الأمتار الضائعة

لعبة «التحميل» فى العقارات تُهدر الملايين.. والمشترى أكبر الخاسرين

 السوق العقارى
السوق العقارى


بينما يعتقد آلاف المشترين أنهم يدفعون ثمن وحدة سكنية أو إدارية بمساحة محددة، يكتشف كثيرون عند الاستلام أن المساحة الفعلية أقل بكثير مما تعاقدوا عليه، بسبب ما يُعرف داخل السوق العقارى «بـنسبة التحميل»، ذلك المصطلح الذى تحول خلال السنوات الأخيرة إلى واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل بين المطورين والعملاء، ففى الوقت الذى تعتبر فيه الشركات المطوِّرة أن التحميل ضرورة فرضتها اشتراطات البناء وارتفاع أسعار الأراضى وتكاليف التنفيذ، يرى خبراء قانونيون ومستهلكون أن غياب الضوابط الواضحة فتح الباب أمام تحميل العملاء أعباء إضافية بمئات الآلاف من الجنيهات تحت مسميات غير مفهومة للكثيرين.

ومع الفجوة بين المساحة البيعية والصافية، تصاعدت الشكاوى من ارتفاع نسب التحميل داخل بعض المشروعات التجارية والإدارية والطبية إلى مستويات غير مسبوقة، وزادت المطالب بضرورة تدخل الدولة لوضع قواعد حاكمة تنظم العلاقة بين المطور والمشتري، وتضمن شفافية الإعلان عن المساحات الحقيقية للوحدات العقارية.
فى هذا التحقيق، نرصد كيف تحولت «نسبة التحميل» من بند هندسى محدود إلى أزمة حقيقية داخل السوق العقارى المصري، ونكشف آراء المطورين والخبراء القانونيين حول أسباب الظاهرة، وحجم الخسائر التى يتحملها العملاء لوضع حد لها.
يروى مصطفى موسى، من محافظة القاهرة، أنه اشترى وحدة سكنية بَفى كومباوند شهير بمنطقة التجمع الخامس، والتزم بسداد الأقساط المتفق عليها بالكامل، إلا أنه عند موعد الاستلام فوجئ بأن مساحة الوحدة أقل بكثير من المتعاقد عليه، حيث كان من المفترض أن تبلغ 185 مترًا، بينما اكتشف بعد المعاينة والقياس بمعرفة متخصص أن المساحة الفعلية لا تتجاوز 135 مترًا، وعند مراجعة الشركة والاستفسار عن هذا الفارق الكبير، أُبلِغ بأن هذا الفرق يُدرج ضمن ما يُعرف بالمنافع، وأنه يدخل فى إطار نظام «التحميل» المتبع فى بعض المشروعات العقارية.
الأمر تكرر أيضًا مع سيد محمود، الذى اشترى محلًا تجاريًا بمنطقة البساتين بمساحة ٤٠ مترًا ولكن بعد التعاقد والمعاينة اتضح له فيما بعد أنه ٣٠ مترًا، وحينما حاول التواصل مع البائع حدثت مشادة بينهم وقال له البائع صراحة «انت تستفيد بالمسافة بينك وبين المارة والمحلات الأخرى وأنا اتحملها ليه ؟؟» مؤكدًا أن جميع المحيطين به أخبروه أن هذا أصبح الشائع «ومش هتاخد حق ولا باطل خاصة بعد ما مضيت».
حسابات الضمان
تفاوت فى نسب التحميل بين المناطق والمحافظات وكذلك الشركات وظهر ما يسمى تحميل قديم وتحميل جديد وبين هذا وذاك يضيع حق المشتري، يقول المهندس فتح الله فوزى، رئيس لجنة التطوير العقارى بجمعية رجال الأعمال المصريين، أنه حتى الآن لا يوجد قرارات تنظم نسب التحميل، ولابد أن تعمل الدولة على وضع الأطر التشريعية والتنظيمية التى تحكم العلاقة بين المطور العقارى والمشترى، بما يضمن حماية حقوق جميع الأطراف وتحقيق التوازن داخل السوق العقارية، مشيرًا إلى أن تدخل الحكومة أصبح ضرورة فى ظل التحديات الحالية التى يشهدها القطاع.
وأوضح رئيس لجنة التطوير العقارى أن الفترة الحالية تتطلب الإسراع فى إصدار تشريعات تنظم آليات البيع والتطوير العقاري، وعلى رأسها تطبيق نظام «الإسكرو أكاونت» أو حسابات الضمان، بحيث يتم توجيه أموال العملاء للصرف على المشروع وفق نسب التنفيذ الفعلية، بما يحقق مزيدًا من الشفافية ويعزز ثقة المشترين فى السوق العقارية المصرية.
وأضاف أن ملف «نسبة التحميل» يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من هذا التنظيم التشريعى، مؤكدًا أن تحديد نسب واضحة وعادلة لكل مشروع يجب أن يتم من خلال الدولة والجهات التنظيمية المختصة، وليس وفق اجتهادات منفردة من الشركات، بما يضمن الحفاظ على حقوق العملاء وتحقيق العدالة بين المطورين.
وأشار المهندس فتح الله فوزى إلى أن نسب التحميل المناسبة داخل المشروعات الكبرى قد تصل إلى نحو 20%، لافتًا إلى أن وجود ضوابط محددة ومعايير معلنة سيسهم فى القضاء على التفاوت الكبير الموجود حاليًا بين المشروعات المختلفة، كما سيدعم استقرار السوق ويمنح العملاء قدرة أكبر على المقارنة واتخاذ القرار الشرائى بشكل واضح ومدروس.
وأكد أن السوق العقارية المصرية تمتلك فرص نمو قوية، لكنها تحتاج إلى مزيد من التنظيم والحوكمة خلال المرحلة المقبلة، بما يضمن استدامة التنمية العقارية وحماية المستثمر والمستهلك فى آن واحد.
عنصر رئيسى 
أما عن بداية انتشار ما يعرف بالتحميل فيقول أحمد عبد الفتاح، رئيس قسم التنمية بإحدى شركات الاستثمار العقاري، أن أزمة نسبة التحميل أصبحت واحدة من أكثر الملفات المثيرة للجدل بين المطورين والعملاء، موضحًا أن فهم طبيعة التحميل يبدأ من طريقة استغلال الأرض نفسها وفق الاشتراطات البنائية المعتمدة من الدولة.
ويؤكد عبد الفتاح أن الدولة تطرح الأراضى للمطورين بمساحات كاملة، ولكن كود البناء لا يسمح بالبناء على كامل مساحة الأرض، ففى كثير من الأحيان يُسمح بالبناء على نحو 60% فقط من إجمالى المساحة، بينما تظل النسبة المتبقية فراغات وارتدادات وخدمات مرتبطة بالتخطيط العمرانى. وأضاف: «المطور حين يشترى قطعة أرض بمليون جنيه مثلًا، فهو يدفع ثمن الأرض بالكامل، لكنه فى النهاية لا يستطيع البيع إلا على الجزء القابل للبناء فقط، وبالتالى تظهر فكرة التحميل لتعويض التكلفة التى تحملها».
وأشار إلى أن التحميل قديمًا كان محدودًا للغاية، وارتبط بالمناور والسلالم والخدمات المشتركة بنسب بسيطة، بينما كان المطور يتحمل الجزء الأكبر من تكلفة الأرض غير المستغلة، لكن مع الارتفاعات الكبيرة فى أسعار الأراضي، وزيادة تكلفة التطوير، بدأ المطورون فى نقل هذا العبء تدريجيًا إلى المشترى النهائي، لتتحول نسبة التحميل إلى عنصر رئيسى فى تسعير الوحدات العقارية، وتضاعف الأمر بعد منع البناء العشوائى خارج الأحوزة العمرانية، حيث كانت بعض المشروعات قديمًا تُقام على كامل مساحة الأرض تقريبًا، وبالتالى كانت نسب التحميل محدودة للغاية. أما الآن، فمع الالتزام بالاشتراطات التخطيطية وكود البناء، أصبحت هناك نسب كبيرة من الأراضى لا يتم البناء عليها، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على تكلفة الوحدة العقارية.
وتابع: «المشكلة أن السوق حاليًا لا يملك معيارًا واضحًا يحدد الحدود المقبولة لنسب التحميل، ولا توجد جهة تفرض كودًا موحدًا يضمن للمشترى جودة التصميم وكفاءة استغلال المساحات الداخلية. فهناك شركات تنفذ مناور كبيرة أو ممرات وسلالم بمساحات مبالغ فيها، أو تعتمد تصميمات تهدر جزءًا كبيرًا من المساحات، وفى النهاية يتحمل العميل التكلفة كاملة».
قواعد واضحة
وأشار إلى أن غياب التنظيم يجعل العميل الطرف الأضعف فى السوق العقارية، خاصة أن كثيرًا من المشترين لا يفرقون بين المساحة الإجمالية والمساحة الصافية القابلة للاستخدام الفعلى. وأضاف: «العميل قد يشترى شقة معلن عنها بمساحة 150 مترًا، لكنه يكتشف عند الاستلام أن المساحة الفعلية المستخدمة أقل بكثير، بينما يكون قد دفع سعر المتر على كامل المساحة المعلنة».
وأكد عبد الفتاح أن الحل لا يكمن فى منع التحميل بشكل كامل، وإنما فى تنظيمه ووضع حدود واضحة له من خلال تشريعات أو ضوابط رقابية، بحيث يعرف المشترى مسبقًا حجم العجز أو الزيادة المقبولة، مثلما يحدث فى أى سلعة أخرى تخضع لمعايير قياس واضحة.
وشدد على ضرورة تدخل الجهات التنظيمية وجهاز حماية المستهلك لوضع قواعد واضحة للإعلان عن المساحات العقارية، وإلزام الشركات بإظهار المساحة الصافية القابلة للاستخدام بصورة شفافة، إلى جانب تحديد سقف عادل لنسب التحميل داخل المشروعات المختلفة.
كما أشار إلى أن جزءًا من جودة التطوير العقارى يرتبط بقدرة الشركات على تقليل الفاقد واستغلال المساحات بكفاءة من خلال التصميم الهندسى الذكي، موضحًا أن بعض الشركات أصبحت تعتمد بشكل مفرط على تحميل العميل تكلفة الهدر بدلاً من تطوير حلول تصميمية أكثر كفاءة. وقال: «حين يغيب التنظيم وتُترك النسب مفتوحة، تتراخى بعض الشركات فى تحسين جودة المنتج العقارى، لأن العميل فى النهاية هو من يتحمل الفارق».
خدعة قانونية
أما عن كم الخسائر فيؤكد المحامى إيهاب الأطرش، المحامى بالاستئناف العالى ومجلس الدولة، أن أزمة ما يُعرف بنسبة التحميل التى تفرضها بعض شركات التطوير العقارى على العملاء تمتد أيضًا إلى المشروعات التجارية والإدارية والطبية داخل المدن الجديدة بالإضافة للسكنية، مؤكدًا أن الأمر تحول فى كثير من الحالات إلى «خدعة قانونية» يدفع ثمنها المشترى دون إدراك كامل لحجم الخسارة الفعلية.
وأوضح الأطرش أن بعض الشركات ترفع نسب التحميل إلى أرقام مبالغ فيها تصل إلى 30% وأكثر، وهو ما يعنى أن العميل الذى يشترى وحدة بمساحة 100 متر، قد يتسلم فعليًا مساحة صافية لا تتجاوز 65 أو 70 مترًا فقط، رغم أنه دفع قيمة الـ 100 متر كاملة بسعر السوق.
وأضاف أن الأزمة الحقيقية تكمن فى أن المطور العقارى يحاسب العميل على المساحة البيعية للوحدة، وليس على المساحة الصافية القابلة للاستخدام، رغم أن العميل فى النهاية لا يستفيد فعليًا إلا من الجزء الصافى فقط.
وأشار إلى أن بعض الوحدات التجارية والإدارية داخل المولات تشهد نسب تحميل وصفها بـ«المرعبة»، موضحًا أن العميل قد يشترى وحدة صغيرة بمساحة معلنة، ثم يكتشف عند الاستلام أن الجزء القابل للاستخدام محدود للغاية، لدرجة أن بعض الوحدات تصبح غير عملية على الإطلاق.
وأكد الأطرش أن شركات التطوير العقارى تستند فى ذلك إلى اشتراطات البناء داخل المدن الجديدة، حيث تفرض أجهزة المدن نسب بناء محددة على الأراضي، فمثلًا قد يُسمح بالبناء على 50% فقط من مساحة الدور الأرضي، و55% للأدوار المتكررة، وهو ما يجعل المطور يشترى الأرض بالفعل وفق هذه الاشتراطات والأسعار.
وتساءل: إذا كان المطور العقارى قد اشترى الأرض وهو يعلم مسبقًا نسب البناء المقررة، فلماذا يتحمل المشترى فروق المساحات الناتجة عن اشتراطات البناء؟
وأضاف أن المنطق الطبيعى يقتضى أن يتم بيع الوحدات شاملة المنافع «الأسانسير والمناور» فقط لا غير وبالتالى لا تتعدى نسب التحميل ١٠٪ ، وليس على مساحات تتضمن ممرات وخدمات وأجزاء مشتركة لا يستفيد منها العميل بصورة مباشرة.
وضرب مثالًا بمشروع سكنى مقام على أرض مساحتها 500 متر، يسمح فيه بالبناء على 250 مترًا فقط فى الدور الأرضي، بحيث تصبح كل شقة صافى 125 مترًا تقريبًا، بينما يتم تسويقها وبيعها للمشترى على أنها 165 أو 170 مترًا، بفارق قد يصل إلى 45 مترًا كاملًا تحت بند التحميل.
أرباح بلا معيار
وأشار إلى أن هذا الفارق يتحول إلى أرباح ضخمة بالملايين لصالح بعض الشركات، خاصة مع ارتفاع أسعار المتر داخل المدن الجديدة والعاصمة الإدارية، موضحًا أن فارق عشرات الأمتار فى الوحدة الواحدة قد يضيف مئات الآلاف من الجنيهات إلى سعر الوحدة دون مقابل حقيقى للمشترى.
وتابع: «الأزمة الأكبر تظهر فى الوحدات التجارية والإدارية والطبية، حيث ترتفع نسب التحميل بصورة مبالغ فيها وقد تصل إلى ٤٠٪، وقد يكتشف العميل بعد الاستلام أن المساحة الصافية الفعلية لا تتناسب إطلاقًا مع السعر الذى دفعه».
وأكد الأطرش أن اختلاف نسب التحميل بين الشركات يكشف غياب معيار واضح أو قاعدة موحدة، حيث تخفض بعض الشركات النسبة إلى 20% أو 22%، بينما ترفعها شركات أخرى إلى 30% وأكثر، وهو ما يطرح تساؤلات واسعة حول الأساس الحقيقى الذى يتم وفقه تحديد تلك النسب.
وقال إن هذا التفاوت يؤكد أن الأمر يخضع فى كثير من الأحيان لاجتهادات الشركات ورغبتها فى تحقيق أرباح أكبر، وليس إلى قواعد ثابتة أو التزام مهنى موحد داخل السوق العقارى.
الموقف القانونى
وعن الحل القانوني، أوضح الأطرش أن القانون يمنح المشترى الحق فى اللجوء للقضاء إذا ثبت وجود فارق كبير بين المساحة المتفق عليها والمساحة الفعلية التى تم تسليمها، من خلال إقامة دعوى «إنقاص ثمن المبيع» مع حق المشترى فى التعويض.
وأشار إلى أن المحكمة قد تُلزم الشركة برد قيمة المساحات غير المستلمة للعميل، وفق سعر المتر وقت التعاقد، بالإضافة إلى تعويض عن الأضرار التى لحقت بالمشترى نتيجة هذا الفارق.. وشدد على ضرورة زيادة وعى العملاء قبل التعاقد، ومراجعة العقود بدقة، ومعرفة الفرق بين المساحة الإجمالية والمساحة الصافية، مطالبًا بضرورة وضع ضوابط واضحة وشفافة لنسب التحميل داخل السوق العقاري، منعًا لاستمرار ما وصفه بـ«استنزاف العملاء تحت مسميات قانونية غير عادلة».
وفى السياق ذاته، طالب الأطرش بضرورة وجود تدخل تشريعى ورقابى حقيقى لتنظيم ملف «نسبة التحميل» داخل السوق العقاري، مؤكدًا أن الأزمة لم تعد مجرد خلافات فردية بين شركات وعملاء، وإنما أصبحت قضية تمس قطاعًا واسعًا من المواطنين وتشكل عبئًا ماليًا ضخمًا على المشترين.
وأشار إلى أهمية أن يكون للجنة الإسكان بمجلس النواب دور أكثر فاعلية فى مراجعة آليات البيع والتسويق العقاري، ووضع ضوابط واضحة وملزمة فيما يتعلق بنسبة التحميل والمساحات الصافية وآليات الإعلان عن الوحدات.
وأضاف أن تحقيق قدر أكبر من الشفافية داخل السوق يتطلب أيضًا تجنب أى تضارب محتمل فى المصالح، من خلال ضمان مشاركة أصوات مستقلة ومتخصصة عند مناقشة التشريعات المنظمة للقطاع العقارى، بما يحقق التوازن بين حماية الاستثمار وحماية حقوق المواطنين.
وشدد على أن المواطن البسيط هو الطرف الأضعف فى معادلة التعاقدات العقارية، خاصة مع تعقيد العقود الفنية والقانونية، وهو ما يتطلب تدخلًا واضحًا من الجهات الرقابية والتشريعية لضمان الإفصاح الكامل عن المساحات الحقيقية وآليات احتساب التحميل قبل التعاقد.