كل يوم

زلزال الجغرافيا والاقتصاد

منصور  كامل
منصور كامل


من رحم الأزمات والتوترات الجيوسياسية التى تخنق الشرق الأوسط والعالم، يولد نظام دولى جديد، لم تعد النزاعات الراهنة مجرد أحداث عابرة، بل هى مخاض تاريخى يعلن بزوغ عالم متعدد الأقطاب، تُعاد رسم ملامحه عبر «التكتلات الإقليمية» الاقتصادية الكبرى التى تتشكل فى الأفق.

حدث الزلزال بالفعل بعد إغلاق مضيق هرمز والذى شاهدنا أثره وتبعاته فى ارتفاعات أسعار الطاقة عالمياً وارتفاع التضخم وتقاطيع اقتصادى حدث ومتوقع أن يستمر وتوقف لسلاسل الإمداد، وهى أزمة لن تحل بعد عودة فتح المضيق وانسياب مسارات نقل البترول.

إن عالم ما بعد أزمة «مضيق هرمز» يختلف جذرياً عما قبله؛ فالأمر يتجاوز المنظور الضيق لإدارة ممر مائي، ليصل إلى المفهوم الأوسع: مَن يتحكم فى شريان الاقتصاد العالمي؟ لقد تحول أمن الطاقة وسلاسل الإمداد إلى أوراق ضغط استراتيجية تعيد صياغة موازين القوى، بالتزامن مع تراجع السيطرة الأمريكية المطلقة سياسياً واقتصادياً.

الوجه الآخر لهذا التحول هو زلزال «إلغاء الدولرة» وبداية عصر «ما بعد الدولار»، إن لجوء القوى الصاعدة والناشئة إلى التبادل التجارى بالعملات المحلية، وتنويع الاحتياطيات بالذهب، والبحث عن أنظمة مالية موازية لـ «سويفت»، لم يعد مجرد خطط بديلة، بل تحول إلى هجوم منظم لكسر الهيمنة الأحادية.

وسط هذا الاضطراب، تكمن الفرصة الحقيقية، التكتلات الإقليمية الجديدة هى طوق النجاة للدول الذكية؛ فالإمكانات اليوم متاحة لتوطين الصناعات، وتعزيز التجارة البينية، وبناء تحالفات مرنة تحمى القرار الوطني، إن التاريخ يعلمنا أن القواعد تُكتب وقت الأزمات، والبقاء فى العالم الجديد لن يكون للمتفرجين، بل لمن يستبق التحولات ويترجم المعاناة الجيوسياسية إلى فرصة وسيادة اقتصادية مستدامة.

فى مصر لدينا فرص عظيمة كشفتها الأزمة الحالية، فرص للتعاون الإقليمى مع الشرق فى الصين والآسيان، وفرص فى قلب قارتنا الإفريقية باعتبار مصر بوابة نفاذ للسلع والمنتجات، لا ينقصنا الاتفاقات فهى موجودة وكافية ولكن ينبغى علينا التحرك سريعاً لسرعة التفعيل والتنفيذ حتى ننطلق مع المنطلقين فى عالم ما بعد هرمز.