حالة من التوجس والخوف تسود الأجواء السياسية فى أنحاء العالم، فى انتظار بدء المفاوضات الصعبة والمعقدة بين وفدى أمريكا وإيران للتوصل إلى اتفاق شامل ينهى حالة العداء التاريخى بين البلدين، والمستمرة منذ عقود، ووصلت إلى مرحلة غير مسبوقة، باستخدام الخيار العسكرى والذى لم يلجأ إليه أحد رؤساء أمريكا، سوى فى رئاسة ترامب الثانية، فنحن أمام حقيقة مهمة.
أن هناك عوامل ذاتية دفعت كل طرف للسير مع خيار التفاوض، الذى أثمر عن اتفاق إعلان المبادئ، مع ترحيل القضايا المعقدة والتى لم يتم حسمها خلال التفاوض عبر الوسطاء، وفتح الباب أمام مفاوضات مباشرةً خلال مهلة الـ ٦٠ يوما قابلة للتمديد، والغريب أن الأيام الماضية كشفت عن حالة إرباك حتى فى التفاصيل الشكلية.
ومن ذلك طريقة التوقيع وزمانه ومكانه، والذى تبدل بصورة ملحوظة من حفل توقيع مباشر بمشاركة نائب الرئيس الأمريكى على أن يكون فى سويسرا أول أمس الجمعة، فتغيرت الأمور وتم التوقيع عن بعد من الرئيسين وحتى الآن لم تبدأ الجولة المقررة..
والحقيقة أن مفاوضات الـ ٦٠ يوما تبدأ فى أجواء صعبة وتحتمل كل السيناريوهات من النجاح، وهذا يحتاج إلى جهد كبير، وحسن نية، وإرادة سياسية حقيقية، وبين إمكانية إجهاضها، خاصة أن خيار التفاوض يواجه تحفظا داخل المعسكرين، وكان هذا واضحا فى الرسالة التى كشف عنها للمرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية مجتبى خامنئى.
وكشف عن ذلك وقال «كان لدى رؤية أخرى» وفسر موافقته وربطها بالتعهدات التى قدمها الرئيس الإيرانى بالحفاظ على الثوابت الوطنية وحماية حقوق الشعب الإيرانى، وهو نفس الأمر بالنسبة للداخل الأمريكى الذى شهد انتقادات واسعة لمذكرة التفاهم التى حسب رأيهم، تضمنت تنازلات ضخمة للجانب الإيرانى الذى حقق مكاسب كبيرة.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فهناك مخاوف من التباين فى فهم البنود الـ ١٤ بين الجانبين، تجاه القضايا الأكثر تعقيدا، مثل الملف النووى والعقوبات والحصار الاقتصادى، ودعم إيران للجماعات المسلحة خاصة لبنان الذى جاء ذكرها خصيصا ثلاث مرات فى إطار الحديث عن الإنهاء الفورى والدائم للعمليات العسكرية فى جميع الجبهات، وهنا يأتى دور نتنياهو الذى يسعى جاهدا لإجهاض المفاوضات لمواجهة الانتقادات الواسعة لسياساته، والتى قد تدفعه إلى المغامرة بعلاقاته مع ترامب إذا استمرت سياساته فى إيران أو افتعل أزمة مع إيران.
فى هذا الملف استعراض كامل لمواقف كافة الأطراف، مع رصد تحركاته على مستويات أخرى منها استعداد أوروبا لدعم المفاوضات وبدء النشاطات داخل الوكالة الدولية للطاقة النووية كطرف مهم فى المعادلة مع استعراض لسيناريوهات المرحلة المقبلة.
واشنطن.. خلاف حول البند السادس والتمسك بمبدأ الأداء مقابل المكافأة
رسالة واشنطن: منى العزب
بدت مذكرة التفاهم التى وقعت عليها الولايات المتحدة وإيران مؤخرا على المحك، مع إرجاء المحادثات التى كانت مقررة فى سويسرا، وتصاعد وتيرة المواجهات فى لبنان، فى وقت اشترطت فيه طهران التزام واشنطن بـ «الخطوط الحمراء» التى حددتها طهران للتفاوض.

وصعدت طهران لهجتها تجاه واشنطن، محملة الولايات المتحدة مسئولية مباشرة عن الهجمات الإسرائيلية على لبنان، ومؤكدة أن وقف الحرب فى لبنان يشكل جزءاً أساسياً من التفاهمات الأخيرة الرامية إلى إنهاء الأعمال العدائية فى المنطقة، وذلك بعد أن شهد الجنوب اللبنانى تصعيدًا إسرائيلياً لافتاً، حيث أعلنت السلطات اللبنانية عن مقتل العشرات فى قصف استهدف قرى وبلدات الجنوب، وسط حركة نزوح كبيرة.
وتأتى هذه المواقف فى وقت أعلنت فيه الحكومة السويسرية إرجاء المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، والتى كان من المقرر أن تتم يوم الجمعة فى سويسرا، إلى أجل غير مسمى، بعد ساعات على إعلان إلغاء زيارة نائب الرئيس الأمريكى جاى دى فانس، دون تحديد موعد جديد لهذه المحادثات التى تهدف إلى التوصل لاتفاق نهائى بين البلدين خلال 60 يوما.
وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» أنها رفعت الحصار البحرى عن إيران، وأن البحرية الأمريكية لا تعرقل مرور السفن من وإلى الموانئ الإيرانية.
وأعلن مجلس الأمن القومى الإيرانى أنه وفقا لمذكرة التفاهم سيتعين على السفن التجارية الراغبة فى عبور مضيق هرمز تقديم طلباتها لهيئة إدارة المضيق الإيرانية، وأنه لن يتم فرض أى رسوم على السفن العابرة للمضيق لمدة 60 يوما بموجب المذكرة.
وفى الوقت نفسه واصل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب توجيه رسائل حازمة إلى إيران، مؤكداً أن الحرب أضعفت قدراتها العسكرية بشكل كبير، وأنها لن تحصل على أى دعم مالى أمريكى، مع تشديده على المضى حتى نهاية مهلة المفاوضات المحددة بستين يوماً.
وفى الداخل الأمريكى يواجه الرئيس ترامب موجة انتقادات من أطراف متباينة، تشمل معارضين للحرب ومؤيدين لها على حد سواء. حيث شهد الكونجرس انقساما واضحا بين أعضائه حول الاتفاق، وأكد عدد من أعضاء مجلس الشيوخ، بينهم ليندسى جراهام أن أى اتفاق يتعلق بالبرنامج النووى الإيرانى يجب أن يخضع لمراجعة الكونجرس بموجب قانون مراجعة الاتفاقات النووية مع إيران، والذى يمنح المشرعين حق مراجعة الاتفاق والتصويت عليه خلال فترة محددة.
وبرزت العديد من ردود الفعل سواء من جمهوريين أو ديمقراطيين، من بينهم السيناتور الديمقراطى آدم شيف الذى وصف مذكرة التفاهم مع طهران بأنها «وثيقة استسلام تام لإيران».
كل ذلك دفع ترامب لإصدار تصريحات دفاعية واصفا الاتفاق بأنه انتصار للولايات والمتحدة وقائلا: «إن إيران لم يعد لديها بعد الآن سلاح جو أو بحرية أو معدات دفاع جوى أو رادارات»، مضيفا «انتهى أمر إيران، وسنمضى حتى نهاية مهلة 60 يوما، ولن يحصلوا على أى أموال ولا حتى 10 سنتات».
وانتقد ترامب الديمقراطيين قائلا: «يقولون إن إيران أصبحت فى وضع أفضل مما كانت عليه قبل 4 أشهر، فهل يمكن تخيل هذا الكلام»
كما انتقدت وسائل إعلام أمريكية الاتفاق، واعتبرت أن الرئيس الأمريكى قدم «الكثير من التنازلات» لإيران ضمن مذكرة التفاهم الخاصة بوقف الحرب فى الشرق الأوسط، وأن الاتفاق تخلى عن عدد من الأهداف التى أعلنتها واشنطن عند بدء الحرب، ومنح طهران مكاسب سياسية واقتصادية كبيرة.
وخصصت شبكة «فوكس نيوز»، المعروفة بقربها من الجمهوريين، مساحة واسعة لمنتقدى الاتفاق الذين اعتبروا أن مذكرة التفاهم منحت إيران مكاسب مالية كبيرة من دون أن تلزمها بتفكيك برنامجها النووى.
وقالت شبكة «فوكس نيوز» إن الإدارة الأمريكية تصور المذكرة على أنها «إنجاز تاريخى»، بينما يرى منتقدوها أن التنازلات المقدمة لإيران تفوق بكثير ما حصلت عليه واشنطن فى المقابل.. بينما رأت صحيفة «نيويورك تايمز» أن إيران قد تخرج من الحرب وهى تمتلك «الكثير مما يدعو للاحتفال»، معتبرة أن المذكرة لا توحى مطلقاً بأنها وثيقة استسلام.
وقالت الصحيفة إن إيران أثبتت قدرتها على استخدام الفوضى الاقتصادية كسلاح، مشيرة إلى أنه فى بداية الحرب -التى اندلعت بضربات أمريكية- إسرائيلية على إيران فى 28 فبرايرالماضى- كان ترامب يتحدث عن احتمال سقوط النظام الإيرانى.
لكن الصحيفة رأت أن الرئيس الأمريكى انتهى إلى تعزيز موقع القيادة الإيرانية الجديدة، محذرة من أن طهران قد تصبح أقرب من أى وقت مضى إلى السعى لامتلاك سلاح نووى.
وتنذر الفقرة السادسة فى الاتفاق، والمتعلقة بإعادة الإعمار فى إيران، بإشعال خلاف قد يأتى على الاتفاق، حيث يقرأ كل طرف الفقرة بطريقة مختلفة.
ففى حين تؤكد الإدارة الأمريكية أن الاتفاق لا يتضمن أى نص صريح بشأن الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة أو تحويل أموال مباشرة إلى طهران، يرى مسئولون إيرانيون أن البند السادس يفتح الباب أمام تدفقات مالية واستثمارات كبيرة فى الاقتصاد الإيرانى.
وجاء أحدث هذه المواقف على لسان رئيس البرلمان الإيرانى محمد باقر قاليباف، الذى أكد أن الفقرة السادسة من مذكرة التفاهم تنص على تخصيص 300 مليار دولار للاستثمار فى إيران تحت بند «إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية»، معتبراً أن ذلك يمثل أحد المكاسب الرئيسية التى حققتها طهران فى الاتفاق.
وفى المقابل، قدمت واشنطن تفسيرا مختلفا، حيث شدد مسئولون أمريكيون خلال الأيام الماضية على أن مذكرة التفاهم لا تتضمن أى التزام بفك تجميد الأصول الإيرانية أو تقديم مبالغ مالية مباشرة للحكومة الإيرانية.
وأكدت واشنطن أن أى تخفيف للعقوبات أو إتاحة الوصول إلى الأموال المجمدة سيبقى مرتبطاً بسلوك إيران ومدى التزامها بالتعهدات النووية والأمنية الواردة فى الاتفاق، وفق مبدأ «الأداء مقابل المكافأة».
كما نفى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تقارير تحدثت عن تقديم مئات المليارات من الدولارات لإيران، واصفاً تلك المعلومات بأنها «أخبار كاذبة».
فى هذه الأثناء، كشف استطلاع للرأى -أجرته وكالة أسوشيتد برس- أن 65٪ من الأمريكيين لا يوافقون على نهج ترامب فى التعامل مع إيران، حتى بعد التوصل إلى اتفاق مؤقت لإنهاء القتال.
وكشفت النتائج عن أن غالبية الديمقراطيين والمستقلين ينظرون نظرة سلبية إلى إجراءات ترامب، مقابل 28٪ فقط من الجمهوريين.
وتضمن الاستطلاع أيضا أسئلة حول نهج الإدارة الأمريكية تجاه إسرائيل، حيث تبين أن 34٪ فقط من الأمريكيين يوافقون على هذا النهج.
أوروبا.. من الرفض إلى المشاركة الفعالة لتأمين الملاحة فى مضيق هرمز
رسالة لندن: محاسن الهوارى
تشهد الجهود الأوروبية لإعادة تأمين الملاحة فى مضيق هرمز تسارعاً لافتاً، مع بروز مبادرة تقودها بريطانيا وفرنسا لتشكيل إطار أمنى دولى متعدد الجنسيات، يهدف إلى حماية أحد أهم الممرات البحرية للطاقة فى العالم وإعادة استقرار سلاسل الإمداد العالمية بعد موجات من التوترات الإقليمية.
وقد عاد المقترح البريطانى الفرنسى الخاص بقيادة مهمة دولية متعددة الجنسيات لإعادة تأمين الملاحة فى مضيق هرمز إلى الواجهة مجدداً، فى ظل التحركات الدبلوماسية والعسكرية..
وقد برزت خلال الفترة الأخيرة مؤشرات على دعم سياسى واسع للمبادرة، مع تأييد أكثر من 40 دولة لفكرة إنشاء إطار أمنى دولى يهدف إلى حماية الممرات البحرية.. وفى تطور مهم يعكس هذا الدعم، قال وزير الدفاع الألمانى بوريس بيستوريوس إن ألمانيا ترسل سفينتين فى البحر الأحمر استعدادا لمهمة عسكرية محتملة فى مضيق هرمز.
وفى بروكسل، أشاد مارك روته، الأمين العام لحلف شمال الأطلسى «الناتو»، بالقيادة البريطانية والفرنسية لتحالف دولى يعمل على إزالة الألغام فى مضيق هرمز، وذلك لسد النقص الذى تعانى منه الولايات المتحدة فى هذا المجال.
وقال روته إن الحلف مستعد لدعم جهد تقوده أوروبا لضمان حرية الملاحة فى مضيق هرمز، مشيرا إلى أن مشاركة الحلف ستعتمد على ما إذا كانت الدول التى تنسق هذه المبادرة ستطلب المساعدة من الحلف أم لا.
ومن زاوية اقتصادية، تنظر أوروبا إلى إعادة فتح المضيق بسرعة باعتباره أولوية استراتيجية مرتبطة باستقرار أسواق الطاقة العالمية، فكل يوم من الاضطراب فى الملاحة ينعكس بشكل مباشر على أسعار النفط والغاز والتأمين، ويؤدى إلى زيادة تكاليف الشحن، وهو ما يترك أثراً واسعاً على الاقتصادات الأوروبية والعالمية فى وقت تعانى فيه من ضغوط اقتصادية متراكمة.
وقد أعلنت وزارة الدفاع البريطانية تخصيص تمويل جديد لتطوير قدرات إزالة الألغام مع إرسال مدمرة البحرية الملكية «إتش إم إس دراجون» إلى المنطقة، فضلاً عن تجهيز طائرات تايفون وأنظمة متطورة لمواجهة الطائرات المسيرة، وتوسيع نطاق التعاون مع حلفاء دوليين لتأمين الممر الملاحى، كما يجرى العمل على تعزيز قدرات الاستطلاع البحرى والجوى لضمان رصد أى تهديدات محتملة بشكل مبكر، بما يسمح بالتعامل معها قبل أن تؤثر على حركة السفن التجارية.
وبحسب تقديرات أمنية غربية فإن عمليات المسح وتطهير مضيق هرمز من الألغام قد تستغرق عدة أسابيع وربما تمتد لعدة أشهر لضمان فتح ممرات آمنة أمام السفن التجارية وناقلات النفط العملاقة.
وفى هذا السياق، دفعت بريطانيا بأنظمة متطورة للكشف عن الألغام تعتمد على المركبات البحرية غير المأهولة والغواصات الآلية الصغيرة القادرة على رصد الأجسام المتفجرة وتدميرها عن بعد.
ولا تقتصر المهمة المقترحة على إزالة الألغام فحسب، بل تشمل أيضاً توفير الحماية الجوية والبحرية للسفن التجارية ومراقبة المجال البحرى عبر الطائرات المسيرة وأنظمة الاستطلاع الحديثة.. وتؤكد لندن أن المهمة ستكون دفاعية بالكامل، ولن تكون جزءاً من أى حملة عسكرية هجومية، بل تهدف حصراً إلى إعادة حرية الملاحة وفقاً للقانون الدولى وقواعد المرور البحرى المعترف بها عالمياً.
ومن جانبها تسعى فرنسا إلى لعب دور محورى فى جهود تأمين الملاحة البحرية فى مضيق هرمز، وتشارك فى التنسيق السياسى والعسكرى مع بريطانيا ضمن خطط لإزالة الألغام وتعزيز مراقبة الممرات البحرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
وقد حركت هولندا فرقاطة متخصصة فى الدفاع الجوى وعمليات القيادة والسيطرة من جنوب شرق آسيا صوب الشرق الأوسط، إذ يمكن استخدامها للمساعدة فى تأمين حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز.. وتعتمد الخطة البريطانية الفرنسية على شبكة من القواعد العسكرية البحرية فى الخليج، إضافة إلى التعاون مع شركاء إقليميين لتوسيع نطاق الاستطلاع البحرى والجوى، ويشمل ذلك استخدام تقنيات متقدمة مثل الطائرات المسيرة بعيدة المدى وأنظمة الرصد الفضائى، بهدف تأمين مراقبة مستمرة ودقيقة للممرات البحرية الحساسة.
ورغم هذا الزخم الدولى، يبقى تنفيذ الخطة مرتبطاً بتعقيدات سياسية إقليمية، فى مقدمتها الموقف الإيرانى الذى يتحفظ على أى وجود عسكرى أجنبى فى محيط المضيق، ويؤكد أن أمنه يجب أن يُدار من قبل دول المنطقة نفسها.
ويفرض هذا التباين فى الرؤى على الأطراف الغربية تبنى مقاربة مزدوجة تجمع بين تعزيز القدرات الأمنية من جهة، والاستمرار فى المسارات الدبلوماسية من جهة أخرى لتجنب أى تصعيد غير محسوب.
غير أن نجاح هذه الجهود سيظل مرهوناً بقدرة الأطراف المعنية على تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات ميدانية قابلة للاستمرار، تضمن استقرار الملاحة وتمنع عودة التوترات فى أحد أهم الممرات البحرية فى العالم.
سيناريوهات المرحلة القادمة.. بين النجاح والعودة إلى «نقطة الصفر»
ياسمين هانى
انتهت الحرب الصعبة التى اندلعت بين أمريكا وإيران فى أحدث جولاتها فى ٢٨ فبراير الماضى.. وبعيدا عن الخوض فى الإجابة عن سؤال من فاز فيها، إلا أن السؤال الأهم هو هل ستكون هى آخر الحروب بين الجانبين أم لا.. فاتفاق وقف إطلاق النار الذى تم توقيعه يقضى بفترة ٦٠ يوما للتفاوض حول الملفات الأساسية..

على أن يعود فيها الوضع لحالته قبل الحرب: مضيق هرمز مفتوح وتدفق التجارة وإمدادات النفط طبيعى وآمن، أما البرنامج النووى والعقوبات والأرصدة الإيرانية المحتجزة فهى ملفات تنتظر الجانبين فى قاعات مغلقة. وأمس توعد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مجددا بأنه فى حال عدم التوصل لاتفاق بشأن هذه الملفات «فسيقوم بأشياء لن تجلب السعادة للإيرانيين» لكنه استدرك قائلا «لكنى لن أفعل ذلك».. وهذا التصريح يعطى المعنى وعكسه.. فهو يتوعد وفى الوقت نفسه يعد بعدم تنفيذ الوعيد.
فماذا ينتظر الجانبان إن نجحت أو فشلت هذه المفاوضات المرتقبة؟
بداية، تبدو قوة احتمالات النجاح متأتية من رغبة الطرفين القوية فى وقف هذه الجولة القتالية..
ومن بين تفاصيل عديدة عاشها العالم خلال متابعته تطورات الحرب.. يبدو الشىء الأهم أن القوة المسلحة لم تستطع حسم المعركة.
وكانت أسباب أخرى هى وراء اتجاههما نحو الحل.. فكل منهما قد علم نقطة ضعف الطرف الآخر وقام باستغلالها جيدا لإلحاق ألم به لا يمكن نسيانه بسهولة..
أما إيران فقد أخضعت أمريكا عبر إغلاق مضيق هرمز.. والذى سبب ألما اقتصاديا ضخما للمواطنين الأمريكيين «والعالم» وهو ما هدد بطبيعة الحال الوضع السياسى والاقتصادى داخل الولايات المتحدة.. ولم تستطع أمريكا تحرير المضيق، لا عسكريا ولا سياسيا «عبر محاولة إشراك أطراف دوليين فى الضغط على إيران وقد رفضت جميع الدول التدخل فى حرب ترامب»..
ولم يكن أمام أمريكا فى المقابل إلا فرض حصار كامل على المضيق، وربما كان ذلك هو الخطوة الوحيدة التى أخضعت الإيرانيين أخيرا بعد صمود عسكرى وشعبى وسياسى استمر شهورا طويلا. فالاقتصاد هو نقطة الضعف الإيرانية.. وهو الذى جعل الإيرانيين يبدون قدرا من التنازل فى المفاوضات يتضمن التخلى عن مسألة فرض رسوم على العبور فى مضيق هرمز..
وهو ما يعنى عمليا إسقاط المقترحات التى تحدثت عن إدارة إيرانية وعمانية للمضيق، وذلك فى مقابل رفع أمريكا حصارها عن المضيق والسماح للاقتصاد الإيرانى مرة أخرى بالتنفس. ربما تعلمت أمريكا أخيرا أن الضغط والحصار الاقتصادى هو السياسة الوحيدة التى تعمل مع إيران، وليس الحرب..
وكان هذا فحوى تحليل نشره المفكر ستيفن كوك فى مجلة فورين بوليسى قبل اندلاع الحرب الأخيرة بعدة أشهر، حيث اعتبر أن الضغط الاقتصادى هو السياسة الناجحة الوحيدة مع طهران، لترويض تمردها.. وفى ذلك السياق يمكن فهم تصريحات ترامب إبان سفره لحضور قمة السبع فى باريس عندما قال إنه لن تقوم أمريكا بأى استثمارات فى إيران، وهو ما يرسل إشارة سيئة للمستثمرين الغرب بشأن مسألة العمل داخل إيران.
كل من الجانبين، الأمريكى والإيرانى يريد وقف القتال فى أسرع وقت ممكن، حتى يتم تضميد الجراح الاقتصادية التى أدخلت المواطنين فى كلا البلدين لساحة المعركة إلى جانب جيوشهما.. وأوقعت منهما ضحايا كثيرين وعقدت الأمل فى المستقبل لدى هؤلاء.
لكن فترة الستين يوما أيضا قد تشهد فشلا وعودة للقتال.. فما احتمالات ذلك السيناريو؟
يمكن القول أن الطرف الوحيد المتضرر من وقف هذه الحرب هو إسرائيل.. وهى التى بالتأكيد ستعمل على إفشال المفاوضات والعودة للحرب.. فهؤلاء لا قبل لهم بالسلام فى المنطقة.. أما سبيلهم الأول إلى ذلك فهو ما يتعلق بلبنان. فالاتفاق الأمريكى والإيرانى قد نص على وقف الحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان..
أما سبب إيران فى تمسكها بذلك فهو دعم لحليفها حزب الله، الذى يضمن -مجرد وجوده- تشتتا عسكريا وسياسيا إسرائيليا.. فخلاص إسرائيل من حزب الله يفرغها تماما للهدف المتعلق بالقضاء على إيران، بينما تشغلها الحرب فى لبنان سنوات وسنوات عن هدفها الآخر وقدرتها على الحسم بشأنه. وأمام رغبة إسرائيلية مستمرة فى «حرق كل لبنان» «رغم الاتفاق»، جاءت نبرات قاسية من أمريكا ضد حكومة تل أبيب..
«وهو فى ذاته أحد مؤشرات رغبة أمريكية قوية فى تحقيق السلام». وهوجمت إسرائيل بشدة على لسان ترامب ونائبه جى دى فانس الذى سعيا لإرعاب الإسرائيليين بالقول إنه لولا أمريكا لسحقت إسرائيل فى هذه الحرب. والتصريح يهدف إلى إبعاد الإسرائيليين عن دعم فكرة الحرب مجددا ضد إيران.. وكذلك لبنان.. فتجدد القتال فى لبنان يعنى العودة لاندلاع الحرب مع إيران.
ورغم دخول وقف اتفاق إطلاق النار مجددا حيز التنفيذ فى جنوب لبنان إلا أن الإسرائيليين لا عهد لهم.. ومع ذلك، فلا قبل لتل أبيب بمعارضة واشنطن علانية..
ومن ثم فسيظل وقف إطلاق النار ساريا حتى تستطيع إسرائيل أن تقوم بإقناع الجانب الأمريكى مرة أخرى بالسماح لها باستئناف الحرب.. ويبدو الأمر ملحا لحكومة بنيامين نتنياهو إذ تقبل دولة الاحتلال على انتخابات برلمانية خلال أقل من ١٢٠ يوما..
ولم تستطع حتى الآن فى حروبها العديدة منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ الحسم على أى جبهة.
طهران.. خطوط حمراء ثابتة أم تمهيد لتسوية مؤجلة؟
مــروى حـسـن
فى الشرق الأوسط، لا تُقاس أهمية المفاوضات فقط بما يتحقق على طاولة الحوار، بل بما تكشفه مواقف الأطراف من حدود التنازل وإمكانيات التسوية.

ومع دخول المفاوضات الأمريكية - الإيرانية مرحلة الستين يوماً التى ينظر إليها الطرفان باعتبارها محطة مهمة لاختبار فرص التفاهم، جاء خطاب المرشد الإيرانى مجتبى خامنئى ليقدم مؤشرات واضحة على رؤية طهران للقضايا المطروحة للبحث، وليكشف فى الوقت نفسه عن طبيعة المرحلة التى وصلت إليها المباحثات، وما إذا كانت تتجه نحو اختراق سياسى أم نحو إدارة طويلة الأمد للخلافات القائمة.
فالخطاب لم يكن مجرد إعلان بالموافقة على مذكرة التفاهم أو تمهيداً لمرحلة جديدة من المفاوضات، بل حمل فى طياته مجموعة من الرسائل السياسية التى تعكس رؤية القيادة الإيرانية للمرحلة المقبلة. فقد حرص المرشد على التأكيد أن موافقته لم تنطلق من اقتناع كامل بالمسار التفاوضى، حين أشار إلى أنه كانت لديه «رؤية أخرى» من حيث المبدأ، قبل أن يربط موافقته بالتعهدات التى قدمها الرئيس الإيرانى والمجلس الأعلى للأمن القومى بشأن حماية حقوق الشعب الإيرانى وصون مصالح جبهة المقاومة.
كما عكس الخطاب قدراً كبيراً من الحذر تجاه النوايا الأمريكية، إذ لم يقدم التفاهم باعتباره إنجازاً نهائياً أو بداية لعلاقة مختلفة مع واشنطن، بل باعتباره خطوة مشروطة ستخضع لاختبار التنفيذ العملى.
وتتعامل القيادة الإيرانية مع البرنامج النووى باعتباره حقاً سيادياً غير قابل للمساومة، حيث تؤكد أن التخصيب جزء من مكانة الدولة وهيبتها.
أما ملف اليورانيوم المخصب، فيمثل فى العقل الاستراتيجى الإيرانى ضمانة ضد تكرار تجربة انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووى عام 2018. ولذلك ترفض طهران أى طرح لنقله خارج البلاد أو التخلى عنه بالكامل، باعتباره ورقة قوة وردع فى أى مفاوضات مستقبلية.
وفى المقابل، تمثل العقوبات الاقتصادية جوهر الأزمة من وجهة نظر طهران، إذ ترى القيادة الإيرانية أن المشكلة الأساسية ليست فى البرنامج النووى نفسه، بل فى استخدامه كأداة ضغط اقتصادى. لذلك تشدد على أن نجاح أى اتفاق يقاس بمدى قدرته على رفع العقوبات فعلياً، وإعادة الأموال المجمدة، وفتح القنوات المصرفية والتجارية، وليس بمجرد التفاهمات السياسية.
أما النفوذ الإقليمى الإيرانى، فتعتبره طهران جزءاً من منظومة الأمن القومى والردع، وترفض إدراجه فى أى مفاوضات نووية. ويعكس خطاب المرشد ربطاً واضحاً بين التفاهمات وحماية «جبهة المقاومة»، فى إشارة إلى أن هذا الملف خارج دائرة المقايضة.
ويظهر الخطاب أيضاً درجة عالية من التوافق بين مؤسسات الحكم الإيرانى، حيث تتقاطع مواقف وزارة الخارجية ومنظمة الطاقة الذرية والحرس الثورى والرئاسة حول الخطوط الحمراء نفسها، وإن اختلفت درجات المرونة فى الخطاب. ويعزز هذا التوافق صورة موقف إيرانى مؤسسى موحد، يقلل من هامش المناورة التفاوضية.
كما أن الخطاب يحمل بعداً داخلياً واضحاً، إذ يهدف إلى التأكيد أن التفاوض لا يعنى التراجع عن الإنجازات الاستراتيجية، بل يأتى ضمن إطار إدارة محسوبة للمصالح دون المساس بالثوابت، وهو ما يعزز التماسك الداخلى فى مواجهة الضغوط الاقتصادية والسياسية.
ولا يمكن فصل هذا الموقف عن التحولات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة، إذ ترى طهران أن الضغوط القصوى لم تنجح فى تغيير سلوكها الاستراتيجى، بل دفعتها إلى تعزيز قدراتها النووية والإقليمية، ما جعلها تدخل المفاوضات من موقع أكثر ثقة.
ومع دخول المفاوضات مرحلة الستين يوماً دون الوصول إلى محطتها النهائية، تبدو مواقف الطرفين أكثر وضوحاً من أى وقت مضى. فالمحادثات نجحت فى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة ومنع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، لكنها لم تحقق اختراقاً حاسماً فى الملفات الخلافية. ويبدو أن خطاب المرشد جاء ليحدد سقف المرحلة المقبلة من التفاوض أكثر من كونه تقييماً لنتائجها، مؤكداً أن أى تفاهم مستقبلى يجب أن يراعى الخطوط الحمراء الإيرانية.
وبذلك نجد إيران تدخل هذه المرحلة وهى تسعى إلى تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية دون المساس بعناصر قوتها، بينما تحاول واشنطن فرض قيود أوسع على برنامجها النووى ودورها الإقليمى. وبين هذين التصورين المتعارضين، يبقى مستقبل المفاوضات مرهوناً بقدرة الطرفين على تضييق فجوة الثقة أكثر من ارتباطه بحل الخلافات التقنية وحدها.
تل أبيب.. نتنياهو يحاول إجهاض الاتفاق بـ «رفسة الذبيح»
محمد نعيم
يدرك نتنياهو أن إجهاض الاتفاق بين واشنطن وطهران، هو الورقة الوحيدة التى يمكنها تجديد الثقة فى حكومته عبر صناديق الاقتراع، ويسعى بكل قوته إلى إحراز نتائج ملموسة على أرض الواقع فى هذا الشأن، حتى إذا كانت على حساب علاقات تل أبيب الوطيدة بالولايات المتحدة، لا سيما بعد تأكيد استطلاع رأى أجرته صحيفة «معاريف» أن اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، خلق تضاربًا ملحوظًا فى توجهات الرأى العام الإسرائيلى.

ووفقًا لنتائج الاستطلاع الذى أجرته الصحيفة العبرية، لعب اتفاق واشنطن وطهران دورًا محوريًا فى استمرار هبوط شعبية «الليكود» ورئيسه بنيامين نتنياهو.. وتشير نتائج الاستطلاع إلى استعادة كتلة المعارضة، باستثناء الأحزاب العربية، أغلبيتها بـ61 مقعدًا، وفيما حصلت الأحزاب العربية على 10 مقاعد، لم يحصل الائتلاف الإسرائيلى الحاكم إلا على 49 مقعدًا.
ووفقًا لـ«معاريف»، أثارت معطيات الاستطلاع دهشة المراقبين، وعكست مدى التحول المفصلى فى مزاج الرأى العام الإسرائيلى، لا سيما مع تجاوز أحزاب «الصهيونية الدينية» عتبة الأغلبية على عكس السابق، رغم أن هذا التطور لا يكفى لتشكيل كتلة قوية للائتلاف.
كما أظهر الاستطلاع أن حوالى نصف الإسرائيليين «49٪» قلقين بشأن الخلاف الحالى بين نتنياهو والرئيس الأمريكى دونالد ترامب، بينما لم يبد 43٪ من المستطلعة آراؤهم قلقًا، وقال 8٪ إنه ليس لديهم رأى فى هذه القضية.
وفيما وصفت بأنها «رفسة ذبيح يحتضر»، خرق نتنياهو اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان، للتأثير على المضى قدمًا فى المفاوضات الإيرانية - الأمريكية، ولم يكترث فى الوقت ذاته بنظيرتها الجارية بين بيروت وتل أبيب فى واشنطن، مدللًا على عدم اهتمامه بها عبر اكتفائه بتمثيل إسرائيل فى المفاوضات بسفيرها المتطرف يحيئيل ليتر، بالإضافة إلى ضابط برتبة عميد فى الجيش الإسرائيلى.
ولا تبتعد توجهات اللحظات الأخيرة لدى نتنياهو عن نظيرتها فى قيادة الجيش الإسرائيلى، الذى دخل على خط تل أبيب السياسى، وحذر نتنياهو من فرض الاتفاق بين واشنطن وطهران قيودًا على ما وصفه بـ«حرية عمل الجيش الإسرائيلى فى لبنان»، ورفع قيادات عسكرية فى تل أبيب 3 وصايا للمستوى السياسى، رأت حتمية تمريرها، خلافًا للاتفاق الأمريكى المعلن مع طهران، ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن معسكر الجنرالات الإسرائيلى الوصايا، التى جاء فى طليعتها: بقاء السيطرة الإسرائيلية على منطقة أمنية عازلة بعمق 10 كيلومترات داخل لبنان، وفرض حرية عمل الجيش الإسرائيلى فى جنوب البلاد، علاوة على حتمية نزع سلاح حزب الله.
وعكست الوصايا الثلاث رغبة إسرائيل فى عرقلة اتفاق إيران، خاصة وهى تدرك اشتراط طهران بموجب نص البند الأول من الاتفاقية، أنه بمجرد توقيع مذكرة التفاهم، يجب وقف الحرب بشكل فورى ودائم على جميع الجبهات، بما فى ذلك لبنان، بالإضافة إلى تعهد الولايات المتحدة وإيران، بعدم تبادل الهجمات فيما بينهما، وضمان وحدة أراضى لبنان وسيادته.
وفى سياق لقاء مع صحيفة «يديعوت أحرونوت»، تطرق مسئولون عسكريون فى تل أبيب إلى ما أسموه تأثيرات الاتفاق مع إيران على المستقبل الإسرائيلى المنظور، وأكد هؤلاء أن «أكبر ضرر ناجم عن الاتفاق، يكمن فى الصورة العامة، والتأثير على الإنذارات المستقبلية»، وذهبوا إلى أن إسرائيل ستواجه نتائج كارثية أكبر للاتفاق مع إيران خلال الانتخابات الأمريكية بعد عامين، فى إشارة إلى خسارة دعم البيت الأبيض، بغض النظر عمن سيخلف ترامب.
وفيما يتعلق بالحرب والاتفاق، قال المسئولون: «أولًا، الإنجازات العملياتية وتقليص القدرات أمران مهمان ومؤثران، وسيتركان بصماتهما لفترة معينة. ثانيًا، فيما يخص الاتفاق: من الجوانب الإيجابية -رغم كل الثغرات فيه- أن هناك احتمالًا لتأجيل البرنامج النووى لمدة تتراوح بين 10 و15 عامًا، وإجبار الإيرانيين على الانخراط فى إعادة التأهيل، وتقليل الدعم المقدم لوكلاء طهران الإقليميين».
ومع ذلك، حمَّل المسئولون بنيامين نتنياهو مسئولية مآلات الأوضاع، سواء على المسار الإيرانى أو اللبنانى، وعلى حد قولهم «تنبع المرارة من عدة أسباب، أبرزها: تعويل نتنياهو بشكل كامل على الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى إدارة الأزمة، وتناقض الواقع مع الوعود والشعارات، وخوض الحرب دون تخطيط أو تحديد استراتيجية حقيقية».
وفى السياق، رأت صحيفة «معاريف» أن أزمة إسرائيل الحقيقية لا تكمن فى الاتفاق مع إيران، ولا حتى فى إبعاد حكومة نتنياهو عن صياغة بنوده، وإنما فى العزلة التى آلت إليها، وعجزها عن إدراك سياسة البيت الأبيض، الرامية إلى إبرام صفقات وإنهاء صراعات، حتى مع بقاء مخاوف حلفاء واشنطن القدامى فى ظل مواجهة تطورات ومتغيرات عالمية متسارعة.
وفى تحليلها لما وصفته بالواقع الإسرائيلى، قالت الصحيفة، إن تركيز إسرائيل على اتفاق إيران وبنوده، «قد يكون فى غير محله»، إذ ينبغى عليها أن تولى اهتمامًا بالوثيقة وبنودها، وانتباهًا أكثر إلى تدهور مكانتها على مستوى العالم، خاصة إزاء العلاقات المعقدة مع إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.
ولفتت إلى حتمية استيعاب إسرائيل للأحداث الأخيرة فى واشنطن، واعتبارها بمثابة «جرس إنذار»، فتكرار الرئيس ترامب، عبارة «نتنياهو رجل جيد، ولكن»، يؤشر على احتمال تهميش المصالح الإسرائيلية، لصالح نظام عالمى جديد تسعى الولايات المتحدة بموجب معطياته إلى إحراز سلام إقليمى سريع.
وأشارت إلى أن صياغة وثيقة اتفاق المبادئ مع طهران، حملت ما بين سطورها ما يمنح الولايات المتحدة وإيران تحقيق النجاح، فمن جهة، يدعى الإيرانيون تحقيق إنجازات بالغة الأهمية، لما تضمنته المذكرة من وعود بالإفراج عن الأموال المجمدة، ومنح تراخيص تصدير النفط فورًا، ووضع خارطة طريق لإنهاء العقوبات بشكل كامل، وخطة إنعاش اقتصادى ضخمة لا تقل قيمتها عن 300 مليار دولار.
ومن ناحية أخرى، تلقى الأمريكيون النتيجة النهائية التى طال انتظارها، والتى تبرر الخطوة بأكملها: إلزام طهران بمناقشة تفكيك البرنامج النووى، وتخفيف المواد المخصبة، علاوة على بند صريح، ينص على تعهد الإيرانيين بعدم امتلاك قنبلة نووية، أو تطويرها، وهو ما اعتبرته «معاريف» توازنًا بلغة المصالح بين مكاسب الجانبين، فيما بقيت إسرائيل بسياستها خارج إطار خارطة الأهداف.
فيينا.. الوكالــــــــــــــــــــــة الدولية تعود إلى قلب الملف النووى
سميحة شتا
مع بدء تنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران، عادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى صدارة المشهد الدولى لتجد نفسها مرة أخرى فى موقع الضامن التقنى لأى اتفاق سياسى بين الطرفين.

غير أن هذه العودة تأتى فى ظروف أكثر تعقيداً من تلك التى رافقت الاتفاق النووى عام 2015، إذ تزامنت مع أول انتكاسة للمسار التفاوضى بعد إعلان وزارة الخارجية السويسرية عدم انعقاد المباحثات التى كانت مقررة فى منتجع برجنستوك يوم 19 يونيو، على خلفية خلافات مرتبطة بالتطورات فى لبنان والتنسيقات السياسية والفنية، بحسب ما نقلته وكالة «رويترز» وموقع «أكسيوس». ورغم هذه الانتكاسة، تبدو الوكالة الدولية للطاقة الذرية الطرف الأكثر أهمية فى الحفاظ على استمرارية المسار الدبلوماسى، باعتبارها الجهة القادرة على تحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات عملية قابلة للتحقق والقياس.
وكان المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل جروسى، قد أعلن أن الوكالة ستكون جزءاً أساسياً من المفاوضات المرتقبة للتوصل إلى اتفاق نهائى بين واشنطن وطهران بشأن البرنامج النووى الإيرانى، مؤكداً خلال مؤتمر صحفى أن المرحلة المقبلة ستكون «تقنية بالدرجة الأولى»، وأن الوكالة ستعمل بالتنسيق مع المسئولين الأمريكيين والإيرانيين لصياغة الخطوات العملية اللازمة لتنفيذ التفاهمات، وأضاف جروسى أن وجود نص صريح يشير إلى أن تنفيذ الاتفاق سيتم «تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومراقبتها» يمثل نقطة محورية، لأنه يؤكد أن المجتمع الدولى ما زال يعتبر الوكالة المرجعية الأساسية فى ملف الرقابة النووية.
غير أن مسألة استئناف عمليات التفتيش الدولية داخل المنشآت النووية الإيرانية، التى تُعد الاختبار الأول لفاعلية الاتفاق، ما تزال محاطة بالغموض والتباين فى المواقف.
فقد أفادت وكالة «أسوشيتد برس» بأن المبعوث الأمريكى ستيف ويتكوف أبلغ أعضاء فى الكونجرس، خلال إحاطة مغلقة، أن إيران تعتزم توجيه دعوة رسمية إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية لاستئناف عمليات التفتيش داخل مواقعها النووية، والعمل على تحديد مواقع المواد النووية المخصبة والكشف عنها.
كما أشارت الوكالة إلى وجود رسالة منفصلة بين إيران والوكالة تتعلق بإعادة تفعيل منظومة الرقابة الدولية.
إلا أن وزارة الخارجية الإيرانية سارعت إلى نفى هذه المعلومات، مؤكدة فى بيان صدر يوم الجمعة الماضى عدم صحة ما تم تداوله بشأن توجيه دعوة للوكالة الدولية للطاقة الذرية لتفتيش المنشآت النووية الإيرانية.
وأوضحت الوزارة أن عمليات التفتيش، التى توقفت بسبب الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية، ستظل مرتبطة بمسار المفاوضات ونتائجها، مشيرة إلى أن المحادثات الخاصة بالملف النووى ستُجرى خلال شهرين وفقاً لما نصت عليه مذكرة التفاهم، وذلك بعد استيفاء الشروط التمهيدية اللازمة.
ويعكس هذا التباين بين الروايتين الأمريكية والإيرانية أن ملف الرقابة الدولية لا يزال أحد أكثر الملفات حساسية، وأن دور الوكالة فى المرحلة المقبلة سيظل رهناً بالتفاهمات السياسية والضمانات المتبادلة بين الطرفين.
وتُعد الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التى تأسست عام 1957 وتتخذ من فيينا مقراً لها، الهيئة الدولية المسئولة عن تعزيز الاستخدامات السلمية للطاقة النووية ومنع انتشار الأسلحة النووية.
وتضم الوكالة نحو 180 دولة عضواً، وتتمثل مهامها فى التحقق من التزام الدول باتفاقات الضمانات النووية، ومراقبة المنشآت النووية، والإبلاغ عن الأنشطة المتعلقة بالمواد الانشطارية، فضلاً عن وضع معايير السلامة والأمن النوويين، بحسب الموقع الرسمى للوكالة والأمم المتحدة.
وقد برز دور الوكالة بصورة غير مسبوقة خلال الاتفاق النووى الإيرانى المبرم عام 2015، المعروف باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة»، حين أصبحت الجهة المخولة بالتحقق من تنفيذ إيران التزاماتها النووية.
وشمل ذلك مراقبة خفض عدد أجهزة الطرد المركزى، والإشراف على تقليص مخزون اليورانيوم المخصب، ومتابعة إعادة تصميم مفاعل آراك للمياه الثقيلة، إضافة إلى تنفيذ نظام تفتيش موسع شمل مواقع نووية معلنة وأخرى مشتبها بها.
وعلى مدى سنوات، أصدرت الوكالة تقارير دورية أكدت فى معظمها التزام إيران ببنود الاتفاق، قبل أن تتغير المعادلة بعد انسحاب الولايات المتحدة منه عام 2018 وإعادة فرض العقوبات على طهران.
واليوم، تجد الوكالة نفسها أمام مهمة مشابهة، لكنها أكثر تعقيداً. فالاتفاق الجديد لا يقتصر على إعادة فرض قيود على البرنامج النووى الإيرانى، بل يشمل أيضاً معالجة ملفات تراكمت خلال السنوات الماضية، أبرزها قضية المواد النووية المخصبة والمواقع غير المعلنة.
وتنص الفقرة الثامنة من مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية على التزام طهران بعدم السعى إلى امتلاك أو تطوير أسلحة نووية، كما تشير إلى التوصل إلى آلية لمعالجة مخزون المواد النووية المخصبة وخفض مستويات تخصيبها تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وفى هذا السياق، ستواجه الوكالة تحدياً أساسياً يتمثل فى استعادة منظومة الرقابة الكاملة على المنشآت النووية الإيرانية، ولا سيما مواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التى تعرض بعضها لأضرار نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية خلال الحرب التى اندلعت فى فبراير الماضى. فالوكالة لا تراقب نسب التخصيب فقط، وإنما تشرف أيضاً على سلامة المنشآت النووية وتقييم المخاطر البيئية والأمنية المرتبطة بها.
ولهذا دعا جروسى، خلال اجتماع طارئ لمجلس المحافظين، إلى السماح للمفتشين بالوصول الفورى إلى المواقع الإيرانية لتقييم حجم الأضرار، مشيراً إلى أن الوكالة لا تزال غير قادرة على تقديم تقييم كامل لما حدث داخل منشأة فوردو الواقعة تحت الأرض.
كما ستلعب الوكالة دور الوسيط التقنى بين واشنطن وطهران، وهو دور اكتسب أهمية متزايدة خلال السنوات الماضية. فبفضل خبرتها الفنية وشبكة مفتشيها وأنظمة المراقبة التى طورتها على مدى عقود، تستطيع الوكالة توفير أرضية مشتركة تسمح للطرفين بتجاوز الخلافات السياسية والتركيز على المعايير التقنية القابلة للتحقق.
وقد أشار جروسى إلى هذا المعنى عندما أكد، فى تصريحات نقلتها «رويترز»، أن أى مفاوضات ناجحة يجب أن تنطلق من افتراض حسن النية والرغبة المشتركة فى النجاح، معتبراً أن وجود الوكالة يساهم فى بناء الثقة بين الأطراف.
لكن التفاؤل الذى أبداه جروسى لا يخفى حجم التحديات التى تواجه الوكالة. فالتجربة السابقة مع اتفاق 2015 أثبتت أن نجاح التفاهمات النووية لا يعتمد على الجوانب التقنية وحدها، بل يتأثر أيضاً بالتطورات السياسية داخل الولايات المتحدة وإيران، وبالتوترات الإقليمية ومواقف الأطراف الأخرى، وفى مقدمتها إسرائيل.
وقد ظهرت هذه التعقيدات سريعاً مع إلغاء المباحثات التى كانت مقررة فى سويسرا، بعدما أشارت تقارير أمريكية وإيرانية إلى أن التوتر فى جنوب لبنان والخلافات بشأن وقف إطلاق النار ربما كانا من بين أسباب تأجيل اللقاء.
وبينما يواجه المسار الأمريكى الإيرانى أول اختبار حقيقى بعد تأجيل محادثات سويسرا وتباين المواقف بشأن استئناف عمليات التفتيش، تبدو الوكالة الدولية للطاقة الذرية اللاعب الأكثر تأثيراً فى تحديد مستقبل الاتفاق.
فنجاح التفاهم لن يقاس فقط بما يعلنه السياسيون أو بما يُكتب فى الوثائق، بل بقدرة المفتشين على التحقق من الالتزامات على الأرض، وبمدى نجاح الوكالة فى استعادة الثقة الدولية فى سلمية البرنامج النووى الإيرانى.
ومن هنا، فإن مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران قد يعتمد إلى حد كبير على الدور الذى ستؤديه الوكالة خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، تماماً كما حدث قبل أكثر من عقد عندما كانت الضامن التقنى لاتفاق 2015، وكما تأمل اليوم أن تكون الجسر الذى يمنع المنطقة من الانزلاق مجدداً نحو المواجهة.
الحوثيون يدخلون على خط الازمة| غارات إسرائيلية على النبطية.. وتقارير عن «مسودة أمنية» بين تل أبيب وبيروت
خطة أمريكية قطرية لإفراج مشروط عن أموال إيران المجمدة
«تصريح» يشعل روما| إلغاء زيارة تايانى لواشنطن.. وميلونى لـ«ترامب»: نحن لا نتوسل





