ظهرت أفكار جديدة لدى بعض الشباب والفتيات، ترى أن الاستقلال الشخصى والراحة النفسية والحرية الفردية قد تكون أكثر أمانًا من الدخول فى علاقة قد تتحول إلى عبء نفسى ومادى واجتماعى. كما لعبت مواقع التواصل الاجتماعى دورًا كبيرًا فى تشكيل هذه الصورة، بعدما أصبحت الخلافات الزوجية تُعرض على الملأ، وتُصدَّر النماذج السلبية أكثر من قصص النجاح والاستقرار.. وبين ضغوط المجتمع والأسرة، ورغبة الإنسان الطبيعية فى الاستقرار وتكوين بيت وأسرة، تتشابك الأسباب وتختلف الدوافع من شخص لآخر، لتكشف شهادات الشباب وآراء المتخصصين عن أزمة حقيقية متعددة الأبعاد، تحمل فى داخلها الكثير من المخاوف والأسئلة حول مستقبل الأسرة المصرية فى ظل المتغيرات الحالية.
قال توفيق محمد شاب فى مقتبل العمر إن فكرة الزواج لم تعد سهلة بالنسبة لكثير من الشباب، بسبب ما يشاهدونه من مشكلات متكررة بين الأزواج، إلى جانب الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة توفير حياة مستقرة.. وأضاف أن قصص الطلاق السريع والخلافات التى تنتهى داخل محاكم الأسرة جعلت الشباب يفكرون كثيرًا قبل اتخاذ قرار الزواج، خاصة مع تأثير مواقع التواصل الاجتماعى التى زادت من انتشار المشكلات الأسرية وإظهارها بصورة مستمرة. ورغم ذلك، أكد أنه ما زال يؤمن بإمكانية نجاح الزواج إذا قام على التفاهم والاحترام المتبادل وتحمل المسؤولية.
مبالغات
ويتفق معه محمود صلاح، الموظف الأربعينى، الذى يرى أن المغالاة فى الطلبات أصبحت من أكبر العوائق أمام الشباب، رغم استعداد بعضهم ماديًا للزواج. فبرغم امتلاكه شقة مجهزة بالكامل منذ سنوات، وشرائه كل مستلزمات الزواج، فإنه ـ بحسب قوله ـ يصطدم فى كل مرة بطلبات يراها مبالغًا فيها، مثل كتابة الشقة باسم العروس أو فرض قائمة وتكاليف تفوق قدرته. وأوضح أن المقارنات المستمرة بين الأسر زادت من تعقيد الأمر، حتى أصبح يشعر بأن الزواج تحوّل إلى «صفقة» تحكمها الحسابات أكثر من التفاهم والمودة.. ورغم رغبته فى تكوين أسرة والعيش فى استقرار، فإن الخوف من الخسارة والدخول فى مشكلات أو نزاعات مستقبلية جعله مترددًا بين حلم الأبوة والاستقرار، وبين واقع يراه قاسيًا ومعقدًا.
رؤية مختلفة
ترى سهام سعد، 45 عامًا، أن الزواج لم يعد هدفًا أساسيًا فى حياتها، مؤكدة أن استقلالها المادى ونجاحها العملى وفّرا لها حالة من الاستقرار والراحة النفسية التى لا ترغب فى التفريط فيها. وتقول إن فكرة أن يتحكم شخص آخر فى تفاصيل حياتها اليومية لا تناسب طبيعتها المستقلة، مضيفة: « أنا شايفة نفسى عايشة ملكة زمانى، بشترى اللى أنا عايزاه فى أى وقت، ومش شايلة مسؤولية حد غير نفسي».. وأوضحت سهام أنها لا تشعر بأى نقص بسبب عدم الزواج، بل ترى أن كثيرًا من النساء أصبحن يفضلن الاستقلال والهدوء النفسى على الدخول فى علاقات قد تحمل ضغوطًا أو قيودًا لا تتناسب مع طموحاتهن وأسلوب حياتهن. كما أكدت أنها لم تعد تهتم بالنظرة التقليدية التى يفرضها بعض أفراد المجتمع على المرأة غير المتزوجة، طالما أنها تعيش حياتها بالشكل الذى يمنحها الرضا والراحة.
الخوف من تحمل المسئولية
قالت د. سامية خضر أستاذ علم الاجتماع بكلية التربية جامعة عين شمس إن عزوف بعض الشباب عن الزواج فى الوقت الحالى يرجع إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، فى مقدمتها الخوف من تحمّل المسؤولية، إلى جانب حالة القلق التى خلّفتها التجارب الزوجية الفاشلة وما يرتبط بها من نزاعات داخل محاكم الأسرة حول النفقة والسكن وبعض القوانين الأسرية، الأمر الذى جعل كثيرًا من الشباب ينظرون إلى الزواج باعتباره مصدرًا للمشكلات والضغوط بدلًا من كونه وسيلة للاستقرار وتكوين الأسرة.. وأضافت أن بعض الشباب أصبحوا يخشون عدم قدرة الطرف الآخر على تحمّل ظروف المعيشة والصعوبات الاقتصادية، أو الصبر على الأزمات التى قد تواجه الزوجين فى بداية حياتهما، خاصة مع تصاعد الضغوط اليومية. وأشارت إلى أن الصورة السلبية عن الزواج تتفاقم بسبب حرص البعض على تصدير مشكلاتهم وخلافاتهم فقط، حتى إن هناك من يردد دائمًا أنه لو عاد به الزمن لما أقدم على الزواج، فى حين أن كثيرًا من الأسر المستقرة تفضّل الصمت وعدم الحديث عن نجاحها خوفًا من الحسد، وهو ما يؤدى إلى غياب النماذج الإيجابية القادرة على تشجيع الشباب على تكوين أسرة.
محاصرة الشباب
وأوضحت أن الشباب باتوا محاصرين بين صورتين متناقضتين؛ الأولى تتمثل فى مشكلات الطلاق والنزاعات الأسرية المعروضة باستمرار داخل المحاكم ووسائل الإعلام، والثانية لأسر مستقرة لا تظهر للناس، فتبدو الصورة العامة وكأن الزواج لا يحمل سوى الأزمات والخلافات.
وأكدت أن نجاح الحياة الزوجية لا يقوم على المكاسب المادية أو محاولة انتصار طرف على الآخر، وإنما على التفاهم والمشاركة وتحمل المسؤولية والتعاون فى مواجهة الظروف المختلفة، مشددة على ضرورة أن تبدأ الحياة الزوجية بإمكانات بسيطة وعلى قدر استطاعة الطرفين بعيدًا عن المغالاة والتعقيدات.
التيسير مطلب إسلامي
قال د. أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر إن الإسلام حثّ الشباب على الزواج باعتباره وسيلة للعفة والاستقرار وبناء الأسرة، مستشهدًا بقول النبى صلى الله عليه وسلم: «يا معشرَ الشباب، من استطاع منكم الباءةَ فليتزوج، فإنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج». وأوضح أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا ملحوظًا فى إقبال الشباب على الزواج فى كثير من المجتمعات الإسلامية، نتيجة تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية متعددة.. وأضاف أن الشاب أصبح يواجه أعباءً كبيرة تبدأ من توفير المسكن وارتفاع أسعار الشقق والأقساط، وصولًا إلى المغالاة فى المهور وتكاليف الزواج والطلبات التى تفرضها بعض الأسر، رغم أن السنة النبوية دعت إلى التيسير وجعلت البركة فى قلة التكاليف لا فى كثرتها.
كما أشار إلى أن بعض الشباب باتوا يخشون الإقدام على الزواج بسبب ما يشاهدونه من نزاعات داخل محاكم الأسرة، والخوف من المشكلات القانونية والاجتماعية المرتبطة بقضايا النفقة والمنقولات والسكن.
وأكد كريمة أن الأزمة لا ترتبط بالظروف الاقتصادية فقط، بل تمتد أيضًا إلى تراجع الوعى الأسرى وضعف التأهيل لتحمل المسؤولية لدى بعض الشباب والفتيات، مشددًا على أن الأسرة السوية القائمة على القيم السليمة هى الأساس فى بناء مجتمع متوازن نفسيًا واجتماعيًا.
تعقيدات الأزمة
ومن جانبه، قال د. مختار مرزوق العميد الأسبق لكلية أصول الدين جامعة الأزهر فرع أسيوط إن ارتفاع تكاليف المعيشة والمغالاة فى طلبات الزواج يمثلان السبب الأبرز فى تأخر سن الزواج، إلى جانب الخوف من المسئولية وارتفاع سقف التوقعات لدى بعض الشباب والفتيات. وأوضح أن بعض الفتيات قد يرفضن العريس المناسب انتظارًا لمن هو أعلى مكانة مادية أو وظيفية، ما يساهم فى تعقيد الأزمة.
وأشار إلى أن القرآن الكريم والسنة النبوية دعوا إلى التيسير فى الزواج وعدم الخوف من الفقر، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ…﴾، داعيًا أولياء الأمور إلى عدم المبالغة فى المهور والتكاليف، ومؤكدًا أن الزواج يظل من أهم أسباب الاستقرار النفسى والاجتماعى وحفظ الدين.

«الأخبار»تفتح ملف التحايـل عـلــى قرارات تمكين الحاضنة من مسكــن الزوجيـة
كوفيد-19 فيروس طبيعى.. والصحة العالمية لم تتأخر فى إعلانه جائحة
لعبة «التحميل» فى العقارات تُهدر الملايين.. والمشترى أكبر الخاسرين





