاد وتحسين جودة الحياة، ومحطات الكهرباء لم تكن مجرد مشروعات خدمية، بل كانت تأسيسًا لاستقلال القرار الاقتصادى، والمدن الجديدة لم تكن توسعًا عمرانيًا فحسب، بل إعادة توزيع للخريطة السكانية بما يفتح آفاقًا جديدة للتنمية ويحاصر الاختناقات التاريخية.

لقد تمكن الرئيس السيسى من إدارة الأزمات الإقليمية ببراعة، وحافظ على استقرار البلاد فى وقت كانت فيه دول المنطقة تغرق فى فوضى عارمة، ومارس أقصى درجات ضبط النفس فى أوقات شديدة الصعوبة متمسكا بالصبر والاتزان الاستراتيجى وأثبتت الأيام والتجارب أننا امام ربان ماهر يقود سفينته فى مياه متلاطمة، بعين ثاقبة ترى ما وراء الأفق، ويد ثابتة لا تهتز.

وحينما ننظر إلى خريطة المنطقة بعد مرور 13 عاما على الثورة نجد أن مصر استثناء وسط هذه الدائرة الملتهبة، ليس لأنها بعيدة عن الأزمات، بل لأنها استطاعت أن تمنع انتقال الأزمات إلى داخلها، وهذا فى حد ذاته إنجاز استراتيجى لا يقل أهمية عن أى مشروع عمرانى أو اقتصادى، ففى عالم مضطرب، يصبح الاستقرار أصلًا من أصول القوة، ويصبح الحفاظ على الدولة إنجازًا يسبق كل الإنجازات.

لقد انطلقت مصر فى مسيرة بناء دولة قوية متماسكة وسط أعاصير داخلية وخارجية شديدة الوطأة والتعقيد، كان عليها أن تواجه تحديات اقتصادية هائلة، وأعباء أمنية مركبة، ومطالب تنموية ملحة لشعب يفوق المائة مليون نسمة، ومع ذلك، شهدت البلاد طفرة فى البنية التحتية والعمران والتنمية الشاملة لم يسبق لها مثيل فى تاريخها الحديث، أُزيلت عشوائيات عقود من الإهمال، وبُنيت مدن جديدة على أرض الواقع، وأُطلقت مشروعات عملاقة فى الطاقة والزراعة والصناعة. ووصلت الخدمات الحكومية إلى الريف والمحافظات الحدودية.

مشروعات وطنية واعدة

 وأصبح لدينا مشروعات كبرى واعدة مثل «مستقبل مصر» الذى يستهدف زراعة دلتا جديدة ويسعى لتحقيق الاكتفاء الذاتى للمصريين، واتجهت جهود الدولة لبناء الإنسان المصرى وتحسين جودة حياته لتصل الخدمات إلى عشرات الملايين بتحسينات حقيقية فى الصحة والتعليم والبنية الأساسية، ارتفع الاحتياطى النقدي، وتحسنت مؤشرات التنمية البشرية، رغم الرياح الاقتصادية العالمية العاتية التى تعصف بالمنطقة والعالم.

والشاهد على ذلك، إشارات صندوق النقد الدولى والبنك الدولى ومؤسسات الاستثمار العالمية إلى صمود الاقتصاد المصرى ومرونته على التعامل مع التحديات، مما يجعل مصر وجهة جذابة وواعدة للمستثمرين فى منطقة تعج بالمخاطر والاضطرابات. ففى زمن يغلب فيه التشاؤم على الإقليم، تظل مصر نموذجًا حيًا للدولة القادرة على الصمود والبناء والتقدم رغم كل العواصف.

قد تختلف التقديرات حول السياسات والقرارات، بعد ثورة 30 يونيو لكن التاريخ لا يحاكم الأمم بالنوايا، وإنما بما تبقى من دولها، وبعد ثلاثة عشر عامًا، تبدو الحقيقة الأكثر رسوخًا أن مصر لم تنجُ من عاصفة الإقليم مصادفة، وإنما بوعى شعبها، وصلابة مؤسساتها، ورؤية سعت إلى أن يبقى الوطن حاضرًا فى زمن غابت فيه أوطان كثيرة. وهكذا تقف مصر اليوم، مطوقة بالنيران، لكنها محروسة بالإرادة، ماضية فى طريق البناء، مؤمنة بأن الحفاظ على الدولة كان بداية الإنجاز، وأن الإنجاز نفسه هو الضمانة الحقيقية للمستقبل.